في واحدة من غرائب السياسة الدولية، أعلنت إثيوبيا عن ملء سد النهضة بالتزامن مع قمة إفريقية مصغّرة برئاسة جنوب إفريقيا لبحث الأزمة بين مصر وإثيوبيا والسودان.
وأعلنت أديس أبابا الثلاثاء 21 يوليو/تموز 2020 انتهاء المرحلة الأولى من ملء الخزان.
ولكن الأغرب من التزامن بين القمة والإعلان أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي حضر القمة الإفريقية المصغرة التي عقدت عبر الفيديوكونفرانس، عزا ملء السد إلى إرادة الطبيعة، بسبب انهمار الأمطار، فيما كان عبد الفتاح السيسي يؤكد خلال القمة على نية بلاده الصادقة لحل الأزمة.
وأكد السيسي استمرار الرغبة الصادقة لدى مصر في تحقيق تقدم على صعيد القضايا الخلافية، التي تعد جوهرية في أي اتفاق عادل ومتوازن يتم التوصل إليه بشأن سد النهضة، فيما قال رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، إنه “يقدّر التفاهم المشترك مع عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، حول استمرار المفاوضات بشأن الجوانب الفنية المتعلقة بعملية ملء سد النهضة”
الطبيعة ملئت سد النهضة!
وتزامناً مع أنباء القمة أعلنت الحكومة الإثيوبية، انتهاء المرحلة الأولى من ملء سد النهضة، بعد اعتراف آبي أحمد ببدء ملء السد، مبرراً الأمر بزيادة نسبة الأمطار.
وقال رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، في مؤتمر صحفي، مساء الثلاثاء، إن العوامل الطبيعية وهطول الأمطار حالياً كانت مواتية للتعبئة الأولى لسد النهضة.
ورد محمد نصر علام وزير الموارد المائية والري المصري الأسبق، قائلا إن تبرير آبي أحمد بشأن بدء ملء خزان سد النهضة بزيادة نسبة الأمطار، خاطئ وغير مبرّر.
وأوضح علام في تصريح لموقع مصراوي، أن التبرير الإثيوبي بشأن ملء خزان سد النهضة خاطئ، حيث كان بإمكانها فتح بوابات خزان السد للسماح بمرور مياه الأمطار الزائدة التي برّرت إثيوبيا بسببها ملء السد الأوّلي.
وقال علام، إن الهدف المصري هو اتفاق شامل بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، بما يحفظ الأمن المائي لمصر، أو عدم الاتفاق نهائياً.
كيف قام آبي أحمد بمراوغته الكبرى؟
في 15 يوليو/تموز 2020، أعلن مسؤولون في أديس أبابا بدء ملء سد النهضة، وطلبت مصر إيضاحاً رسمياً عاجلاً من الحكومة الإثيوبية بشأن مدى صحة ما تردد إعلامياً عن بدء ملء خزان السد، ثم عادت أديس أبابا ونفت ذلك.
إذ نقلت وسائل إعلام إثيوبية ودولية عن وزير الري الإثيوبي، سيليشي بيكيلي، في ذلك الوقت، إعلانه البدء في عملية تعبئة سد النهضة، رغم تعثر الاتفاق مع كل من مصر والسودان حول المشروع المثير للجدل، بسبب مخاوف من تأثيره على حصة البلدين.
ثم سرعان ما نفى وزير الري الإثيوبي، أن الحكومة بدأت في ملء سد النهضة الإثيوبي، فيما ذكرت وزارة الري والموارد المائية السودانية في اليوم ذاته أن مقاييس تدفق المياه في محطة الديم الحدودية مع إثيوبيا، أظهرت أن هناك تراجعاً في مستويات المياه بما يعادل 90 مليون متر مكعب يومياً، ما يؤكد إغلاق بوابات سد النهضة.
وتختلف مصر والسودان وإثيوبيا على كميات المياه المنصرفة من السد أثناء فترات الجفاف، وآلية فضّ النزاعات مستقبلاً، ومدى إلزامية الاتفاق، فضلاً عن كيفية إدارة وتشغيل السد المائي على النيل الأزرق.
وبينما تصرّ إثيوبيا على ملء السد في موسم الأمطار الحالي الذي ينتهي في سبتمبر/أيلول، تتمسك مصر والسودان بالتوصل إلى اتفاق شامل أولاً، مع رفضهما أي إجراءات أحادية.
وتخشى القاهرة من تضرر حصتها السنوية من مياه النيل، وهي 55.5 مليار متر مكعب، فيما تقول أديس أبابا إنها لا تستهدف الإضرار بمصر، وإنما توليد الكهرباء من السد.
ومن الواضح أن إثيوبيا حقَّقت الهدف الأول لها، وهو البدء في ملء السد مع استمرار المفاوضات، مع قبول مصر بذلك الوضع، الأمر الذي قد يعني بعد ذلك إمكانية قيام دول أخرى بنفس التوجه، كما يشجع أديس أبابا على اتخاذ إجراءات أخرى تُقلق القاهرة، مثل استخدام مياه السد في الزراعة.
ورغم أن عملية ملء السد الأولية قد لا تؤثر على حصة مصر والسودان من مياه النيل، فإنها كانت تمثل خطاً أحمر بالنسبة لإثيوبيا، ولكن آبي أحمد استطاع تبريد ومحو هذا الخط، من خلال الإعلان عن بدء ملء السد، ثم النفي كما حدث منذ أسبوعين، واليوم جاء الخرق الكبير لهذا الخط الأحمر عبر الإعلان عنه بالتزامن مع قمة إفريقية مصغرة، مع التذرع بدور الطبيعة في ملء السد.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات