منذ بداية التسعينات وأنا أقرأ تقارير عن قرب الانهيار الاقتصادي لأمريكا لكننا لم نرَ شيئًا يؤكد أن هذه الأمبرطورية وأذرعها الاخطبوطية قد اقتربت من نهاياتها، فهل الأمور مختلفة هذه المرة؟
بلغت أمريكا أوج قوتها بين عامي 1980 و2003 حيث انهار الاتحاد السوفياتي وأصبحت أمريكا القوة السياسية والاقتصادية المهيمنة على العالم.
كان المختصون يتكلمون عن ممارسات ستؤدي لتقويض قوة أمريكا بالأخص أمرين: هي دولة تستهلك أكثر مما تنتج وكانت تعوض ذلك بنهب ثروات الدول الفقيرة، والأمر الآخر هو غطرسة القوة التي ستجعل شعوب العالم تثور.
الكلام عن انهيارها وقتها كان مبنيًا على أساس واقعي لكن البعض تسرع النتائج وتنبأ بسقوط سريع في سنوات قليلة، فحركة التاريخ أكثر بطئًا من ذلك.
ما حصل آخر 25 عامًا ساهم بتقويض كبير لقوة وهيمنة أمريكا:
1- غزو أفغانستان والعراق استنزفا أمريكا فلم تسر الأمور كما خططوا حيث كانوا يطمحون باحتلال كل المنطقة وإعادة تشكيلها على المقاس الإسرائيلي.
2- بدأ صعود العملاق الاقتصادي الصيني ولم تعد الصين تعتمد على الصناعات الرخيصة بل دخلت عالم التكنولوجيا المتقدمة بشكل يهدد أمريكا.
3- تراجع التصنيع الأمريكي بسبب سياسة التوجه للأسواق الرخيصة، وانحصر اقتصادها في البنوك والمؤسسات المالية والتكنولوجيا المتقدمة.
4- تضخم الدين العام الأمريكي حيث يبلغ اليوم 38 ترليون دولار.
5- جاءت حرب أوكرانيا لتستنزف أوروبا وأمريكا ماليًا وسياسيًا وعسكريًا، رغم أن روسيا ليست خصمًا بقوة الصين ولا نفس درجة خطورتها إلا أن أمريكا استخفت بها واستفزتها مما أدى لاندلاع حرب أوكرانيا.
6- الانقسام الداخلي الأمريكي والاصطفاف الذي يزداد حدة، والخلاف على كافة المواضيع تقريبًا وصولًا إلى عهد ترمب الذي قام بمفاقمتها وتأجيجها.
7- حرب غزة كانت محطة استنزفت أمريكا معنويًا وضربت مصداقيتها عالميًا وأضعفت هيمنتها الثقافية بشكل كبير، كما أنها استنزفتها إلى حد ما ماليًا وعسكريًا بسبب الدعم غير المحدود المقدم لإسرائيل، وكشفت المواجهة الندية في البحر الأحمر مع الحوثيين حدود القوة الأمريكية الملتهية في صراعات أخرى، كل ذلك سيشجع خصوم أمريكا على مواجهتها.
8- أهم عامل حاسم هو تخبط ترمب الذي خرب أمريكا بمغامراته غير المحسوبة ظانًا أنه سينقذ أمريكا، ففرضه العقوبات المالية على دول العالم بشكل عشوائي أشعل جرس انذار لدى القوى الأخرى مثل الصين وروسيا، بضرورة الانفصال عن نظام الدولار الأمريكي وهو أقوى أسلحة أمريكا على الإطلاق.
كثرة العقوبات أفقدها قيمتها فأصبحت الدول المعاقَبة تتاجر مع بعضها البعض، وأصبح المتضرر هو الشركات الأمريكية.
ناهيك عن محاربته للمهاجرين بمن فيهم العقول والمواهب العلمية الذين يعتبرون أحد أهم أسباب نهوض وقوة أمريكا العلمية.
كما أن محاولته فتح حروبًا جديدة في فنزويلا وكولمبيا وتخبطه يمينًا ويسارًا وإهانته لحلفائه كلها أمور تستنزف أمريكا وتدفع العالم للبحث عن حلول خارج المظلة الأمريكية.
في المحصلة:
هنالك صعود قوى اقتصادية منافسة وبدأ العالم يبحث عن بدائل للدولار، وأمريكا بدأت تفقد هيمنتها الثقافية مع حملات المقاطعة للماركات الأمريكية المشهورة مثل كوكا كولا وماكدونالدز وستاربكس.
لا شك أن نتائج الحرب مع إسرائيل ستحسم وضع أمريكا التي استثمرت كثيرًا بدعمها، وهذه الحرب لها تداعيات كبيرة على الوضع الداخلي الأمريكي والاستقطاب المتزايد.
نحن اليوم أمام أمريكا أضعف اقتصاديًا، ومهزوزة إعلاميًا، ومشغولة بمعاركة وأعداء كثيرون، ووضع داخلي منقسم، كل هذه الأمور تجعل انهيار أمبرطوريتها أقرب وهذا لا يعني شهور أو سنوات قليلة، بل عشرين أو ثلاثين عامًا على الأقل وهذا في عمر التاريخ رقم صغير جدًا.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات