نكتب عن مؤتمر حركة «فتح» قبل ختامه الرسمي، لكن الأمر لن يتغير عمليا لو كتبنا بعد الختام، فالمكتوب يُقرأ من عنوانه كما يقال.
حين تعقد حركة سياسية؛ الأصل أنها حركة تحرر وطني، مؤتمرها تحت الرعاية العملية للاحتلال، وبتسهيلات منه للضيوف وللقادمين من الخارج، فاعلم أن ذلك الاحتلال لا يشعر أبداً بأنها تمثل خطرا عمليا عليه.
قصة كهذه يمكن أن تكون مفهومة في حالة حزب معارضة في دولة، وليس في حالة حركة تحرر تناضل من أجل تحرير أرض تسيطر عليها قوة غازية.
والحال أن حركة فتح في ظل محمود عباس قد باتت أشبه بأحزاب المعارضة، وابتعدت عن كونها حركة تحرر، وحين تستمتع قيادتها بالتعاون الأمني مع المحتلين ضد المقاومة، فهذا يعني أنها تركت مربع حركات التحرر، بصرف النظر عن اعترافها عمليا بذلك أم لا.
كل الخطب التي سمعناها من أهل البيت ومن الضيوف لا يمكن أن تخفي هذه الحقيقة التي كان ينبغي أن يقولها مندوبو الفصائل الذين شاركوا، ومن ضمنهم حماس، لا أن يتصرفوا كأنهم في مأتم أو عرس عليهم أن يجاملوا أهله, ونقطة آخر السطر.
المؤتمر الذي نحن بصدده لم يعقد لأجل تجديد دماء القيادة، بدليل أن القيادة هي ذاتها فيما خصّ رقم واحد؛ وهو كل شيء في حركة فتح بتقاليدها المعروفة، وكان لافتا أن انتخاب الرئيس تم في الجلسة الأولى، خلافا للتقاليد السياسية التي تقضي بأن يتم ذلك في ختام المؤتمر بعد تقديم جردة حساب بما جرى خلال المرحلة السابقة.
المؤتمر لم يعقد لأجل تصحيح المسار، إذ لم يتغير أي شيء من الناحية العملية، فالقيادة إياها ماضية في برنامج تكريس دولة تحت عباءة الاحتلال، من دون أن تضطر أن تقول إنها تتنازل عن الثوابت، والعدو لا يلح على هذا الصعيد، وإن أغراه حريق المنطقة بالحصول على تنازلات جديدة.
عُقد المؤتمر من الناحية العملية لأجل هواجس القيادة في صراعها مع محور آخر في الحركة (محمد دحلان)، بعدما تصاعدت الضغوط من أجل أن يحصل الأخير على حصة في الكعكة، تجعله وصيًا مستقبليا على الحالة الفلسطينية، ربما بالحصول على قيادة منظمة التحرير.
أمر كهذا يمكن تقديمه بوصفه تأكيدا على القرار الوطني المستقل، لكنه لا يعني الكثير حين لا نرى أي فرق عملي بين المتخاصمين فيما يتعلق بالتعامل مع المحتلين، ونكاد نجزم أنه لو تم التوافق على تسوية ما بين الخصمين، لقبلت بذلك حركة فتح، ولصاغت الأناشيد للقائد الذي كان يُشتم قبل حين، تماما كما حصل مع السابق أيام عرفات.
يشير ذلك إلى عقلية القبيلة التي تحكم الحركة، وهو وضع يثير الأسى حين نتحدث عن الحركة الأهم إلى جانب «حماس»، وهي الحركة التي يجري الاعتراف بها كممثل للشعب الفلسطيني في الدوائر الخارجية.
في ضوء ذلك كله، يمكن القول إن نتيجة المؤتمر هي تكريس تفرد محمود عباس بقيادة فتح ومنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، من دون تغييب دحلان الذي سيبقى حاضرا بقوة عامل الخارج لصالحه، ومن دون أن يخرج ذلك كله القضية من التيه المقيم الذي حُشرت فيه منذ عام 2004 ولغاية الآن، ولا يعرف متى ستخرج منه، وإن كنا واثقين أن ذلك سيحدث حين يتمرد الشعب ويفرض على الجميع خياراته في التعامل مع الغزاة.
بقي القول إن الوعد السابق بكشف قتلة عرفات قد أخرج من جدول أعمال المؤتمر، والأرجح أن تسويات وصفقات قد غيّبته كما كان متوقعا.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات