“اقرأ” كانت الكلمة الأولى التي هبط بها أمين الوحي جبريل عليه السلام على قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم مصحوبة بضمة شديدة ايذاناً ببدء رسالة شعارها العلم ورمزها القلم. يقول سيد قطب:” تبرز حقيقة التعليم.. تعليم الرب للإنسان “بالقلم”… لأن القلم كان وما يزال أوسع وأعمق أدوات التعليم أثراً في حياة الإنسان .. ولم تكن هذه الحقيقة إذ ذاك بهذا الوضوح الذي نلمسه الآن ونعرفه في حياة البشرية. ولكن الله سبحانه كان يعلم قيمة القلم، فيشير إليه هذه الإشارة في أول لحظة من لحظات الرسالة الأخيرة للبشرية. في أول سورة من سور القرآن الكريم.. هذا مع أن الرسول الذي جاء بها لم يكن كاتبا بالقلم، وما كان ليُبرز هذه الحقيقة منذ اللحظة الأولى لو كان هو الذي يقول هذا القرآن.. لولا أنه الوحي، ولولا أنها الرسالة “.
وكان أول ما عَنوَن الإمام البخاري في صحيحه (باب العلم قبل القول والعمل) ” فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ”.
وبنظرة تأملية لواقع الأمة العربية، نجد ما يسر العدو ويغيظ الصديق, فوفقاً لتقرير اليونسكو, كانت أعلى نسبة للأمية في الوطن العربي. وذكرت تقارير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) أن عدد الأميين في المنطقة العربية في عام 2015 يبلغ 54 مليون شخص من أصل حوالي (343.6 ) مليون نسمة، بنسبة 16 % من مجموع السكان، ونسبة الشباب من الأميين العرب الذين تتراوح أعمارهم بين (15-45) بلغت 6.5 مليون، وأن أكثر من 6 ملايين طفل ممن هم في سن الدراسة غير منخرطين في سلك التعليم، ونسبة 20 % من الأطفال الذين يلتحقون بالتعليم الأساسي يتخلفون عنه، وتبلغ هذه النسبة 30 % في بعض الدول العربية.
فكيف تقرأ أمةٌ ربعُ سكانها من الأميين؟!
وتُصنف منظمة اليونسكو المنطقة العربية كأضعف مناطق العالم في مكافحة الأمية, وتتوقع (الألكسو) أن تصبح نسبة الأمية في العالم العربي الأولى في العالم. وتحتل مصر المرتبة الأولى من حيث عدد الأميين، تليها السودان فالجزائر والمغرب ثم اليمن. وتضمُ هذه الدول الخمسة مجتمعة نسبة 78 % من الأميين في البلاد العربية.
ولكن حتى المتعلمين في الوطن العربي نجد أن آخر ما يشغلهم القراءة، أو هي غائبة تماماً عن واقعهم وهواياتهم؛ حيث بلغ معدل القراءة عند الفرد في الوطن العربي (6) دقائق سنوياً مقابل (200) ساعة للفرد في أوروبا وأمريكا. ونشرت بعض تقارير الأمم المتحدة أن ما يقرأه الفرد في العالم العربي سنويا هو (ربع) صفحة فقط، وأن معدل ما يقرأه الأمريكي (11) كتابا، والبريطاني (8) كتب، ويقرأ الطفل العربي (7) دقائق سنوياً، ويقرأ الطفل الأمريكي (6) دقائق يومياً، ويبلغ معدل قراءة الأطفال في العالم العربي خارج المناهج الدراسية (6%) في السنة، فيما يقرأ كل (20) طفلاً عربياً كتاباً واحداً، فإن الطفل البريطاني يقرأ (7) كتب، والأمريكي (11) كتاباً.
وفي تقرير لإحدى الجامعات العربية أن (72%) من خريجي الجامعات يتخرجون دون أن يقوموا باستعارة كتاب واحد من مكتبة الجامعة!
وتشير الإحصائيات أن الوطن العربي يُصْدر سنويا حوالي (5000) كتاب، مقابل (35.000) كتاب في اليابان ، و(85.000) كتاب في أمريكا. ورصيد الدول العربية من كتب الأطفال لا يتجاوز (1.1%) من الإنتاج العالمي رغم وجود أكثر من (55 ) مليون طفل في العالم العربي. ووفقا لتقرير التنمية الصادر عن مؤسسة الفكر العربي في القاهرة فإنه يصدر كتاب واحد لكل (12.000) مواطن عربي، بينما يصدر كتاب لكل (500) مواطن إنجليزي، وكتاب لكل (900 ) مواطن ألماني، أي أن معدل القراءة في العالم العربي لا يتجاوز 4 % من معدل القراءة في انجلترا على سبيل المثال.
هذا بعض واقع القراءة المؤلم في وطننا العربي، ومن مصائب أمتنا اليوم أنها لا تقرأ، والإعراض عن القراءة من كبائر الناس الكبيرة. فالقراءة باب للنهضة والتقدم، ووسيلة فعالة للقضاء علي عوامل الضعف والجهل والتخلف، وهي سبيل الرفعة وطريق الحكمة والعزة للفرد والأمة وبدونها لن نستطيع مواكبة الأمم وملاحقة المستقبل، ونكون كمن يحرث في الماء أو يظن السراب ماءاً حتي إذا جاءه لم يجده شيئاً.
وتبدأ عملية الانقاذ بتشخيص النقص ومعرفة السلب، قيل لأحد الحكماء:” بم كنتَ أعلمَ قرنائك؟ قال: لأني أنفقت في زيت المصباح لدرس الكتب مثل ما أنفقوا في شرب الخمر”، وإنما ” العلم بالتعلم، ولا بد من أخذ النفس بالشدة، وإطالة مجالس العلم، وإحياء المحاورات وهذا عصر ثورة العلم ومنهجية الأعمال والعمق شرط للمضي في المنافسة، ونسمي العلم تعباً وهو لذة كله، وعز، وارتفاع درجات، وسبب احترام، وجواز مرور، وشهادة امتياز، ووثيقة انتساب إلي نادي النخبة ” محمد أحمد الراشد.
وقد أذهلني سعة اطلاع سيد قطب وأنا اقرأ كتابه ” كتب وشخصيات ” وهو يتناول بالنقد كتاب “همزات الشياطين لعبد الحميد جودة السحار” يقول:”وهذه الأقصوصة هي التي فاجأتني مفاجأة تامة، جعلتني أُعاود النظر في كل ما قرأته للمؤلف .. وقادتني هذه المفاجأة إلي أن أُراجع كل ما تحويه مكتبتي من الأقاصيص المؤلفة باللغة العربية – وهي تكاد تشمل كل ما تحويه المكتبة العربية في هذا الباب – وأردت أن أتابع الموازنة، فعدت إلي ما تحويه مكتبتي من الأقاصيص المترجمة – وهي تكاد تشمل كذلك كل ما تحويه المكتبة العربية في هذا الباب “. ووقتها عرفت كيف تَشَّكل سيد قطب!
كما يحتاج الأمر إلي قرار سياسي بدعم مجانية التعليم، ومحاربة الأمية، ومواجهة ظاهرة تسرب الأطفال، ودعم ميزانية وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي، ورفع كفاءة المدرس واستاذ الجامعة وزيادة راتبيهما، وشيوع المكتبات العامة، ودعم طباعة الكتاب، وتكوين مجلس أعلي للترجمة واحياء التراث.
ومما عجبت له ما حكاه الجبرتي في تاريخه عن الحملة الفرنسية علي مصر، أنهم أسسوا مكتبات عامة علي النمط الحديث وضعوا فيها ” جملةً من كتبهم، وعليها خُزَّان ومباشرون يحفظونها ويحضرونها للطلبة ومن يريد المراجعة، فيراجعون فيها مرادهم، فتجتمع الطلبة كل يوم قبل الظهر بساعتين.. وإذا حضر إليهم بعض المسلمين ممن يريد الفُرجة لا يمنعونه الدخول إلي أعز أماكنهم، ويتلقونه بالبشاشة والضحك وإظهار السرور بمجيئه إليهم، وخصوصاً إذا رأوا فيه قابلية أو معرفة أو تطلعاً للنظر في المعرفة بذلوا له مودتهم ومحبتهم، ويُحضرون له أنواع الكتب”.
ومسك الختام ما قاله الجاحظ : “الكتاب نعم الأنيس في ساعة الوحدة ونعم القرين ببلاد الغربة، وهو وعاء مليء علمًا وليس هناك قرين أحسن من الكتاب، ولا شجرة أطول عمرًا ولا أطيب ثمرة ولا أقرب مجتنى من كتاب مفيد، والكتاب هو الجليس الذي لا يمدحك, والصديق الذي لا يذمك, والرفيق الذي لا يَملك, ولا يخدعك. إذا نظرت فيه أمتعك وشحذ ذهنك وبسط لسانك وجود بيانك, وغذى روحك ونمى معلوماتك، وهو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يحقرك, وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة .ولو لم يكن من فضله عليك إلا حفظه لأوقاتك فيما ينفعك وصونها عما يضرك من فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة ومجالسة من لا خير فيهم، لكان في ذلك على صاحبه أسبغ نعمة وأعظم منَّة “.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات