استعرضت روسيا هيمنتها المتزايدة في الشرق الأوسط يوم 11 ديسمبر، عندما زار رئيسها بوتين 3 دول رئيسية في الشرق الأوسط في يوم واحد!
فقد قام الرئيس الروسي بزيارة مفاجئة لسوريا مع توقف سريع في مصر، قبل إنهاء رحلته في تركيا، واجتمع مع نظرائه في الدول الثلاث، كما سلطت الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية والتسويات السياسية التى ناقشها، الضوء على دور روسيا في المنطقة.
وفي حين أن لدى روسيا أسبابها الخاصة لتعزيز علاقاتها مع سوريا ومصر وتركيا، فإنها تستفيد أيضا من تعزيز موطئ قدمها مقابل منافستها الإقليمية؛ الولايات المتحدة، التي تراجع دورها في المنطقة.
الوصول الدبلوماسي الروسي في الشرق الأوسط يختلف اختلافًا كبيرًا حسب كل بلد؛ فالعلاقات المتبادلة مع دولة مثل إيران تعود إلى قرون، في حين أن السعي إلى إقامة علاقة قوية مع السعودية يتطور مع الوقت.
وكانت علاقة روسيا مع تركيا مزيجا من الاحتكاكات والمكاسب على مدى عقود، بحسب الوضع القائم.
ولكن ما يثير الدهشة بشأن الدبلوماسية الروسية على مدى العامين الماضيين، هو كيفية تشعب الوجود الدبلوماسي لموسكو في المنطقة؛ فنشاطها في مناطق مثل الأراضي الفلسطينية وليبيا و(إسرائيل) ولبنان وقطر والإمارات والسعودية يذكرنا إلى حد ما بتواجد الاتحاد السوفييتي السابق في المنطقة.
ويبدو أن هذا يأتي في الوقت الذي ترغب فيه الولايات المتحدة في سحب التزاماتها الإقليمية والتركيز على قضايا أخرى مثل التحول إلى آسيا, بدلا من الانخراط في حرائق الشرق الأوسط، ويزداد ذلك من خلال ظهور روسيا في كل مكان تقريبا.
وفي الدول الثلاث التي زارها بوتين، تتعارض أهداف روسيا مع أهداف الولايات المتحدة، وتظهر العلاقة الروسية بشكل أكثر واقعية، في حين لا تتمتع واشنطن بذلك.
وفي سوريا، تلعب الولايات المتحدة دورًا في مكافحة الإرهاب، ولكنها ابتعدت عن الصراع بشكل كامل تقريبًا، مما يعطيها نفوذا أقل لتحقيق أي نوع من الحلول السياسية التي تتماشى مع المصالح الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، استطاعت روسيا جمع تركيا وإيران والحكومة السورية على طاولة المفاوضات من أجل التوصل إلى تسوية سياسية.
وفي تركيا، تزداد العلاقة مع روسيا حرارة، على النقيض من البرودة التي تعصف حاليا بالعلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا – على الرغم من أن العلاقة بينهما قديمة وراسخة.
وفي حين خاب أمل تركيا في سياسة كل من الولايات المتحدة وروسيا في سوريا، جعلت روسيا نفسها شريكا لا غنى عنه لتحقيق ما تريده أنقرة، وهو تسوية سياسية تخرج الأكراد السوريين خارج الصورة.
وبحكم طبيعة علاقة موسكو الصارمة مع دمشق، فمن الواضح أن هناك احتمالا في أن تقدم روسيا لتركيا ما تحتاجه من الصراع السوري، وذلك في إطار العديد من الأزمات بين بوتين وبشار الأسد في الأشهر الأخيرة.
وقد لا تصل علاقة روسيا مع تركيا إلى قوة العلاقة الأمريكية التركية، إلا أن روسيا تستفيد من تعزيز صورتها كوسيط ومحاور وصديق، بينما تكافح الولايات المتحدة لأن تكون كما كانت دائما.
كما تكافح الولايات المتحدة من أجل الضغط على تركيا – وغيرها من القوى الشرق أوسطية – لتحسين سلوكها في مجال حقوق الإنسان، مع الاعتماد عليها في سياستها الإقليمية.
وتهتم دول الاتحاد الأوروبي بشكل أكثر بشأن حقوق الإنسان مع حلفائها في الشرق الأوسط، في حين تتجاهل روسيا هذه المسألة، وهو ما يعطيها مساحة مرونة أكبر مع شركائها الإقليميين.
وقد استخدمت روسيا بصمتها الاستراتيجية في سوريا لتعميق علاقاتها في جميع أنحاء المنطقة.
وفي مصر – التي لديها نمط طويل من التحول بالتناوب مع الولايات المتحدة وروسيا في الاتفاقات الأمنية والاقتصادية الخارجية، يبدو أنها تتأرجح نحو روسيا مرة أخرى.
وقال بوتين في القاهرة يوم 11 ديسمبر إن هناك خطة لبناء محطة روسية للطاقة النووية في مصر، وإن روسيا مستعدة لاستئناف رحلات مدنية سياحية إلى مصر بعد انقطاع دام عامين.
ومن شأن التوصل إلى اتفاق يسمح لروسيا باستخدام القواعد العسكرية المصرية، إذا تم وضعه في صيغته النهائية، أن يرسخ أهمية مصر للموقف العسكري الروسي في المنطقة.
ولا تعني زيادة التواجد والتحركات الدبلوماسية بطبيعة الحال أن بإمكان روسيا تحقيق ما تريده في الشرق الأوسط, فلدى موسكو تاريخ ضئيل من ممارسة القوة الناعمة لتحقيق أهدافها بشكل كامل في المنطقة، وعلى الرغم من موقف روسيا المتصاعد في سوريا، فإن الوجود العسكري والدبلوماسي الأمريكي في جميع أنحاء الشرق الأوسط لا يزال يتفوق على روسيا تماما.
كما أن توقيت رحلة بوتين مرتبط أيضًا بالسياسة الداخلية الروسية، مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في مارس عام 2018.
ويستخدم بوتين نجاحات روسيا في سوريا لتعزيز دور موسكو العالمي، مع استمرار المواجهة مع الولايات المتحدة، وتعزيز الصورة الروسية في أعقاب فضيحة المنشطات الأولمبية الشتوية.
وستكتشف روسيا حدودها خلال سعيها إلى تعميق وجودها في الشرق الأوسط، ومن المرجح أن تفشل عملية السلام السورية على سبيل المثال.
وفي إيران ومصر وتركيا، سوف يتأرجح البندول مرة أخرى إلى مكان أقل ودية بالنسبة لموسكو.
لكن روسيا تقوم ببناء عنصر اقتصادي أعمق في هذه العلاقات للمساعدة في تخفيف أي قيود محتملة.
وفي دول الشرق الأوسط، تسعى روسيا لتصوير نفسها كوسيط خير؛ قوة عظمى لا تتدخل محليا ولكن يمكنها تقديم المساعدة الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية.
وبهذه الطريقة، تستفيد روسيا من الفراغ الذي خلفته استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، التي سعت فيها لترك الساحة لصالح دور أكبر للسعودية وإسرائيل.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات