وتبقى الصلاة .. تُلازمُ المسلم

لطالما تفكرت، فوجدت كل واحد منا يدور في دائرة, تتكرر عبر مضمار الحياة. ولادة وصراخ، طفولة وطلبات، مراهقة وعناد، شباب وزواج، وظيفة وأعمال، رجولة ورزانة, ثم أولادٌ ومسئولية, ثم شيخوخة وتقاعد وفراغ, ثم موت وقبر موحش .. ومن ثمّ يُسلّم عصا السباق، عصا التتابع لغيره ليركض هو الآخر في نفس المضمار!

فهل نبقى ندور حول هذا المضمار هكذا فقط دون هدف؟ ألهذا خلقنا؟ فبادر أخي إلى الصلاة قبل أن لا تبادر .

وتبقى الصلاة

يقول الشيخ على طنطاوي: “عشت في بداية عمري مع والدي، وكنت أظن أنني لا أستطيع مفارقته ولا العيش من دونه, فتوفى والدي. ثم عشت مع أخوتي, وظننت أنني لا أستطيع مفارقتهم, فتزوجوا وعاش كل منهم مع أسرته وأنا كذلك تزوجت وأنجبت البنات والأبناء وظننت أنني لا أستطيع مفارقتهم فتزوجوا وكل منهم كوّن أسرة وذهب في سبيله! .. فعلمت أنه لا يبقى مع الإنسان إلا ربه! فكل الصّلات قد تنقطع إلا صِلَتك بالله رب العالمين. ا.هـ

لذا تبقى الصلاة “قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” (الأنعام – 162)

وتبقى الصلاة

فإذا وفقك الله أن تترك فراشا دافئا تحبه وخِلا تحادثه وزوجا تلاعبه وتلفازا ونتاً تشاهده, ومالاً تجمعه وتراجعه ثم تسمع نداء “الله أكبر” فتترك كل هذا لتقف بين يدي الله تتلو كلامه وتسجد له, فاعلم أن الله تبارك وتعالى يحبك ويحب أن يراك واقفا بين يديه وان يسمع كلامه منك ( فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما أقامك) لذا فهناك أناس “كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين” إنهم المنافقون، سكين في ظهر هذه الأمة, قال الله عنهم “إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً“. (النساء 142) .

وها هي الأمة تعيش أثر خداعهم وخيانتهم لله ولرسوله وللمسلمين.

وتبقى الصلاة

روى مسلم في صحيحه عن أَبي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ, وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأانِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ َالْأَرْضِ, وَالصَّلَاةُ نُورٌ, وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ, وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ, وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ, كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو, فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا”

والصلاة نور؛ نور في القلب, وبهاء في الوجه, وأنس في وحشة القبر, ونجاة يوم القيامة على الصراط, وبها تهدأ النفس وتطمأن؛ فكان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر يهرع إلى الصلاة إلى ربه يقول صلى الله عليه وسلم وجعلت قرة عيني في الصلاة.

وتبقى الصلاة

فمن صلاح أحوال المسلمين، أن يوفقهم الله للثبات على دينه والاستقامة عليه، وأن يعينهم على المحافظة على الصلاة في جماعة وفي بيوت الله وهي المساجد . في الحديث ( إن بيوتي في الأرض المساجد, وإن زوارها هم عمارها, فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم جاءني).[أبو نعيم عن أبي سعيد الخدري] وقال تعالى ” فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (النور 36- 38) . وفي الحديث (عنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيمَانِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ (الآيَةَ) رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب

وتبقى الصلاة

إنها العهد الذي لا ينقطع أبدا بين العبد وربه. صح عن بريده الأسلمي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال” العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر “( رواه أحمد والترمذي. وقال:  صلى الله عليه وسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) أخرجه مسلم في صحيحه. والآيات في شأن الصلاة كثيرة. وقد أمر الله عز وجل بإقامتها والمحافظة عليها في كتابه الكريم، فقال عز وجل: “وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ“، وقال سبحانه: “وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون”, فأوجب سبحانه المحافظة على الصلوات الخمس فقال عز وجل: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِين.

وتبقى الصلاة

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) أخرجه مسلم في صحيحة.

وتبقى الصلاة

قاسم مشترك بين العبد وربه، فحين يشرع العبد بعد تكبيرة الحرام يقرأ فاتحة الكتاب فيكون الفتح من الله ،بالرحمة والمغفرة والهداية والبركة والشفاء, ويكون الود والقرب

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم, قال الله تعالى: أثنى علي عبدي ، وإذا قال : مالك يوم الدين ، قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم؛ صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ) وفي رواية: ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي ) رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة .

نعم وتبقى الصلاة، فلا تغفل عنها أخي أو تتهاون فيها، واحرص أن لا يمنعك عنها شيء، فهي فرصة لك لتهدئة هذه النفس والتقرب إلى الله على مدار اليوم “ومن يؤمن بالله يهد قلبه” فما من عبادة في الإسلام بعد الشهادتين أعظم من الصلاة.

شاهد أيضاً

يوم عرفة.. أسرار وفضائل

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتمّ علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينًا، وصلاة وسلامًا …