علّقت إدارة الرئيس دونالد ترمب بعض شحنات العملة الأمريكية إلى الحكومة العراقية، في ظل تصاعد غضب واشنطن من تصرفات الميليشيات المتحالفة مع إيران داخل البلاد، وكذلك من حملتها الموازية للتأثير على اختيار رئيس الوزراء العراقي المقبل، وذلك بحسب أشخاص مطلعين على الأمر.
ويؤثر هذا الإجراء على نحو 500 مليون دولار من عائدات مبيعات النفط العراقي، وفقًا لما ذكره شخصان، وقد تحدثا مثل غيرهم، بشرط عدم الكشف عن هويتهم، لمناقشة التدهور المتزايد في العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وبغداد في ظل الحرب الأمريكية في إيران.
وتُعدّ شحنات النقد هذه جزءًا من ترتيب مستمر منذ سنوات، أُنشئ خلال فترة الاحتلال الأمريكي للعراق، حيث تُحوَّل عائدات مبيعات النفط العراقي الدولية أولًا إلى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
وأكد عدد من المسؤولين العراقيين أن تعليق الشحنات لا يشمل سوى جزء من الأموال التي تُحوَّل بانتظام من الولايات المتحدة، وقدّر مسؤول رفيع أن شحنات النقد الفعلية، التي تُنقل جوًا إلى البلاد كل بضعة أشهر، تمثل نحو 5% فقط من الإجمالي.
وقد أثار هذا التعليق اضطرابًا داخل الحكومة في بغداد، إذ بات المسؤولون هناك يشعرون بقلق متزايد بشأن حجم النفوذ الذي تمارسه إدارة ترامب على عائدات النفط، التي تشكل الغالبية العظمى من دخل البلاد.
وتُستخدم التدفقات المنتظمة من النقد الأمريكي لدعم العملة العراقية، الدينار، ويخشى بعض المسؤولين العراقيين من تداعيات كارثية على الاقتصاد الهش أصلًا إذا لم يُحل هذا الخلاف قريبًا.
وقال دبلوماسي عراقي: “إنهم يعلمون أن شحنات الدولار هي المنفذ الوحيد للعراق للحصول على العملة الأجنبية، وإذا توقفت، فإن الحكومة العراقية ستنهار”.
قلّل مظهر محمد صالح، المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء العراقي، من خطورة الوضع، مشيرًا إلى أن الغالبية العظمى من تدفقات الدولار الأمريكي لا تزال مستمرة عبر القنوات المصرفية الرسمية، وأن العراق لا يعاني من نقص في العملة الأجنبية.
وقد برزت الميليشيات الشيعية في العراق خلال السنوات الأولى من الاحتلال الأمريكي، حيث استهدفت الجنود الأمريكيين بهجمات دامية بدعم من طهران، وجرى دمج العديد منها ضمن قوات الحشد الشعبي، وهي شبكة رسمية، بعد أن دعا المرجع الديني الشيعي الأعلى في البلاد عام 2014 إلى الانضمام إلى القتال ضد تنظيم الدولة إلى جانب القوات العراقية وحلفائها الأمريكيين.
ومع مرور الوقت، تحولت تلك الجماعات التي كانت تُعدّ سابقًا تشكيلات غير منظمة إلى لاعبين رئيسيين في السياسة العراقية، ففي انتخابات عام 2025، حصل تحالف من الأحزاب الشيعية المرتبطة بهذه الميليشيات على موقع مهيمن في البرلمان، ما أتاح له فعليًا اختيار رئيس الوزراء العراقي المقبل.
وقد أدى تصاعد النفوذ السياسي لهذه الميليشيات إلى وضع الدولة العراقية في موقع حرج بين طهران وواشنطن.
ورغم أن واشنطن أعربت منذ فترة طويلة عن مخاوفها من استخدام الدولارات المرسلة إلى العراق من قبل إيران ووكلائها، فإن تعليق الشحنات لم يحدث سوى مرة واحدة سابقًا، وذلك في عام 2015 خلال ذروة القتال ضد تنظيم الدولة، وفقًا لفيكتوريا تايلور، نائبة مساعد وزير الخارجية السابقة لشؤون العراق وإيران.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية، تومي بيغوت، إن “الولايات المتحدة لن تتسامح مع الهجمات على مصالحها، وتتوقع من الحكومة العراقية أن تتخذ فورًا جميع الإجراءات اللازمة لتفكيك الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران داخل العراق”
ويتزامن هذا الجمود مع جهود الائتلاف الشيعي الحاكم في العراق لاختيار مرشح جديد لمنصب رئيس الوزراء. وكان الرئيس دونالد ترمب قد عبّر عن معارضته لأحد المرشحين، وهو رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، إذ صرّح في يناير بأن الولايات المتحدة “لن تساعد العراق بعد الآن” إذا عاد المالكي إلى السلطة.
وفي هذا الشهر، أفادت البعثة الأمريكية في العراق بأنها تمارس “ضغطًا مستمرًا” على القادة العراقيين للتأثير على اختيار حكومة جديدة تتبنى “نهجًا مختلفًا جذريًا” تجاه الميليشيات المدعومة من إيران، وذلك وفقًا لبرقية صادرة عن وزارة الخارجية اطلعت عليها صحيفة واشنطن بوست.
وذكرت البرقية أن القادة العراقيين أكدوا، علنًا وفي اجتماعات خاصة، أن المالكي لن يكون رئيسًا للحكومة.
ولا يزال من غير الواضح من تفضّله إدارة ترامب بديلًا، غير أن شخصين مطلعين على المناقشات بين الولايات المتحدة والعراق قالا إن الإدارة الأمريكية كانت تدعم محمد شياع السوداني رئيس الوزراء الحالي، لكنها حذّرت لاحقًا من منحه ولاية ثانية.
ولا يزال من غير الواضح أيضًا ما إذا كان مرشح ثالث، باسم البدري، سيتمكن من الحصول على عدد كافٍ من الأصوات لتولي المنصب، وينتمي البدري إلى حزب نوري المالكي لكنه يرتبط بعلاقات قوية مع فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق.
ومن المتوقع أن يختار تحالف الكتل الشيعية الموالية لإيران، والذي يضم ممثلين برلمانيين لعدد من الميليشيات، مرشحه لمنصب رئيس الوزراء.
وتسلّط تحركات إدارة دونالد ترامب الضوء على مدى تدهور العلاقات مع الحكومة العراقية، حيث وصلت إلى مستويات متدنية جديدة خلال الحرب الأمريكية مع إيران، وقد أدت هجمات يُشتبه في أن الميليشيات نفذتها ضد منشآت أمريكية إلى دفع وزارة الخارجية إلى إغلاق بعثاتها الدبلوماسية في البلاد، مع الإبقاء على طاقم محدود للغاية من الدبلوماسيين الأمريكيين.
واتخذت وزارة الخارجية الشهر الحالي خطوة نادرة باستدعاء السفير العراقي لدى الولايات المتحدة للتعبير عن “إدانة شديدة” من جانب الإدارة لهذه الهجمات، والتي قال مسؤولون إنها شملت “كمينًا استهدف دبلوماسيين أمريكيين في بغداد”
كما استدعت عدة حكومات مجاورة ممثلين دبلوماسيين من العراق خلال الأسابيع الأخيرة، بسبب هجمات نفذتها ميليشيات ضد تلك الدول أيضًا.
واتهمت الحكومة العراقية القوات الأمريكية الشهر الماضي بمهاجمة عيادة داخل قاعدة عسكرية في غرب محافظة الأنبار، ما أسفر عن مقتل سبعة من أفراد الجيش العراقي وإصابة أكثر من اثني عشر آخرين، في محاولة بدت وكأنها تستهدف قيادات في الميليشيات، إلا أن المسؤولين العسكريين الأمريكيين نفوا هذه الاتهامات.
وتنتمي معظم الميليشيات الموالية لإيران التي استهدفت مصالح أمريكية منذ اندلاع الحرب مع إيران إلى “قوات الحشد الشعبي”، وهي هيئة رسمية أُنشئت قبل أكثر من عقد لدعم القتال ضد تنظيم الدولة، حين كانت متحالفة مع الولايات المتحدة ضد الجماعة السنية المتطرفة.
ورغم ضغوط إدارة دونالد ترمب على العراق لتفكيك هذه الميليشيات، يخشى بعض المسؤولين العراقيين أن يؤدي ذلك إلى دفع البلاد نحو حرب أهلية.
وقالت تايلور، نائبة مساعد وزير الخارجية السابقة: “لقد واصلت الميليشيات العراقية ترسيخ نفوذها داخل أجهزة الدولة على مدى العقود الماضية، ومن الصعب جدًا على الحكومة العراقية والقوات الأمنية الشرعية اتخاذ إجراءات ضدها كما رأينا خلال هذه الحرب”
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات