قالت مجلة “نيويوركر” الأمريكية أن اعتقال الرئيس التونسي قيس سعيد للشيخ رائد الغنوشي زعيم حزب النهضة ورئيس البرلمان “سيكون بالنسبة إلى الإسلاميين الذين يتبنون العنف، دليلا جديدا على عدم جدوى صندوق الاقتراع، لذلك فإن إسكات صوت رئيس حركة النهضة خسارة للغرب أيضا”.
وخلّف اعتقال رئيس البرلمان المنحل راشد الغنوشي، انتقادات من قوى إقليمية ودولية دعت أغلبها السلطات التونسية إلى احترام مبادئ القانون والحريات والتعددية السياسية في البلاد، فيما أكدت منظمات وصحف أجنبية أن سجن رئيس حركة النهضة كان لحظة قاتمة وحالكة في المشهد التونسي.
وقالت صحيفة نيويوركر أن تونس التي كانت مهد الربيع العربي هي آخر معقل يفشل فيه التحول الديمقراطي بعد عقد من الحرية والانفتاح، وذلك بعد صعود الرجل القوي قيس سعيّد إلى سدّة الحكم.
وفي تقرير بعنوان: ” تونس تعتقل زعيم المعارضة الأبرز فيها”، أشار الصحفي ديفيد كيركباتريك إلى أن قيس سعيد بدأ بإغلاق البرلمان وفرض دستوره الخاص وضيق الخناق على منتقديه وأنهى مسار “استيلائه” على السلطة باعتقال الغنوشي.
ووصف كيركباتريك راشد الغنوشي في مقاله بـ”زعيم” أكبر حزب في تونس والمفكر الأكثر نفوذا في العالم العربي من خلال مقاربته السياسية القائمة على التوليف بين الديمقراطية الليبرالية والحكم الإسلامي.
الغنوشي والحكم في مصر
ويشير الصحفي ديفيد كيركباتريك إلى أنّ ما يفوق سيرة الغنوشي العلمية وأدبياته التي أراد تأصيلها في الداخل التونسي، هو نظرته الاستشرافية وقراءته الموضوعية للواقع والوقائع، مؤكدا أنّ رئيس حركة النهضة أيقن مبكرا أن الحالة الديمقراطية المصرية لن تعمر طويلا.
فالرجل، حسب كاتب المقال، أمضى أكثر من عقدين من الزمن يفكر ويكتب عن الوعود نفسها التي أطلق الإخوان المسلمون في مصر حملتهم على أساسها، وعن الجمع بين الحكم الإسلامي والانتخابات الديمقراطية والحريات الفردية.
ويقول الصحفي: “في أواخر ربيع 2013 -قبل عقد من الزمن-سافر إلى مصر لتقديم المشورة إلى أول رئيس منتخب ديمقراطيا، محمد مرسي (جماعة الإخوان المسلمين)، مضيفا أنه في تلك الفترة أجرت كل من تونس ومصر وليبيا انتخابات ذات مصداقية وبدأت في صياغة مواثيق (دساتير) جديدة، وفي اليمن أشاد الجميع بالتسليم السلمي للسلطة، وفي سوريا كان معظم الثوار يسيرون تحت راية الديمقراطية وليس تحت راية التطرف.
وتابع كيركباتريك: “بعد عامين ونصف من الإطاحة بالرئيس حسني مبارك، بدأت المعارضة تحتج مطالبة باستقالة محمد مرسي، فيما كان قائد القوات المسلحة يرسل إشارات متضاربة عن ولائه.
وجاء في تقرير نيويوركر أن راشد الغنوشي أكد لكاتب المقال بعد أشهر تلت رحلته إلى القاهرة- في مقر حزب النهضة بتونس- أنه حاول إقناع الرئيس مرسي من أجل تحقيق أهداف التحوّل الديمقراطي عن طريق التنازل عن جزء من السلطة طواعية.
وهذه الخطوط العريضة لرواية الغنوشي-التي طلب من الصحفي عدم نشرها في حينها-أكدها مستشارو مرسي لاحقًا.
وأضاف التقرير أن الرئيس محمد مرسي أغفل جانبا مهما في الحكم وهو ما أشار إليه راشد الغنوشي في كتاباته وأدبياته (الحرية والتعايش والأمان)، خاصة فيما يتعلّق بالأقليات مثل الليبراليين العلمانيين والأقباط.
ويقول الصحفي إنّ هذه الفئة مُنحت في العهد الاستبدادي القديم (حسني مبارك) بعض الحماية، لكنها ذهبت في حقبة مرسي دون سبب وجيه، الأمر الذي أفقدها القدرة على التحكم في التوازنات المتعلقة بالحكم والحقوق الفردية.
وفي سياق متصل بنصائح الغنوشي للإخوان في مصر، كشف الصحفي أنّ رئيس حركة النهضة طلب من مرسي ومستشاريه إيلاء الديمقراطية ورسائل التعايش والطمأنة بين مكونات المجتمع الواحد (أقباط أحزاب معارضة بألوانها) الأولوية القصوى خاصة بعد النجاح في الانتخابات وصياغة دستور جديد.
وحسب الصحفي، فإن الغنوشي طلب من مرسي تشكيل حكومة وحدة قبل انتخابات أخرى، مشيرا إلى أنّ رئيس حركة النهضة صرّح له بأن: “ديمقراطية الإجماع تنجح وليس ديمقراطية الأغلبية”، لكن مرسي رفض تلك النصيحة، مقتنعا بأن التنازل عن السلطة تحت التهديد بالاحتجاجات سيكون استسلاما للابتزاز السياسي وسابقة خطيرة.
وأوضح كيركباتريك أنّه “لو اتبع مرسي نصيحة الغنوشي، لربما كان بإمكانه نزع فتيل الاحتجاجات التي ملأت الشوارع يوم 30 جوان مطالبة إياه بالتنحي، أو على الأقل كسب المزيد من الليبراليين المصريين”
وأضاف الصحفي أنّ النصيحة كانت ستجنب مصر صعود عبد الفتاح السيسي في 3 جويلية 2013 إلى الحكم ولما كانت التجربة الديمقراطية في مصر التي استمرت ثلاثين شهرًا انتهت، أو قتل أكثر من ألف إسلامي مصري في الشوارع لمعارضتهم الانقلاب، وسُجن عشرات الآلاف غيرهم. طالب أولئك الذين كانوا تحت الأرض أو في المنفى بالانتقام من الفصائل الليبرالية ظاهريًا التي دعمت في البداية استيلاء السيسي على السلطة.
ويؤكد الصحفي أنّ الغنوشي ما زال على نهجه الفكري القائم على درء الاستبداد بالديمقراطية، مشيرا إلى أنّه يحث على المصالحة المصرية، إذ كشف له في حديث سابق أنّ “السفينة المصرية يجب أن تضم جميع المصريين وليس إلقاء بعضهم في الماء، يجب ألا يكون هناك عقاب جماعي إن علاج الديمقراطية الفاشلة هو المزيد من الديمقراطية”
بين التوافق والأغلبية
يمضي الصحفي في تقريره قائلا إنّه في الأشهر التي أعقبت الانقلاب المصري، انهارت ثورة الربيع العربي تلو الأخرى بسبب اليأس والتطرف، وهو انعكاس عام 2011، عندما أثار اعتصام ميدان التحرير الحركات الديمقراطية في العواصم في جميع أنحاء المنطقة، حيث كانت تونس استثناءً من المنعطف المظلم بعد الانقلاب جزئيا لأن الغنوشي اتبع نصيحته الخاصة هناك في العام التالي.
في 2013، أدى اغتيال اثنين من السياسيين العلمانيين ذوي الميول اليسارية إلى توقف العملية السياسية وصياغة الدستور، واشتبه المعارضون في قيام متطرفين إسلاميين بتنفيذ عمليات القتل، وألقوا باللوم على النهضة لفشلها في منعها.
يشير الصحفي إلى أنّ الغنوشي تحدى الموجة -فهو لم يكن يشغل منصبًا منتخبًا في ذلك الوقت- وتوصل إلى اتفاق تقاسم السلطة مع الزعيم الرئيسي للمعارضة العلمانية (الباجي قائد السبسي)، وسلمت النهضة السلطة طواعية إلى حكومة تصريف الأعمال للإشراف على الانتخابات الجديدة.
نجح الغنوشي -وفق تقرير نيوركرر- في الخروج من المأزق، واحتفلت الثورة التونسية بالذكرى الرابعة وحصلت منظمات المجتمع المدني التي ساعدت في رعاية المحادثات بين الغنوشي والمعارضة على جائزة نوبل للسلام.
لم تكن حركة النهضة في ذلك الوقت ملائكة كما قال الغنوشي، لكن قراءة الواقع والوقائع تؤكد أنّ رئيس الحركة كان استباقيا في تفكيره الذي يقوم على الموازنة والترجيح، وحسب قوله، “ترغب النهضة في الحصول على السلطة، لكنها تعتقد بشدة أن الدستور الديمقراطي أكثر أهمية.”
وفي هذا الجانب، يعتقد الصحفي أنّ قيادة الغنوشي مسار الحركة سياسيا (الإسلام الليبرالي) كانت فريدة من نوعها في المنطقة، حيث ساعدت الغنوشي في إقناع قادة النهضة بالتخلي عن لقب “الإسلاميين” والبدء في وصف أنفسهم بأنهم ديمقراطيون مسلمون.
دفع الغنوشي حزبه إلى صياغة الدستور بميثاق يتضمن حماية صريحة لحقوق المرأة والأقليات الدينية، وأكّد في حديث سابق يعود إلى عام 2014، أن تونس كانت واحدة من الدساتير العربية القليلة التي لم تشر إلى الشريعة الإسلامية، وضمنت الحريات للمساجد والكنائس والمعابد اليهودية.
ورغم أنّه لم يصل إلى حد تأييد زواج المثليين، لكنه وصف الحياة الجنسية بأنها مسألة شخصية بحتة، وهو موقف أكثر ليبرالية من ذلك الذي تتخذه أي حكومة عربية تقريبًا.
الغنوشي والبرلمان.. خطأ لا خطيئة
بعد تلك الفترة، عرفت تونس انتكاسة في الصعيد الاقتصادي بسبب تقاعس الحكومات المتعاقبة في إدارة الشأن العام وإيجاد حلول مستعجلة ما أثار ردود فعل عنيفة ضد الطبقة السياسية بأكملها خاصة ضد حركة النهضة.
وفي 2019، اتخذ الغنوشي قرارا بدخول الانتخابات البرلمانية من أجل الحصول على مقعد في البرلمان ثم تم اختياره رئيسا له، في خطوة أثارت تساؤلات عن جدواها، إذ تخلى رئيس الحركة عن مكانته الاعتبارية (زعيم) ونزل درجة ليصبح سياسيا.
وتعليقا على هذه الخطوة، يقول الباحث المصري في الإسلام السياسي عماد شاهين: “كان هذا البرلمان سيركا وليس مكانا يرأسه زعيم من عياره الفكري، وقد استحوذت عليه سياسة تافهة “.
في انتخابات الرئاسية 2019 ، رفض الناخبون كل مرشح رئاسي شغل مناصب عامة، وترشح اثنان من الشعبويين – قطب إعلامي بارز وأستاذ قانون غامض، وحصلا معًا على ثلث الأصوات فقط- في جولة الإعادة.
فاز قيس سعيد الذي يختلف كثيرا مع راشد الغنوشي في التوجهات الفكرية، حيث نبذ الأول أي فلسفة أو فصيل سياسي معروف، وينتقد الغرب بشكل روتيني ويوجه انتقادات لاذعة خاصة إلى صندوق النقد الدولي، الذي تحتاج تونس الآن بشدة إلى دعمه.
ويشير تقرير نيويوركر إلى أنّ تونس في حقبة سعيّد تسير إلى الخلف بتحكمها في ملامح الدولة والمجتمع، فالرئيس يعد بتحقيق أهداف الإسلام الخالص ويمنح الحكومة السيطرة على التفسير والتعاليم الإسلامية، ويطلق “نظرية الاستبدال” التي أدت إلى انتشار العنف ضد السود من خلال اعتبار المهاجرين الأفارقة ذوي البشرة السمراء كبش فداء للمتاعب الاقتصادية في تونس.
وإلى جانب حل البرلمان بدأ في حملة اعتقال في حق المعارضين وبلغت ذروتها بسجن الغنوشي، واستهداف الأخير ضربة تعرّضت لها الديمقراطية التونسية، ونكسة للعالم الأوسع.
ويؤكد الصحفي أنّ “اعتقال الغنوشي سيكون بالنسبة إلى الإسلاميين الذين يتبنون العنف، دليلا جديدا على عدم جدوى صندوق الاقتراع، لذلك فإن إسكات صوت رئيس حركة النهضة خسارة للغرب أيضا”.
واستعرض المقال جانبا من حياة الغنوشي ونشأته في تونس ومساره العلمي والنضالي طيلة السنوات الماضية.
فالغنوشي (82 عاما) ولد في 1941 لأبناء فلاحين فقراء في جنوب تونس النائي، درس في القاهرة ودمشق وباريس، وعاد إلى تونس عام 1971.
في تلك الفترة، ظهرت الحركات الإسلامية على غرار الإخوان المسلمين التي أخذ نجمها يسطع في جميع أنحاء المنطقة، بديلا للأنظمة الاستبدادية في السلطة، وفي 1981، شارك الغنوشي في تأسيس حركة إسلامية تونسية.
مع رفض نظام الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة كل أشكال المعارضة والمنافسة على السلطة، تم سجنه وتعذيبه مدة ثلاث سنوات، وفي 1987 اعتقل مرة أخرى وحكم عليه بالإعدام ونفي إلى لندن بعد رفض دول عربية استقباله.
وفي بريطانيا، حيث استقر به المقام، كانت نظرة الغنوشي للديمقراطية الليبرالية في بريطانيا من خلال عدسة إسلامية من أسباب ابتعاده عن مقاربات المثقفين العرب من جيله، إذ حاول تغيير نمط الفكر السائد بشأن التعايش مع الغرب والانفتاح الثقافي من خلال تأصيل جديد يقوم على أنّ المسلم يمكنه الشعور بالأمان في حريته ودينه خارج “دار الإسلام” كما كتب في أطروحته البارزة ، “الحريات العامة في الدولة الإسلامية”، التي بدأ كتابتها في السجن ونُشرت باللغة العربية عام 1993.
لذلك، خلصت مقاربته الجديدة إلى أن الدولة الإسلامية الحقيقية يجب أن تقوم على “حرية الضمير” للمسلمين وغير المسلمين على حد سواء، مع الدعوة إلى التعلم من الديمقراطية الغربية والاستفادة “من أفضل التجارب البشرية بغض النظر عن أصولها الدينية، لأن الحكمة هي توأم الشريعة”
عاد إلى تونس في 2011 -عندما دفعت الجماهير الغاضبة السلطة القائمة حينذاك بقيادة زين العابدين بن علي إلى المنفى معلنة عن ثورات الربيع العربي- ليساعد بلاده على الانتقال السياسي وهو الأكثر ليبرالية في المنطقة، وبذل قصارى جهده لإنقاذ التحولات الديمقراطية في أماكن أخرى.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات