وصف الكاتب البريطاني، ديفيد هيرست، الاعتقالات الأخيرة للأمراء في السعودية، بأنها غباء لمستشاري ولي العهد، محمد بن سلمان، مشيرًا إلى أنها أكبر مقامراته، وأن المملكة تتعرض لما يشبه الزلزال.
وأشار في مقاله المنشور في “ميدل إيست آي” إلى أن الاستقرار كان ملازما للمملكة، لكن الحال لم يعد كذلك، فقد ولت تلك المرحلة، ولك أن ترى الاهتزاز العنيف الذي يتعرض له القارب الملكي السعودي بدليل قائمة الأحداث التي شهدتها الأيام القليلة الماضية.
وقال الكاتب: “كانت البلاد تحكم من قبل مجلس من الأمراء هم أبناء المؤسس الملك عبد العزيز. وكان هؤلاء يوزعون خيرات البلاد فيما بينهم، مع الحرص على أن تكون جميع فروع العائلة الحاكمة ممثلة”.
وأضاف أنه حينما كانت تنشب أزمة “كان يدعى مجلس العائلة للاجتماع وكانت القرارات تتخذ داخله ببطء وروية وحذر شديد، بل وربما بحذر مبالغ فيه”.
وأكد أنه بالرغم من كل التوترات العشائرية، كان الاستقرار سيد الموقف، لكن الحال لم يعد كذلك والدليل هو الأحداث التي شهدتها المملكة في الأيام الماضية.
وحينما كانت تنشب أزمة ما كانت القرارات تتخذ جماعياً، حيث كان يدعى مجلس العائلة للاجتماع وكانت القرارات تتخذ داخله ببطء وروية وحذر شديد، بل وربما بحذر مبالغ فيه. وكان يقال إن السياسة السعودية الخارجية تمارس من وراء ستائر من الخرز، ولهذا الحد كانت غامضة ومبهمة. كانت المملكة مكرسة بالكامل لخدمة المصالح العسكرية والنفطية للولايات المتحدة في الخليج، ولكنها ضمن هذا العنوان العريض كانت لديها أجنداتها الخاصة كذلك.
مقارنة بما جرى هذا الأسبوع، كانت تحدث بعض الخلافات حول الاستخلاف، كما حدث حينما تحدى ولي العهد الأمير فيصل سلطات الملك سعود في ستينيات القرن الماضي، إلا أن تلك الخلافات كانت سريعاً ما تحل وبهدوء. فحينما خسر سعود معركة الصراع على السلطة وأجبر على المغادرة للعيش في المنفى كان غريمه الذي أسقطه من الحكم في وداعه في المطار.
محمد بن سلمان يعرف يقيناً أن عمه حصل على ضمانات من المخابرات البريطانية MI6 والمخابرات الأمريكية السي آي إيه بأنه لن يعتقل لدى عودته إلى البلاد، فهذا معروف بسبب أن أحمد بن عبد العزيز كان قد أعلن عنه قبل أن يغادر منزله في لندن. وإذ يتحدى ولي العهد السعودي تلك الضمانات فإنه إنما يفعل ذلك اعتماداً على الحماية التي يوفرها له الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر.
ولكن، لنفترض أن أياً من هذين الرجلين لن يبقى في منصبه بعد شهر نوفمبر القادم، فماذا يظن محمد بن سلمان أنه سيحدث للملفات الضخمة التي بحوزة السي آي إيه حوله؟ سوف تمرر، لنقل، إلى الرئيس جو بايدن، المعروف بصهيونيته وتأييد إسرائيل له، ولكن رغم ذلك يُتوقع منه أن يصدر عن وجهة نظر مختلفة. كل من يتوقع أن يُحدث بايدن تغييراً في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوس فسيطول انتظاره، ولكن ذلك لا يعني أن شيئاً لن يتغير.
ستكون لدى بايدن مصلحة شخصية في تفكيك شبكة ترامب الخاصة من الحلفاء الأجانب، ومحمد بن سلمان واحد منهم. إلا أن الولايات المتحدة ستبقى ما ذلك داعمة للمملكة ولكن ليس بالضرورة للملك الجديد.
في الحد الأدنى، يعتمد قرار تصفية عملاء معروفين للسي آي إيه داخل المملكة، مثل محمد بن نايف، على فرضية أنه سوف يوجد داخل البيت الأبيض باستمرار من يرغب في كبح جماح السي آي إيه ومنعها من المقاومة. ولكن في مثل الظروف السياسية الحالية المضطربة داخل الولايات المتحدة سيكون ذلك بمثابة مقامرة كبيرة.
هل يمكن أن يرغب أحد – فيما عدا ترامب – في أن يرى ولي عهد أرعن ومضطرب يصبح ملكاً في بلد يعتبر بحق محمية عسكرية للولايات المتحدة، لا يمكن مقارنتها لا بروسيا ولا بالصين ولا بإيران ولا بتركيا؟
هذه هي أكبر مقامرة قام بها محمد بن سلمان منذ أن أصبح ولياً للعهد. تكمن المشكلة الحقيقية في أن ولي العهد السعودي ومستشاريه قد يكونون من الغباء بحيث أنهم لم يدركوا فظاعة الخطأ الذي وقع فيه للتو.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات