هزيمة المشروع الاطلسي عند ضفاف البوسفور

(1)

بعد أن أصبحت الولايات المتحدة القوة العسكرية الأكبر في العالم، فقد حان وقت بزوغ العصر الامريكي لبسط الهيمنة الكلية على القارات الخمس، مستمدة ذلك من بعض النظريات كـ “نهاية التاريخ” التي لا تحمل من “الحقائق الراسخة” إلا صور العقل المحارب.

وشهد العالم منذ بداية الالفية الثالثة عدداً من السقطات الأمريكية المريعة إذ أطلقت العنان لقوتها “متعددة الوجوه” لتنسف العديد من الاتفاقات الدولية في المجالات (البيئية والاجتماعية والثقافية والعسكرية والسياسية)، ولتبدأ في تشكيل المناطق الاستراتيجية حسب رؤيتها ومصالحها القومية. وقد تطلب الانفراد المتجبر للقوة الامريكية، مضاعفة دورها في فنون وتقنيات التدخّل في الشؤون الداخلية للدّول الأخرى الحليفة أو المناهضة لسياستها، فالاستراتيجية الامريكية تقوم على مبدأ تفتيت القوى التي تراها منافسة لها، أو تشكلُ خطرا على مصالحها، وقد استخدمتْ هذه السياسة  طوال سني الحرب الباردة، واتبعت النهج ذاته تجاه العالم العربي والاسلامي, ودرجت منذ بداية العقد الاول من الالفية الثالثة على اقحام جنودها في عمليات مسلحة خارج حدودها بانتهاج نمط جديد من الحروب العدوانية يعتمد التدخل العسكري المباشر، لإزاحة الأنظمة المناهضة أو المتمردة على ما يسمي بـ(النظام العالمي الجديد) وتنصيب حكومات موالية كما في أفغانستان والعراق، وباتت تحقق بالقوة المسلحة ما كانت تسعى للحصول عليه من قبل بالتملق والمداهنة، أو بدبلوماسية الصبر طويل النفس، ما جعلها تستبطئ أدوات التغيير في ظل سرعة الإيقاع العالمي. وقد شهد العالم عمليات خارج الحدود بلادهم بهدف الإطاحة بالحكومات غير الصديقة، امتدت من بنما إلى يوغسلافيا، ومن هايتي إلى الصومال.

وقد احتفظت الولايات المتحدة على مدى سنوات بإستراتيجية تغيير الأنظمة السياسية بمنطق القوة العمياء، عبر سيناريوهات متنوعة الاشكال والادوات؛ فتارة عن طريق إثارة الفتن الداخلية والاحتراب الأهلي، وتارة شن الحروب العدوانية المباشرة, وثالثة بتدبير الانقلابات العسكرية عبر عملائها؛ فقامت بتمويل عمليات عصيان، وانقلابات عسكرية منظمة، وشجعت التمردات الموالية لها.

يقول شابيل لاوسون الذي يقوم بتنظيم دورات في مجال تغيير الأنظمة في معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا في جامعة كامبردج: (يمكنك أن تتوقع رؤية عمل عسكري أمريكي موسع سري وعلني).

(2)

لماذا التدخل الأمريكي؟

بررت الولايات المتحدة عمليات التدخل العسكري في هاييتي والصومال والبوسنة وكوسوفا وأفغانستان بالدفاع عن حقوق الإنسان، والنهوض بالديموقراطية!,  إلا أن هذه التفسيرات في رأي كارين فون هيبيل مؤلف كتاب “الديموقراطية بالقوة” ليست أكثر من ذرائع زائفة. وتحت شعار مكافحة (الإرهاب)، أدخلت واشنطن العالم العربي والاسلامي في دوامة الحروب العدوانية، ليسقط في محرقتها مئات الألوف من العرب والمسلمين، ليمتد خط الدم من كابول إلى بغداد، ومن دمشق إلى طرابلس, وعلى ذات الجبهة وإمتدادا لضلالاتها، تدور ماكينة الانقلابات العسكرية التي تعد إحدى أهم السياسات الأوروأمريكية.. ولعل ماحصل في تركيا ليس ببعيد عن لعبة القفازات الامريكية.

(3)

شبهات حول الدور الامريكي 

أولا ـ  الدبلوماسية المضطربة

1- السفارة الأمريكية في تركيا أصدرت بياناً حثت فيه المواطنين الأمريكيين في تركيا على توخي الحذر وعدم الاقتراب من مناطق الصراع إذا كانوا قرب تواجد قوى الأمن أو الجيش. وقد وصفت السفارة العملية الانقلابية بـ(الانتفاضة)  وليس إنقلابا عسكريا مع ما ينصرف إليه كل مصطلح منهما من معان ودلالات، قبل أن تستبدله لاحقا،  ولاشك أنه أمر يثير التساؤل حول ما إذا كانت الولايات المتحدة على علم مسبق بالمحاولة الانقلابية؟

هذا الأمر يكتسب أهمية كبيرة في حال ربطه بمواقف الإدارة الأمريكية المتريثة إزاء المحاولة الانقلابية الفاشلة في ساعاتها الأولى.

2- استبق وزير الخارجية جون كيري الاحداث نافيا علم  بلاده بالمحاولة الانقلابية قبل أن يُوَجّه أي اتهام رسمي لبلاده بالضلوع بالمؤامرة.

3-  في صحيفة واشنطن بوست، نسبت الكاتبة كارين دي يونج إلى مسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية – رفضوا الكشف عن هوياتهم – قولهم؛ الجمعة, أي عشية الانقلاب، إنهم كانوا “على علم بما يحدث في تركيا، لكنهم لا يزالون يحاولون تحديد آثار ذلك على عمليات الولايات المتحدة”.

وهذا ما دفع الحكومة التركية الى تطويق قاعدة إنجيرليك والتثبت من هوية الداخل والخارج اليها بعد قطع الكهرباء عنها.

4- في الليلة التالية من المحاولة الإنقلابية، وبعد أن تأكدت  الإدارة الامريكية من عودة الامور إلى نصابها، دعا الرئيس أوباما كل الأطراف في تركيا إلى دعم الحكومة المنتخبة ديمقراطيا، فيما أكد كيري في اتصال هاتفي مع نظيره التركي أن بلاده تدعم بشكل مطلق المؤسسات المنتخبة ديمقراطيا في تركيا.

ثانيا ـ اصابع ستراتفور الخفية

1- لاحظ المتابعون أن تغريدات موقع “ستراتفور” الاستخباراتي الامريكي على تويتر في الليلة التي شهدت الانقلاب، كانت نشطة للغاية، إذ نشرت لعدة مرات وفي أوقات متتالية خرائط متعلقة بالتطورات الجارية في تركيا ومنها خريطة مسار حركة طائرة الرئيس اردوغان من مارمريس في بحر ايجه إلى مطار اسطنبول.

2- تقول وسائل الاعلام التركية إن الموقع الامريكي تنبأ في مقال نشره قبل نحو 8 اشهر بوقوع انقلاب في تركيا، وتقول إن وزير الخارجية كيري ذهب لموسكو، لا لبحث الأزمة السورية كما أشيع؛ وإنما للإشراف على إدارة الانقلاب العسكري، الذي وصفه بعد إفشاله بأنه لم يكن جيد الإعداد والتنفيذ.

3- أداء هذا الموقع الامريكي وطريقة بثه للمعلومات يرجح الاعتقاد بتبعيته لوكالة الاستخبارات المركزية الامريكية (CIA)  وأكدت الوسائل الاعلامية التركية ان التنبؤات السابقة لهذا الموقع في السنوات الاخيرة تحققت كلها دون استثناء، ومنها: حرب العراق والتطورات في سوريا والاتفاق النووي مع ايران؛ وهذا يدل على أن الموقع لا يتنبأ بل هو مرتبط بمصدر معلومات مهم مثل (CIA)

ثالثا ـ  الوقائع (الميدانية)

1- طبقا لاعتراف قائد اللواء 39 آليات اللواء حسن بولاط: (اجتمعنا سرّا مع عسكريين من وزارة الدفاع الامريكية في قاعدة إنجرليك 12 مرة وكانت هناك مخططات لتفجيرات في مدن إقليم الأناضول أثناء الانقلاب) .

2- الانقلاب كان أمرا مبيتا جرى الإعداد له منذ ثلاثة أشهر وفق اعتراف قائد منطقة هاتاي العسكرية.

3- اتخذ الامريكيون من قاعدة إنجيرليك مركزا للقيادة والتوجيه والسيطرة, وقد عهد لقائد القاعدة هذه المهمة.

رابعا ـ  شروط الانقلاب الناجح

قالت مجلة فورين بوليسي إن الجيش التركي لم يكن منظما بالمرة في الخطوات التي قام بها من أجل الانقلاب, والقت باللائمة في فشل  الإنقلاب، على القائمين بعملية التنفيذ لأنهم تجاهلوا اتخاذ الخطوات الضرورية التالية:

1- اعتقال رئيس الحكومة.

2-  القبض على القادة غير المتعاونين وغير الموافقين على الانقلاب  

3-  اعتقال قادة المخابرات ورئاسة الوزراء وغلق كل القنوات العاملة في البلاد وليس القناة الرسمية فقط،

4- سوء تخطيط الجنرال خلوصي عكار للانقلاب هو وبعض من قائدي الجيش لم يكن كافيا لحسم الأمر لصالح منفذي الانقلاب، فتم اعتقالهم.

5-  كان يجب ترتيب الأمور مع أحزاب المعارضة، لأن كسبها كان يعني جزءًا مهما من ضمان نجاح العملية.

(4)

فرنسا والدور المشبوه

أثار الموقف الفرنسي أولى الشبهات تجاه باريس؛ فإن لم تكن طرفا مشاركا، فإنها كانت على علم مسبق بالانقلاب وبتوقيتاته عبر المؤشرات التالية :

1- سارعت سفارتها دون غيرها من البعثات الدبلوماسية التي إلى تعليق عملها واغلاق مقر بعثتها والقنصليات التابعة لها في تركيا قبل ثلاثة أيام من الانقلاب.

2 ـ إلغاء احتفالاتٍ كانت مقررة في إسطنبول بمناسبة العيد الوطني الفرنسي في 14 يوليو.

3- وصلت الوقاحة السياسية حدا مفارقا للاعراف الدولية والدبلوماسية عندما صرح وزير خارجية فرنسا جان مارك ايرولت بأن ما جرى لا يعطي الرئيس أردوغان شيكًا على بياض ليفعل ما يشاء داخل بلاده.

(5)

ألمانيا: من الحملة الاعلامية إلى التأييد السياسي 

في الوقت الذي هاجمت فيه أجهزة الاعلام الرسمية والاهلية الألمانية, الحكومة التركية، طالبت الحكومة الالمانية باحترام النظام الديمقراطي وحماية الارواح. وجاء بيان المانيا بعد دقائق من اعلان الرئيس اوباما وقوف بلاده مع الحكومة المنتخبة ودعوته لتجنب اراقة الدماء.

(6)

الخلاصات

1- مايلفت النظر مفهوم الوصاية والانتداب الذي مايزال يحكم العقل السياسي الاورأمريكي، وكأن معايير وقيم العالم الغربي هي الصحيحة, وعلى العالم أن يتبناها ويقتدي بها, ومن يخالفها يعتبر من خارج منظومة العالم المتحضر.

2- يلفت النظر الهجمة الإعلامية الشرسة التي تتعرض لها تركيا, من الكثير من الوسائل الإعلام الغربية؛ هجمة لم تبدأ في ليلة 15 يوليو/تموز, بل هي قائمة منذ سنوات وبشكل سافر, بهدف شيطنة شخصية الرئيس التركي وقلب الحقائق رأسا على عقب وإلقاء الضوء على ما يحصل في تركيا من زاوية المصالح الاوروأمريكية فقط.

3- هناك العديد من الشبهات التي تطوق دول الاطلسي، لايمكن تجاهلها، فالقادة الامريكيون والمسؤولون الغربيون، وضعوا أكثر من قناع، واتسمت المواقف الغربية بقدر كبير من المراوغة، وكانت احدى جوانب الصورة الاورو أمريكية، تتسم بالسلبية ومن بيناتها الصمت المريب والترقب المنافق، حتى أن ادانتهم لواقعة الإنقلاب جاءت في الوقت الضائع, كما عمدوا إلى ممارسة ضغوطات قوية ومتواصلة لمحاولة لحماية المتورطين بالمؤامرة، تحت ذريعة ضرورة احترام معايير القانون وحقوق الإنسان.

4- محاولة إلهاء تركيا بإصطناع أزمات داخلية لصرف أنظارها عما يجري في محيطها الإقليمي؛ كي يتاح تمرير مؤامرة تقسيم المنطقة، وإقامة دويلتين كردية وعلوية على حدودها الجنوبية، تشكلان مصدر خطر وتهديد دائمين لها.  ومن البديهي أن يقاوم الأتراك هذا المشروع التخريبي حماية لأمنهم القومي واستقرار بلادهم, ويتعين هنا أن لاننسى أن ثمة خطة تعمل عليها (CIA) لتقسيم تركيا تسعى من خلالها لايجاد حكومة كردية مستقلة.

5-  بعد فشل الانقلاب تراجعت امريكا وأوروبا عن وصف الانقلاب بالانتفاضة، بعدما تأكدا من سيطرة السلطة على الوضع.

6- كان الموقف الأمريكي مضطربا ومتراخيا ومراوغا فى البداية، ولكنه اضطر إلى الانحياز لجانب الديمقراطية والشرعية.

7- ثبت للحكومة التركية إن فتح الله جولن، هو المتهم الرئيسي  بالوقوف خلف محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة؛ بوصفه أداة يستخدمها الأمريكيون في محاولة إدخال تركيا إلى الفوضى، ولذلك سوف تبقى أصابع الاتهام  متجهة بشكل مباشر لجماعته، حيث أن هذه الحركة هي صاحبة المصلحة الاولى في  المحاولة الانقلابية، وامتناع الحكومة الامريكية عن تسليمه للسلطات التركية يعتبر مؤشرا على دعم امريكا للانقلابيين. تؤكد صحيفة “وول ستريت جورنال” في هذا الصدد ؛ أن المسؤولين الامريكيين الذين يواجهون الانتقادات بشأن جولن بصدد مراجعة الأمر والوقوف بدقة على أدائه ومعرفة تحركاته واعداد رد على المطالب والاتهامات التركية.

8- يسعى الأمريكيون وحلفائهم الأوربيون، ومعهم الروس والإيرانيون بكل الوسائل والسبل الممكنة للتخلص من أردوغان؛ كي يسهل عليهم تنفيذ مؤامرتهم بتقسيم المنطقة، وتفتيت تركيا في وقت لاحق؛ بعد إغراقها بالفوضى والصراعات الداخلية.

المراجع

  • د. إبراهيم عبد الله سلقيني, هل أمريكا وراء الانقلاب التركي الفاشل؟  ترك برس  (18 يوليو 2016)
  • طاهر سعود, الامريكيون يفعّلون سلاحهم القذر ضد تركيا ـ ترك برس
  • الراوي, معجم العقل السياسي الامريكي ـ القاهرة 2015  ج1 المقدمة
  • محمد عابد, بيان سفارة أمريكا وإغلاق سفارة فرنسا بتركيا قبل الانقلاب.. علم مسبق أم تواطؤ؟ شبكة الإسلام اليوم (16 تموز 2016)
  • جمال قارصلي, تركيا تواجه النفاق وقلة الأخلاق الغربية ( 16 تموز 2026)
  • عمر رأفت, “فورين بوليسي” تفند أسباب فشل الانقلاب على أردوغان ( 20 تموز 2016)
  • محمد اجيت, أين كان موقع أمريكا من الانقلاب؟ صحيفة يني شفق, ترجمة وتحرير ترك برس (22تموز 2016) .
  • عيون الخليج, تركيا توجه اصابع اتهام الانقلاب الى امريكا, وواشنطن ترد ( السبت 16 يوليو 2016 ).

………………………………..

مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …