لماذا لا يرغب الحكام العرب في التأقلم مع تطورات العصر؟
سؤال يطرحه أكاديمي على الديكتاتوريين العرب بعد تأملٍ للواقع المأساوي الذي تعيشه الشعوب العربية التي أصبحت في أسفل سلم الترتيب بين الأمم، في التقارير الدولية حول الديمقراطية ومستوى انتشار الفساد وخرق حقوق المواطنين.
الأكاديمي المغربي د. حسين مجدوبي قدم مقترحا مفاده: هل يمكن أن نطلب من الحكام العرب قراءة كتب ومقالات في مختلف التخصصات؛ يطلعون عليها, ونرى لاحقا مفعولها الفكري عليهم؟ وهل خلقت لهم وعيا وأيقظت ضميرهم من السبات السياسي؟
تنطلق فكرة الأكاديمي المغربي من بديهيات العقود الأخيرة، والتي مفادها أن الحاكم العربي مرادف للفساد والطغيان والديكتاتورية، وسلب ممتلكات الشعب والتغني بشعارات الوطنية والبطولة في محاربة التدخلات الأجنبية التي تريد إلحاق الأذى بهذا البلد العربي أو ذاك.
هذه الأفكار التي يؤمن بها الحاكم العربي, ملكا كان أم رئيسا، أكثر من إيمانه بالمعتقد الديني، لا تدعو للغرابة، بل هي نتاج البيئة التي ترعرع فيها ويتنفس منها.
فمن جهة، فهو قدم الى الحكم على ظهر دبابة أو ورث المنصب باسم الدين والحق الإلهي.
ومن جهة أخرى، رؤية هذا الحاكم للشعب الذي يحكمه بالحديد والنار، هي نتاج ما تحرره له من تقارير, مختلفُ أجهزة الاستخبارات التي أنشأها، والتي تتعدى مجموع فرق دوري كرة القدم بمستوياته المختلفة!
ثقافة الحاكم العربي
ثقافة الحاكم العربي لا تتعدى نهارا قراءة التقارير التي يدبجها مديرو الاستخبارات، وهي تقارير لترضية الحاكم، تتحدث له عن امتنان الشعب له وتعلقه به، وعن أقلية مسيرة من الخارج تريد ضرب تاجه والاستحواذ على كرسيه.
ويقضي الليل يستمع إلى المداحين، مما جعل تاريخ الثقافة العربية على رأس الثقافات في إنتاج مدح الحاكم، قبل أن تنتقل الظاهرة إلى الأغاني الموسيقية.
الحاكم العربي كما يراه الاكاديمي المغربي مغتصب للسلطة قهرا، محتاج إلى جرعة ثقافية، يمكن تقسيمها الى قسمين، القسم الأول، نعطيه مجموعة من الكتب حول الفكر الديمقراطي لصون كرامة الشعب، وحول التسيير الشفاف، وفي ما يتعلق بحرية التعبير وكتب حول كيف تقدمت دول مثل السويد وفنلندا وألمانيا.
في الوقت ذاته، يقترح الأكاديمي المغربي نوعا آخر من الكتب قد يكون مؤلفات أو أشرطة حول مصير مختلف الحكام، خاصة الحاكم المنتخب وكيف تخلى عن السلطة بفضل صناديق الاقتراع، وهو ينهض صباحا، ويتمشى في الشارع ويسلم عليه الناس، ويعيش حياته بهدوء وكرامة، ثم ذلك الحاكم الذي مات مقتولا بعدما تخلت عنه تلك الجماهير التي كان يعتقد أنها تعبده، أو لجأ إلى دولة لا تجمعها اتفاقية تسليم المجرمين مع الدولة التي اغتصب سلطتها قهرا، خوفا من المحاكمة.
ولعل الأمثلة كثيرة في هذا الشأن، انظروا الاحترام الذي يتمتع به رؤساء حكومات أو ملوك ورؤساء دول مثل شمال أوروبا وسط شعوبهم، والاحتقار الصامت، وأحيانا العلني من طرف الشعوب العربية تجاه الكثير من حكامها, أو مصير البعض مثل الليبي معمر القذافي والتونسي زين العابدين بن علي ومبارك والشاويش صالح وغيرهم .
نسبة مهمة من الحكام العرب يعتقدون أن التاريخ سيخلدهم أبطالا جددا في مخيلة وذاكرة شعوبهم، أبطال من طينة يوسف بن تاشفين وصلاح الدين الأيوبي والأمير عبد القادر وآخرين!
لكن إطلالة على الكيفية التي احتفظ بها التاريخ للكثير من الحكام العرب منذ استقلال معظم الدول العربية في أواسط الخمسينيات حتى منتصف العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، يكشف لنا الواقع المر، فالتاريخ يخلد أغلبهم كقطاع طرق تركوا القانون جانبا وفرضوا شريعة الغاب، ونتحدث عن صنف الديكتاتوريين، وتكفينا استعادة أسماء الحكام العرب وأسماء أفراد عائلاتهم في الحسابات السرية في سويسرا سنة 2015 ووثائق بنما السنة الماضية.
ثلاثة كتب فقط
ويقترح الأكاديمي المغربي على الحكام العرب ثلاثة كتب لا غير لعل ضميرهم يستيقظ، واحد من ثقافتنا ومحيطنا، والآخر من الثقافة الغربية والآخر من أقدم الثقافات وهي الصينية.
الكتاب الأول وهو «فن الحرب» للعسكري والفيلسوف الصيني سان تزو، ولا نرمي من وراء هذا الكتاب الترويج للحرب، بقدر ما نرغب في الاستفادة من النظرة البعيدة لهذا الكتاب، الذي يعتبر مرجعا في كل الدراسات المتعلقة بالفكر الاستراتيجي حتى يومنا هذا، رغم أنه يعود الى القرن السادس قبل الميلاد، وهي نظرة تمنح أي بلد وأية أمة الأسس المتينة لمواجهة المستقبل، ابتداءً من ضمان الأمن الغذائي إلى هيمنة الأخلاق وسط المجتمع, وانتهاء بفرض هيبة الأمة وسط الأمم.
والكتاب الثاني هو «العقد الاجتماعي» للمفكر الفرنسي- السويسري جان جاك روسو الذي وضع أسس الحكم المثالي في مواجهة مشاكل المجتمع، وشكّل الكتاب مصدر التشريع السياسي والقانوني لمعظم الإصلاحات التي شهدها الغرب وبوأته قيادة العالم خلال القرون الأخيرة.
أما الكتاب الثالث، فهو من بيئتنا وثقافتنا وهو «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» لعبد الرحمن الكواكبي الذي ألفه في القرن التاسع عشر وشخّص فيه الأمراض السياسية التي تعرقل تطور العالم العربي والإسلامي، وهما الديكتاتورية والفساد، ويستمر منارة وبوصلة لكل حاكم أو هيئة سياسية ترغب في الاصلاح في وقتنا الراهن.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات