وول ستريت جورنال: السعودية تواصل بصمت رفع القيود عن تناول الكحول

قالت صحيفة “وول ستريت جورنال” 31 ديسمبر 2025 أن السعودية تسمح بهدوء لبعض المقيمين بشراء المشروبات الكحولية، في كسرٍ لمحظورٍ طال أمده، بينما تسعى المملكة الإسلامية إلى توسيع قطاع السياحة لديها، واستقطاب المغتربين ذوي الدخل المرتفع، وتحديث صورتها المحافظة.

وقد بدأت الحكومة خلال الأسابيع الأخيرة ومن دون إعلان رسمي، بالسماح لغير المسلمين من حاملي “الإقامة المميّزة” الممنوحة للخبرات العالية أو للمقيمين الأثرياء بشراء البيرة والنبيذ والمشروبات الروحية من متجر في العاصمة الرياض، وفقًا لأشخاص مطّلعين على الأمر.

ويتوقّع محللون ومصادر على دراية بتفكير صانعي القرار في السعودية أن تتبع المملكة هذه الخطوة الأولى بالسماح بتقديم الكحول في فنادق ومنتجعات حصرية على ساحل البحر الأحمر، الذي عملت على تطويره كوجهة سياحية خلال السنوات الماضية.

ويقول هؤلاء إن إدخال بيع الكحول كان قيد الإعداد منذ سنوات.

ويقول مايكل راتني، الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى المملكة في عهد إدارة بايدن: “كنا نعلم دائمًا أن هذا قادم، وأن السعودية كانت تُحضّر لشيء ما. أحد المؤشرات كان إشارات مادية بحتة — كنت تدخل مطاعم جديدة، وجميعها تحتوي على حانات، ولم تكن الحانات تقدّم الكحول، لكن البنية التحتية بدأت تظهر”

ويأتي هذا الانفتاح المتعلّق بالكحول في سياق خطوات تحديث أخرى شهدتها المملكة خلال العقد الماضي تحت قيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، من بينها رفع الحظر عن قيادة النساء للسيارات، والسماح بدور السينما والمهرجانات الموسيقية، وتقليص نفوذ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في إطار سعيه إلى تقديم البلاد كوجهة حديثة للاستثمار وتنويع الاقتصاد.

وتسوّق السعودية نفسها على الساحة العالمية كمركزٍ للأحداث الرياضية الكبرى، فقد استقطبت نجوم كرة القدم مثل كريستيانو رونالدو للعب في دوريها المحلي، ومن المقرّر أن تستضيف كأس العالم لكرة القدم عام 2034، كما بدأت المملكة في عام 2021 باستضافة سباق «فورمولا 1» للجائزة الكبرى في مدينة جدة الساحلية، وغالبًا ما ترافق مثل هذه الفعاليات الرياضية حفلات شرب — وبكميات كبيرة في كثير من الأحيان في دول أخرى.

وكانت السعودية قد حظرت الكحول في خمسينيات القرن الماضي بعد أن أطلق أمير سعودي شاب، وهو في حالة سُكر، النار وقتل دبلوماسيًا بريطانيًا، كما أن الإسلام، الدين الرسمي للدولة السعودية التي تقدّم نفسها حارسةً لأقدس مقدّسات الإسلام، يحرّم استهلاك الكحول.

وقال مقيم أجنبي منذ فترة طويلة في السعودية، اشترى مؤخرًا كحولًا من متجر المشروبات الوحيد المعروف في الرياض، إن كل ما يعرفه عن آلية شراء الكحول في العاصمة وصل إليه عبر التداول الشفهي، وعند وصوله إلى المتجر غير المعلَّم في الحي الدبلوماسي، تحقّق الموظفون من بطاقة إقامته للتأكّد من أنه غير مسلم وأنه مؤهّل للشراء بموجب وضع إقامته، ثم طلبوا منه وضع هاتفه المحمول في كيس مُحكم الإغلاق كي لا يتمكّن من التقاط الصور، قبل السماح له بمشاهدة المعروضات.

وأضاف أن المتجر يوفّر تشكيلة لا بأس بها، بأسعار أعلى مما هي عليه في الغرب، لكنها أقل من أسعار السوق السوداء داخل السعودية، غير أن عشّاق النبيذ المتخصّصين، على حد قوله، سيجدون صعوبة في العثور على أصناف نادرة أو مفضّلة لديهم.

وقال إن هذا التغيير كان مُثيرًا، مضيفًا أن متعاطي الكحول يشعرون بالارتياح لعدم اضطرارهم بعد الآن إلى اللجوء إلى السوق السوداء، حيث تنتشر مشروبات منزلية الصنع خطِرة ومشروبات مهرَّبة بأسعار باهظة.

وتسعى المملكة إلى استقطاب تدفّق من الأموال من الزوار الأجانب والمغتربين للمساعدة في تقليص العجز المالي مع فتور سوق الطاقة ومواجهة السعودية ضغوطًا على ميزانيتها.

كما خفّضت المملكة وتيرة بعض المشاريع الطموحة في البنية التحتية، مثل مدينة «نيوم» العملاقة التي كان مخططًا لها بتكلفة تريليونية.

ويقول نيل كويليام، الزميل المشارك في معهد تشاتام هاوس للشؤون الدولية، إن السعودية تركّز على “جذب النخب إلى البلاد والاحتفاظ بها، وإقناع السياح بالقدوم”، وأضاف: “الاقتصاد يمرّ بحالة تباطؤ. ومن المرجّح أن يواجه بعض المطبات خلال العام المقبل أو نحو ذلك. والحكومة تحاول أن تُهيّئ نفسها لذلك”

ولم تردّ وزارة الخارجية السعودية ولا المكتب الإعلامي الحكومي على طلبات التعليق، وكان ولي العهد قد دفع باتجاه تغييرات اجتماعية سريعة منذ منحه هذا اللقب في عام 2017، غير أن رفع الحظر الشامل على الكحول في عموم البلاد لن يحدث دفعة واحدة، كما حصل في بعض مسارات التحديث الأخرى، فالقضية لا تزال حساسة داخل المجتمع السعودي الواسع والمحافظ، ومن المرجّح أن تتم بصورة تدريجية ومن دون ضجيج إعلامي.

وقال راتني، السفير الأميركي السابق، مستخدمًا الاختصار الذي يُعرف به ولي العهد عادةً: “محمد بن سلمان ليس غير مكترث بالرأي العام”، وأضاف: “على الرغم من أنني لا أعتقد أنه يريد أن تكون الهوية الدولية الأساسية للسعودية دينية، كما عُرفت تاريخيًا، فإنه واعٍ تمامًا بأن هذه المكانة لا تزال قائمة”، وتابع: “مع ذلك، فهو يرى أن السياحة، وكذلك فكرة “الطبيعية”، هما هدفه”

ورغم أن الحكومة السعودية اتجهت إلى قدر من الانفتاح في مجالات عدة، فإنها لا تزال متأخرة مقارنةً بجزء كبير من العالم في ما يتعلّق بحقوق الإنسان، ولا سيما حقوق النساء والعمال، فقد باتت المملكة تسمح بالاختلاط بين الجنسين في المطاعم والمقاهي، وخفّفت القيود المفروضة على سفر النساء وعيشنَ بشكل مستقل، إلا أن الدولة السعودية ما زالت تنفّذ إعدامات متكرّرة، بما في ذلك في قضايا متعلّقة بالمخدرات، وفقًا لمنظمات حقوقية، كما تحظر مساكنة الأزواج غير المتزوجين، وتقمع بشدة أي معارضة، وتعتبر المثلية الجنسية جريمة.

ويرى محللون ومصادر مطّلعة على تفكير القيادة السعودية أن المملكة ستُحاكي تجربة إدخال الكحول في دولة الإمارات العربية المتحدة المجاورة، فبينما يُقيَّد بيع الكحول في بعض مناطق الجار الخليجي المحافظ ويُحظر تمامًا في إمارة الشارقة، فإنه متاح على نطاق واسع في دبي، التي استقطبت أعدادًا كبيرة من السياح الدوليين الأثرياء والمهنيين الأجانب، جزئيًا بفضل تخفيف القيود الأخلاقية.

شاهد أيضاً

إجلاء طائرات أمريكية من مطار رامون وسقوط شظايا صاروخ قرب إيلات

أكدت القناة 13 العبرية إجلاء طائرات التزود بالوقود الأمريكية من مطار “رامون” العسكري، في أعقاب …