واجهت تركيا انتقادات شديدة من عموم العرب والمسلمين الذين توقعوا منها دورًا أكبر, بل حتى تدخلا عسكريًا لحماية المدنيين ودعم المقاتلين في حلب خاصة, وفي سوريا بشكل عام, وتهكم البعض على “السلطان أردوغان”, الذي لم يفعل شيئًا لإنقاذ المسلمين من القتل, ونساءهم من الاغتصاب.
وتساءل آخرون: هل تخلت تركيا عن حلب مقابل اطلاق يدها للسيطرة على مدينة الباب السورية؟ وهل كانت هناك صفقة مع روسيا بهذا الخصوص؟
الواقع أن الآمال التي بنتها الشعوب العربية والإسلامية على التدخل التركي في سوريا هي أكبر من قدرات تركيا الفعلية, ومن الواقع الذي تعيشه, ولعل المسئولين الأتراك أنفسهم يعانون معاناة مضاعفة أكثر من أي واحد منا, مرة لإحساسهم بنفس أحاسيسنا, والثانية لعجزهم عن القيام بما هو مأمول منهم.
لا ننسى بداية أن تركيا دولة علمانية حسب الدستور, وإن كان رئيسها يحمل مشاعر إسلامية صادقة – نحسبه كذلك- وقد سبق أن قضى أشهرًا في السجن لمجرد ترديد أبيات من الشعر أتى فيها على ذكر المآذن, وهو لم يطلق على نفسه لقب “السلطان”, ولا تبنى الحزب الحاكم هذا اللقب, بل هو من مسميات الإعلام والعامة. كما لا ننسى أن الجيش التركي جيش علماني, تربى على كراهية الإسلام تحديدًا, ونذكر أنه حين وقع زلزال ودمر إحدى القواعد العسكرية التركية قبل نحو عقدين من الزمان قيل وقتها إن احتفالا كان قد أقيم في القاعدة انتٌهكت فيه المحرمات, بما في ذلك قدسية القرآن الكريم. كما أن للدولة التركية مفهومها للأمن القومي, وللجيش التركي عقيدته القتالية, ولا يُعقل أن ينقلب أردوغان على ذلك المفهوم وتلك العقيدة, وإن حاول الخروج عنها في حدود معينة.
وقد حاول أردوغان طوال سنوات حكمه ضبط الميزان بحيث لا يكون الجيش ضد الإسلام, حتى لو لم يكن معه.
ومع ذلك كانت هناك قبل أشهر محاولة انقلابية من الجيش, شاركت فيها قيادات كبيرة في الجيش, وكان للشعب دور كبير – بعد الله سبحانه – في إحباطها.
وبعد فشل محاولة الانقلاب العسكري بدأت الحرب الاقتصادية التي استهدفت ضرب الاقتصاد التركي.
من جانب آخر, فقد تسببت السياسة الرعناء لبشار الأسد في جعل سوريا ساحة صراع دولي تدخلت فيها الولايات المتحدة وروسيا وإيران وغيرها, وقد ألقت الدولتان الأخيرتان بثقل كبير في الساحة السورية, كما تمارس الولايات المتحدة دورًا واضحًا في عرقلة أي مسعى تركي, وتمنع الأسلحة النوعية عن المقاتلين في حلب وغيرها، بل تدعو المقاتلين إلى مغادرتها.
وبالتالي فإن أي تدخل تركي معناه مواجهة هذه الدول الثلاث, ومن وراءها دول أخرى مثل دول الاتحاد الأوربي وبريطانيا ودول عربية كمصر والإمارات.. أي أنه مطلوب من تركيا خوض حرب عالمية بمفردها, أو بالكاد بمعونة محدودة من دولتين مثل السعودية وقطر, بينما تواجه الأولى حربًا أخرى, مفتوحة, على حدودها الجنوبية.
فماذا كان بوسع تركيا أن تفعل؟
انصبّت الجهود التركية – كما يقول الصحفي التركي محمد زاهد جول – على التخفيف من معاناة سكان حلب, وتقديم عروض التفاوض بين روسيا والمعارضة السورية؛ لعلم تركيا حاجة الطرفين لهذه اللقاءات، وعقدت في تركيا عدّة لقاءات توصلت في النهاية إلى اتفاق بين المعارضة السورية المسلحة في حلب وروسيا، على رحيل المدنيين والجرحى والمقاتلين بأسلحة خفيفة وإدخال مساعدات إنسانية إلى الأماكن التي يتم ترحيل الحلبيين إليها، سواء في ريف حلب الغربي أو إدلب، وفي هذه المفاوضات كان دور تركيا هو الوساطة بين طرفين تعلم تركيا أنهما راغبان في التوصل إلى حل سياسي في سوريا كلها، وليس في حلب فقط.
هذه المفاوضات تم التوافق عليها ومتابعتها عبر اتصالات مباشرة ومكثفة ومكوكية بين الرئيس التركي رجب أردوغان والرئيس الروسي بوتين من جهة، وبين وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو مع نظيره الإيراني جواد ظريف من جهة أخرى.
وكذلك جرت اتصالات بين وزير الخارجية الروسي لافروف ونظيره الأمريكي كيري، ولكن المهم والأساسي فيها هو المفاوضات بين روسيا والمعارضة السورية سواء داخل سوريا أو في تركيا، بهدف تنفيذ الاتفاق الذي يتم التوصل إليه، والذي دار حول موافقة المقاتلين على ترحيل المدنيين والجرحى أولاً، وإدخال المساعدات الإنسانية إلى مخيمات تقوم المنظمات الإنسانية التركية ببنائها في شمال سوريا.
وهذه المساعي التركية أكدها الرئيس الروسي بوتين في مؤتمره الصحفي في طوكيو بتاريخ 16 ديسمبر بقوله: إن “موسكو اتفقت مع أنقرة على إخراج المقاتلين من حلب”، وإعلانه “التوصل إلى اتفاق في حلب يمهّد الطريق إلى هدنة طويلة الأمد”.
فبوتين يعترف بأن تركيا قامت بدور مهم في هذه العملية، وأنه لا يزال يعمل عن كثب مع الرئيس التركي أردوغان لإتمام الاتفاق، وإصراره على القول بأن التفاوض مع المعارضة السورية تم بوساطة تركية، هو لتأكيد نقطة نجاح لتركيا مقارنة مع الفشل السابق الذي عانت منه روسيا بالبحث عن وفد معارضة سورية تتوصل معه إلى اتفاق، فكل وفود المعارضة التي صنعها الأسد أو إيران أو السيسي لم تُقنع روسيا بأنها تمثل شيئاً في سوريا سوى أشخاصها.
وبالنظر إلى الخسارة الكبرى التي تترتب على قبول المعارضة السورية في حلب بمغادرتها تحت التهديد الإجرامي للمليشيات الإيرانية ومليشيات الأسد لقتل كل من في حلب، وعدم وجود ممانعة ولا حماية دولية لهم من المجتمع الدولي أو من الأمم المتحدة أو الدول الكبرى، وضعف الدول العربية، فإن الموقف الذي تقوم به تركيا هو إتاحة الفرصة للمعارضة لأن تتخذ القرار المناسب بنفسها، دون ضغط ولا إكراه.
ويؤكد جول أن الدور التركي لن يكون أقوى من الموقف الدولي، وبالأخص الموقف الروسي والأمريكي، اللذين اتفقا على عدم تغيير النظام السوري بالقوة العسكرية، وعدم تمكين المعارضة السورية المسلحة من تولي شؤون الدولة وحدها في الحل السياسي القادم، وأن رحيل الأسد ليس أولوية مع وجود تنظيمات يتفق المجتمع الدولي على وصفها بأنها تنظيمات إرهابية، وهناك أولوية في القضاء عليها أولا قبل تغيير النظام السوري!
ومن المعلوم أن هناك فقهًا خاصًا بمثل هذه الحالة من “الاستضعاف”, فعدم التدخل في حلب هو أهون الشرين إذا قورن بتورط في مواجهة غير متكافئة مع عدة أطراف دولية.
كما أن تركيا لا تزال تسترجع في ذاكرتها ذكريات الحرب العالمية الأولى والتي كانت سببًا في انفراط عقد الخلافة العثمانية وضياع كثير من الأراضي التابعة لها بسبب دخولها في حرب غير متكافئة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات