يحيى حسين عبد الهادى يكتب : البيوعات باطلةٌ

(إِنَّ البَلِيَّةَ أَن تُباعَ وَتُشتَرى .. مِصرٌ وَما فيها وَأَلّا تَنطِقا)- شاعر النيل حافظ إبراهيم.
الأوكازيون المُقام الآن ببجاحةٍ على أصول مصر هو أقربُ للتجارة فى المسروقات مِنْه إلى البيوعات القانونية السليمة .. هذه البيوعات باطلةٌ وفقاً لكل القوانين المحلية والدولية العادلة، لأنها ممن لا يملك لمن لا يستحق .. والأَكَلَةُ التى تتداعى على قصعتنا تعلم أن الشعب المصرى المُكَّمَمَ لا علاقة له بهذه الديون التى يقتطعون من لحمنا الحِّى سداداً لها، وإنما هى نتاج قرارات وأفكار حُكْمٍ فردىٍ مُطلق، بعثر جبالاً من الديون والهِبات على مشروعاتٍ لم يستشِر فيها أحدا، بل استبعد كُلَّ من حذَّرَ من كوارثها وحبس الكثيرين منهم بتهمة تكدير السِلم العام ونشر أخبارٍ كاذبة! .. ثم إنَّ الشعبَ صاحبَ هذه الأصول لم يفوِّض أحداً لبيعها .. حتى من صوَّتوا للحاكم الفرد ذات يومٍ، فوَّضوه ليبنى لا ليبيع.
أَمَّا مصر فلا علاقةٌ لها بكل ذلك، فلا هى استُشِيرت ولا هى وافقت، ولا هى عَلِمَتْ أصلاً بما تم إبرامه من اتفاقاتٍ إلا فى حدود ما يُسَّرِبه الدائنون من معلومات .. مصر ليس لها علاقة بكل ذلك إلا الغُرم .. هى التى تتحمل وتكابد .. وقد رُهِنَت أحلامُ ثلاثة أجيالٍ قادمةٍ من أبنائها لسداد هذه الديون.
أما ما يُسَّمَى صندوق مصر السيادى، فوفقاً لللتصريحات الرسمية والقراءة المباشرة لقانون إنشائه هو أقربُ لأن يكون صندوقاً لبيع مصر (وقد قلتُ ذلك قبل اعتقالى) .. فكل الأصول المملوكة للدولة (وهى عبارةٌ فضفاضةٌ تتسع لكل ما على أرض مصر من ممتلكاتٍ) معروضةٌ للبيع والرهن والمقايضة من خلاله .. وهى أصولٌ لم يبنها الحُكم الحالى ولا حكوماته، وإنما بُنِيَت على مدى قرنٍ ونصف .. بدءاً من محاولات صغار الرأسماليين المصريين والمتمصرين بل وحكومات الاحتلال .. مروراً بالبَنَّاءَيْنِ العظيميْن طلعت حرب وجمال عبد الناصر .. انتهاءً بالمشروعات الناجحة لبعض أقطاب الرأسمالية الوطنية المُحاصَرين الآن بين فَكَّى القرارات العشوائية وابتزاز الدولة وإتاواتها.
ما يحدث يُدمى القلب، لكن اليأس جريمة .. وقد كان للمصريين تجربةٌ ناجحة فى التصدى للموجة السابقة، ففى عام ٢٠٠٧ انطلقت حركة (لا لبيع مصر) لوقف قطار البيع الذى دهس نصف شركات قطاع الأعمال وقتها وبدأ يزحف على البنوك .. لم يكن معظمنا ضد الخصخصة كأداةٍ اقتصادية ولكن ضد الاستخفاف بالمال العام والتصرف فيه دون موافقة أصحابه وفى غياب شفافيةٍ تكشف الفساد .. اتَّحد الفرقاءُ وتسامَى الجميعُ فوق خلافاتهم واختلافاتهم .. اشتركت جريدة الوفد (المنادية بآليات السوق) جنباً إلى جانب مع الأهالي (الاشتراكية) .. تصدرت الصفوفَ أسماءٌ كعبد الوهاب المسيرى وعزيز صدقى وجلال أمين وكل شرفاء مصر .. ولَم يُستدرَج أحدٌ إلى المعارك الجانبية الصغيرة .. وعندما سُئل المصرفي الوطنى الكبير على نجم (لماذا تعترض على بيع بنك القاهرة مع أنك لست ناصرياً؟) .. أجاب بحسمٍ وبساطة (ليس شرطاً أن تكون ناصرياً لتعترض على بيع البنوك الوطنية .. يكفى أن تكون مصرياً) .. كانوا كباراً.
أعرف أن الزمن غير الزمن .. والمصيبة أعظم .. والقمع أشد وأطغى .. والدستور والقانون فى إجازةٍ إجبارية .. والبرلمان كما تعلمون .. وعقلية البيع هى الحاكمة .. ومَنْ لم تَعِّز عليه تيران وصنافير لن يعِّز عليه مصنعٌ أو بنك أو مرفقٌ أو سدٌ أو قناة .. وأن (شيلوك) مُتَّعَجِلٌ لاقتطاع اللحم المصرى الشَهِّى .. والمحاربين القدامى انشغلوا بقتال بعضهم بعضاً وصار بأسهم بينهم شديداً .. وتم تدجين الاتحادات والمنظمات العمالية والمهنية .. وتخوين منظمات المجتمع المدنى وخنقُها .. ولا مجال لاستخدام أدوات المقاومة القديمة .. أعرفُ كلَّ ذلك .. ولكننى أعرف أيضاً أنَّ المقاومة واجبة (ولو فردية) .. فليقاطع كلٌ مِنَّا ما يستطيع من إنتاج أصولنا المسروقة، إلى أن نستردها ذات يومٍ (عسى أن يكون قريباً) .. حتى ما لن نفلح فى إنقاذه من تحت نَصلِ المقصلة، فإن الشعب الذى بَنَاه من قبل، قادرٌ على أن يبنيه مرةً أخرى إذا تَنَّفَسَ نسائمَ الحرية.
وأعرف أيضاً أن فى مصر أجيالاً شابةً تتشكل من رَحِم المعاناة .. لم تُصِبْها أمراضنا وعاهاتنا، وتَسخَرُ من صغائرنا .. ستفاجئ الجميع وهى تعزف لحن (لا لبيع مصر) .. ولكن بتوزيعٍ جديد وأدواتٍ جديدة .. وتعيد رَىَّ الشجرة الذابلة .. فمصر لا تموت.

شاهد أيضاً

إسرائيل تستخدم الفوسفور الأبيض في لبنان ومقتل جنديين يرفع قتلاها إلى 30

كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” وننشر مشاهد من استخدام إسرائيل الفوسفور الأبيض في لبنان ما يعزز الاتهامات …