هل سيكون محمد بن سلمان «رجل كل شيء» لستة عقود مقبلة؟

كان بالإمكان التنبؤ بعملية الانتقال الأخيرة في السعودية، بعد وقت قصير من تولي الملك سلمان في أعقاب وفاة أخيه غير الشقيق الأكبر سناً الملك السابق عبد الله في يناير 2015.

 ففي غضون ثلاثة أشهر من تولّيه العرش، ثبّت الملك سلمان نجله الأمير محمد، الإبن الأكبر لزوجته الثالثة، كخلفه المقصود في النهاية. وكان السؤال الوحيد: متى ستحدث عملية الانتقال، وها هي قد حدثت الآن، على الرغم من أنها تطرح أسئلة جديدة: متى سيصبح محمد بن سلمان ملكاً؟ وتحت أي ظروف؟

بعد أشهر من التكهنات ومكائد القصر، زلزل الملك سلمان خط الخلافة في المملكة يوم 21 يونيو بتسمية ابنه محمد وليا للعهد، وإزاحة الأمير محمد بن نايف ولي العهد السابق وتجريده من جميع مناصبه.

وهذه هي المرة الثانية التي يقوم فيها سلمان بتعديل خط الخلافة منذ وصوله للسلطة في يناير 2015. وتعد هذه الخطوة مثيرة للجدل بالنظر إلى أنها تحجب شرائح كبيرة وقوية عن خط الخلافة، وإذا جلس الشاب بن سلمان على كرسي الملك، فقد يعني أن السعودية ستحكم لمدة ستة عقود من قبل الأب ثم الابن.

إعلان ولاية العهد له العديد من الآثار الهامة، ولكن لا شيء مهم بقدر الثقة التي تُودع في بن سلمان الذي جمع بالفعل ما يكفي من القوة ليطلق عليه اسم «رجل كل شيء» من قبل الحكومات الغربية. وفي حين ركز «بن سلمان» سلطته فإن «بن نايف» تم تهميشه بشكل تام بعد إبعاده عن مسؤولية وزارة الداخلية وجميع الأدوار القيادية الأخرى بحسب موقع ” ستراتفور” .

 

الملك القادم

وإذا أصبح «بن سلمان» ملكا، فإنه سيكون أصغر حاكم سعودي في التاريخ الحديث، وربما يكون قادرا على الحكم لمدة عقود طويلة. ومن المعروف أن ولي العهد يقود الإصلاح الاقتصادي، وهو جدول أعمال من المحتمل أن يستمر في دفعه، وقد يوجه انتباهه إلى إحداث تغيير اجتماعي أيضا.

ولعل الأهم من ذلك أن لدى «بن سلمان» مصلحة خاصة في محاولة حل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الطويلة الأمد للمملكة، بما في ذلك اعتمادها المفرط على قطاع النفط وتزايد الدعوات إلى المزيد من الحريات الاجتماعية. وخلافا لجميع القادة السعوديين الذين تراجعوا عن جهود الإصلاح فإنه لا يتمتع بهذه الرفاهية لأن أي تسويف من شأنه أن يخلق مشاكل كبيرة في المستقبل.

 

دفع فاتورة الإصلاح

ومع ذلك، فإن التغيير سوف يأتي بثمن لأن أي جهد لدفع حدود الإصلاح الاجتماعي في المملكة يخاطر بقصقصة ريش المؤسسة الدينية المحافظة التي يرى الكثيرون في العائلة المالكة أنها أساس شرعية حكمهم. العديد من السعوديين لا يزالون يؤمنون بشدة بالنسيج الاجتماعي المحافظ للبلاد، ويمكنهم أن يستاءوا من التغييرات السريعة في الضوابط الاجتماعية. ونتيجة لذلك، يجب إجراء أي تغيير بعناية عند تقييم الضغط من الجمهور.

في الواقع، اضطر «بن سلمان» بالفعل إلى سحب بعض اقتراحاته لعلاج العلل الاقتصادية؛ ففي أبريل الماضي، أعاد الملك إعانات القطاع العام، بعد سبعة أشهر من القضاء عليها لتحسين عجز الموازنة. ودفعت المقاومة الشعبية الملك إلى استبدال وزير المياه والكهرباء في الشهر نفسه بعد الاحتجاج على رفع قيمة الفواتير.

لا تعني حقيقية أن «بن سلمان» صار أقرب إلى الملك أنه سوف يصبح أكثر قدرة على دفع فاتورة إصلاحاته. إذا كان التعديل قد أزعج أعضاء آخرين من «بيت سعود», وخاصة الجيل الثالث من أحفاد الملك عبد العزيز الذين تم حجبهم تماما عن خط الخلافة, فإنهم سوف يبحثون عن سبل لتعطيل ولي العهد.

ومع ذلك فإن «بن سلمان» صنع لنفسه اسما في الداخل والخارج. ولم يكن له دور فعال في قيادة الإصلاح الاقتصادي الذي دعت إليه رؤية 2030 فحسب، بل إنه وضع بصماته على السياسة الخارجية واستراتيجية الدفاع الإقليمي من خلال منصبه وزيرًا للدفاع, وكان له دور فعال في تدخل المملكة في اليمن وموقفها العدواني المتزايد تجاه إيران.

كما عمل على بناء علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة, وصوّر نفسه على أنه شخص ينسجم تماما مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، لكنه يفتقر إلى عقد من الخبرة التي جمعها «بن نايف» في حملته ضد تنظيم القاعدة كما أن تدخل السعودية في اليمن، الذي كان واحدا من التحركات الأولى له كوزير للدفاع، أثبت أنه مكلف ولا يزال يواجه خطر الانتكاس على هذه الجبهة.

نجح «محمد بن سلمان» في الارتقاء بسرعة داخل أورقة السلطة منضما إلى صفوف قادة دول مجلس التعاون مثل نظيره المقرب «محمد بن زايد». لكن القضايا الاقتصادية والاجتماعية في المملكة أصعب بكثير من القضايا التي تواجه دولة الإمارات، حيث دور آل نهيان آمن وراسخ. وعلى الرغم من أن بن سلمان هو وريث العرش فإن ارتقاءه إليه سيعتمد على مدى نجاحه في التغلب على التحديات ومدى قدرته على التعامل مع المشكلات من خلال العمل الملموس.

وفي ذات السياق ذكر سايمون هندرسون بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الذراع البحثي للوبي الإسرائيلي، أنه كان بالإمكان التنبؤ بعملية الانتقال الأخيرة في السعودية، وها هي قد حدثت الآن، على الرغم من أنها تطرح أسئلة جديدة: متى سيصبح الأمير محمد بن سلمان ملكاً بالاسم؟ وتحت أي ظروف؟

من الصعب تخمين هذه الأجوبة، ولكن لطالما كان الكثيرون ينظرون إلى سلفه المخلوع الآن، محمد بن نايف، على أنه يشغل منصبه لفترة زمنية مؤقتة، بالإضافة إلى ذلك، على الرغم من كونه وزيراً للداخلية من ذوي الخبرة ورئيس جهاز مكافحة الإرهاب في المملكة، إلّا أنّ المرارة كانت تغمره منذ التجربة التي مرّ بها في عام 2009 عندما استقبل “جهاديا” كان يُفترض أنه يريد الاستسلام ولكنه كان يحمل صاعقاً للتفجير؛ وقد انفجر هذا الصاعق.

 

ولي العهد وقصة الرصاصة

وخلافاً لأبناء الملك سلمان الآخرين، وأحدهم حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة أكسفورد، لم يتم إرسال محمد بن سلمان للدراسة في الخارج, كما أنه يرتدي الصنادل بدلاً من أحذية “جوتشي” التي يفضّلها بعض أبناء عمومته، ولا يتكلم الانجليزية بطلاقة.

ويُقال إنه يسمح بتحدي وجهات نظره ولكنه لا يغيّر رأيه، وقد تكون قساوته أكبر مصادر قوته، أو نقاط ضعفه.

وهناك اقتناع راسخ بالحكاية المتعلقة بـ”قصة الرصاصة”، وكما قيل (لكاتب هذه  المقالة) من قبل أحد أبناء عمومة ولي العهد، بأن محمد بن سلمان كان قد سعى، بعد مغادرته جامعة الرياض، إلى تأسيس نفسه في مجال الأعمال التجارية. وفي مرحلة ما، كان في حاجة إلى قاضٍ للتوقيع على إحدى الصفقات. وعندما رفض القاضي القيام بذلك، أخرج محمد بن سلمان رصاصة من جيبه، وأخبره بأن عليه التوقيع, ونفذ القاضي الطلب لكنه اشتكى إلى الملك عبد الله آنذاك، الذي أبعد محمد بن سلمان من بلاطه لعدة أشهر.

هذا هو الشاب الذي هو في الواقع رجل التواصل الرئيسي بين بلاده والبيت الأبيض تحت رئاسة ترامب، فضلاً عن كونه مهندس الحرب في اليمن التي وصلت إلى طريق مسدود، وهو الأمير الرئيسي في السعودية الذي يعمل على (استعادة) جزيرتين في البحر الأحمر من مصر، والرجل المتشدد في الخصام الحالي لدول الخليج مع قطر. 

ويقال إنه مهووس بالخطر الذي تشكله إيران وله نظرة إيجابية نحو فتح علاقات مع إسرائيل، يوماً ما. وفوق كل ذلك، هو الحكم الرئيسي للسياسة السعودية بشأن النفط، الذي تَقلَّص سعره إلى درجة تثير قلق الرياض، وأصبح أكثر ميلاً للانخفاض مما يعرقل الطرح العام المبدئي لشركة “أرامكو” السعودية.

وبالإضافة إلى الأدوار الكثيرة التي سبق ذكرها، فإن محمد بن سلمان هو الشخصية الرائدة في «الرؤية 2030»، التي هي خطة المملكة لتغيير اقتصادها ومجتمعها, على الرغم من ضخامة الحواجز الثقافية وانخفاض عائدات النفط مما يعني أن التمويل يمثل مشكلة.

 

التغييرات المقبلة

إن حصول سلمان على 31 صوتاً مقابل 3 أصوات – كما أفادت التقارير – لصالح تعيينه من قبل أعضاء هيئة البيعة، وهي مجموعة رئيسية من العائلة المالكة، يشير إلى أن معارضة آل سعود الواسعة لدوره الجديد قد لا تكون كبيرة كما كان متوقعاً. ولا يزال عدد قليل جداً من أعمامه [أعضاءً] في هيئة البيعة، وأولئك الذين لا يزالون على قيد الحياة ممثَّلين في الغالب من قبل أبنائهم الأكبر سناً. (في حالة واحدة على الأقل، صوَّت الإبن بنعم، بينما كان والده سيصوّت بلا).

ومن التغييرات الأخرى المتوقعة؛ مصير الأمير متعب بن عبد الله، حليف الأمير محمد بن نايف، الذي لا يزال رئيس الحرس الوطني السعودي، وهو قوة شبه عسكرية ضخمة وقادرة، تعمل الولايات المتحد على تدريبها وتجهيزها بالمعدات.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …