تونس.. وثيقة قرطاج فوق سطح صفيح ساخن على وقع التعديل الوزاري والفساد!

 
 وثيقة قرطاج أصبح لا معنى لها وتم تجاوزها.. وثيقة قرطاج دخلت طي التاريخ…السلم الاجتماعي في خطر .. وثيقة قرطاج حولتها رئاستا الحكومة والجمهورية إلى مجرد إعلان نوايا غير مجدٍ.

تلك أبرز العناوين التي تختصر مواقف أغلب الأحزاب التونسية المعارضة من التعديل الوزاري الأخير والفساد الذي أحدث هزة في المشهد السياسي وأعاد شبح الأزمة بين الحكومة واتحاد الشغل، وأثار مخاوف عودة الانقسام السياسي في البلاد.
رئيس حزب الاتحاد الوطني الحر المعارض، سليم الرياحي، اعتبر أن وثيقة قرطاج «أصبحت بلا معنى، وتم تجاوزها»، مبينا أن حزبه كان أول حزب ينسحب من وثيقة قرطاج باعتبار أن صلاحيتها قد انتهت, مطالبا الاتحاد العام للشغل بتوضيح موقفه النهائي منها, كما دعا لإيجاد حلول حقيقية للأوضاع في البلاد، والخروج برؤية جديدة تشارك في صياغتها جميع الأطراف بما فيها الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية.

الحزب الاشتراكي وحزب العمل اللذان لم يوقعا على مبادرة رئيس الجمهورية الباجي السبسي المعروفة بوثيقة قرطاج، الخاصة بتشكيل حكومة وحدة وطنية، بمساندة المنظمات الوطنية والأحزاب الموقعة على الوثيقة يوم 13 يوليو 2016 اعتبرا أن الوثيقة دخلت طي التاريخ بسبب الانحراف الحاصل في أسلوب الحكم، وهيمنة الحزبين الرئيسيين على نظام الحكم وانفرادهما بتقرير مصير البلاد وتخلص الحكومة نهائيا من التزاماتها تجاه الأطراف الموقعة على الوثيقة.

وانتقد الحزبان في بيان مشترك أصدراه على خلفية إقالة عبيد البريكي؛ وزير الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري والحوكمة ما سمياه بـ «خضوع الحكومة بصورة صريحة لإملاءات صندوق النقد الدولي» بما ستقدم عليه من إجراءات التساهل في البنوك العمومية والمنشآت العامة وتسريح ما لا يقل عن 10 آلاف موظف عمومي وغلق باب الانتداب.

واستغربت حركة الشعب الآلية التي اعتمدها رئيس الحكومة في إجراء التعديل الوزاري, ورأت أن الرأي العام كان ينتظر مراجعة أشمل وأكثر عمقا لتركيبة الحكومة على خلفية ما يواجهها من فشل وتقصير في قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والنقل والمالية، ومصارحة الرأي العام بالأسباب الحقيقية التي دفعت وزير الوظيفة العمومية والحوكمة إلى إعلان عزمه على الاستقالة.

واعتبر الحزب أن رئيس الحكومة يوسف الشاهد أقدم على إجراء تعديل جزئي على فريقه الوزاري دون احترام الأسس التي قامت عليها حكومته، وخاصة وثيقة قرطاج التي حولتها رئاستا الحكومة والجمهورية إلى مجرد إعلان نوايا غير مجدية.

ضرورة التشاور والتنسيق

حالة الاستهجان من التعديل الوزاري لم تقتصر على أحزاب المعارضة بل امتدت أيضا إلى الأحزاب الشريكة في الحكم، فقد انتقد حزب “آفاق تونس” على لسان رئيسة كتلته في مجلس نواب الشعب ريم محجوب تصرف الحكومة, فالتعديل كان من المفترض أن يكون محل استشارة وأن لا يُبلّغ عبيد البريكي بخبر إقالته من وسائل الإعلام معتبرة أن هناك سوء تصرف. 
حركة النهضة وحزب نداء تونس؛ الحزبان الرئيسيان الحاكمان ضمن إطار سياسة التوافق كانت مواقفهما أقل حدة، فقد اجتمع وفدان عن الحركتين وأصدرا بيانا مشتركا حول أهمية التشاور والتنسيق بين حزبي النهضة والنداء ومأسسته من أجل دعم المسار وإنجاحه وتحقيق استحقاقات المرحلة.

وأكدا دعمهما لحكومة الوحدة الوطنية وذلك لحاجة البلاد والمرحلة إلى حكومة قوية، متماسكة ومسندة سياسيا بأوسع قاعدة سياسية ممكنة على أساس وثيقة قرطاج.

كما أكد الحزبان على الدور الهام للاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري في تعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي والاجتماعي باعتبارهم شركاء استراتيجيين ومساهمين فاعلين في صياغة وثيقة قرطاج وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية.

مواقف الحزبين بدت أقل عنفا من أحزاب المعارضة، فقد ذكرا في البيان المشترك أن من «حق رئيس الحكومة اختيار فريقه الحكومي في إطار التشاور والتنسيق مع الأطراف الموقعة على وثيقة قرطاج بما يدعم سياسة التوافق».

ودعيا الأطراف الموقعة على الوثيقة لمقابلة رئيس الجمهورية بصفته راعيا للاتفاقية لتجديد تعهّدها بدعم حكومة الوحدة الوطنية بما يزيد في تعزيز الثقة بنجاح المسار وتحقيق مطالب المرحلة.

وفي المقابل قال رئيس كتلة نداء تونس سفيان طوبال إنه لم تتم استشارة حزبه بخصوص التعديل الوزاري معتبرا أن التعديل من شأنه أن يخل بالتوازن والاستقرار الاجتماعي، في موقف يتجلى فيه بوضوح الانقسام الدائر في صلب حزب نداء تونس نفسه، فكأن هناك موقفين من التعديل لا موقف واحد.

أما حزب المبادرة الوطنية الدستورية؛ أحد الأحزاب الموقعة على الوثيقة والشريكة في الحكومة، فقد التقى بقيادات الاتحاد العام للشغل, وأدلى محمد الغرياني نائب رئيس الحزب بتصريح أكد فيه على الدور الوطني الذي يلعبه الاتحاد في هذه المرحلة، مبينا رؤية الحزب في التجاذبات التي يشهدها البلد هذه الأيام.

واعتبر الاتحاد العام التّونسي للشغل أن تعيين رجل أعمال على رأس وزارة الوظيفة العمومية خطوة استفزازية للموظفين وسعياً لضرب مكاسبهم، وتنفيذاً لرغبة جامحة للتفريط في المرفق العمومي، تلبية لتوصيات صندوق النقد الدولي.

وبذلك فإن الأحزاب التونسية قد توزعت على شقين، واحد يصر على أن تصرف رئيس الحكومة كان خاطئا لأن التعديل تم دون استشارة الأحزاب الشريكة في الحكم ولأنه تمت تسمية رجل أعمال وزيرا للوظيفة العمومية، وشق آخر متحفظ يحاول الإبقاء على شعرة معاوية مع الجميع.

وثيقة قرطاج

كانت الأحزاب والمنظمات الاجتماعية التونسية وضعت منذ نحو سنة ميثاقا أطلقت عليه اسم «وثيقة قرطاج»، تضمن من بين ما تضمن من أهداف، تشكيل «حكومة وحدة وطنية».

وحدَد “الميثاق” ستة محاور لكي تكون عناوين رئيسية لعمل الحكومة، وهي الانتصار في الحرب على الإرهاب وتسريع نسق التنمية ومكافحة الفساد والسيطرة على التوازنات المالية المُختلة ومتابعة تنفيذ السياسات الاجتماعية وإرساء سياسة خاصة بالمدن والجماعات المحلية واستكمال تركيز المؤسسات.

الموقعون على الوثيقة هم : الاتحاد العام التونسي للشغل (المنظمة النقابية الأكبر)، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (أرباب العمل)، والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري (المزارعين). كما وقعها أحزاب “النهضة”، و”نداء تونس″، و”مشروع تونس″، و”الاتحاد الوطني الحر”، و”آفاق تونس″، و”الجمهوري”، و”المسار الديمقراطي الاجتماعي”، و”الشعب”، و”المبادرة الوطنية الدستورية”.

تعديلات محدودة واستفزازية

كان رئيس الحكومة التونسية، قد أجرى تعديلاً وزارياً تم بمقتضاه تعيين أحمد عظوم، وزيراً للشؤون الدينية، وخليل الغرياني وزيراً للوظيفة العمومية والحوكمة، خلفاً لعبيد البريكي، وعبد اللطيف حمام، كاتب دولة مكلف بالتجارة خلفاً لفيصل الحفيان. وكانت الطريقة التي تم بها إعفاء البريكي واختيار الغرباني هي سبب الأزمة.

عبيد البريكي يكشف عن ملفات فساد

وكان عبيد البريكي؛ الوزير المقال من منصبه قد صرح بأن ملفات الفساد التي كانت بحوزته تعلقت بقطاعات الجمارك والملابس المستعملة والمرجان, وكشف خلال ندوة صحافية أنه تعرض لضغوط خلال عملية إصلاح الوظيفة العمومية, معلنا عن البعض من ملفات الفساد التي كانت بحوزته حين كان على رأس الوزارة.

وأشار إلى أنه اقترح على الحكومة تجميد الرمز الجمركي لبعض الموردين إلى حين تسوية وضعيتهم مع الجمارك، غير أن مقترحه لم يجد تفاعلا من قبل رئاسة الحكومة.

وبين أنه اقترح أيضا ترشيد الواردات التونسية بطريقة لا تتعارض مع اتفاقيات تونس الدولية من أجل وقف نزيف العجز التجاري.

كما كشف البريكي تلقي شخصية تونسية فاعلة خلال الأيام القليلة الماضية مبلغا ماليا يناهز 12 مليون دولار من دولة أجنبية دون محاسبتها أو فتح تحقيق في الغرض.

مبادرة حزب النهضة

راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة حث رئيس الحكومة يوسف الشاهد على المبادرة بدعوة الموقعين على وثيقة قرطاج، من أجل تجديد الالتزام بالوثيقة وتجسيدها والقيام بتقويم جاد لمحصول ستة أشهر من الأداء الحكومي ورسم معالم واضحة للأجندة الوطنية ومنها الاستحقاقات الأساسية مثل الانتخابات المحلية والجهوية وإصلاح الصناديق الاجتماعية.

وبحسب نص البيان فإنّ هذه المبادرة تأتي لمعالجة الآثار السلبية الناتجة عن التحوير (التعديل) الوزاري الجزئي الأخير.

ويتزامن مقترح الغنّوشي مع إعلان الحكومة، إلغاء وزارة الوظيفة العمومية والحوكمة وإلحاق الهياكل والمؤسسات التابعة لها برئاسة الحكومة.

الطريف أن الحكومة ألغت وزارة الوظيفة العمومية والحوكمة, لكنها لا تزال تواجه نتائج تصرفها.

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …