يعتقد كثير من المتابعين للأحداث التاريخية أن وقوع الحوادث في تواريخ معينة أمر مقصود ومخططٌ له, حتى لو بدا على غير ذلك. فاختيار يوم 5 يونيو مثلا لبدء حصار قطر, وهو يوم الهزيمة الكبرى التي لا تزال آثارها قائمة أمر ذو دلالة, كما أن اختيار يوم 12 سبتمبر أو 11 سبتمبر بتوقيت واشنط لشن حملة اعتقالات على الدعاة والإصلاحيين في السعودية غير بعيد عن ذكرى 11 سبتمبر وتفجيرات نيويورك.
كذلك الحال بالنسبة ليوم 17 سبتمبر؛ ففي ذلك اليوم تم إعدام المجاهد الليبي الشيخ عمر المختار عام 1931
وفي ذات اليوم تم إعدام عدنان مندريس عام 1961 على يد الانقلاب العسكري في تركيا, وهو الذي سعى جاهدًا لرد تركيا لهويتها الإسلامية,
وفي ذات اليوم عام 1978 كانت المعاهدة المشئومة المسماة بمعاهدة كامب ديفيد بين السادات ومناحم بيجن, وفي ذات اليوم عام 1982وقعت مذبحة صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في لبنان.
في ذلك اليوم, كان مخيما صبرا وشاتيلا (جنوب بيروت) على موعد مع مجزرة استمرت ثلاثة أيام وأوقعت المئات من المدنيين العزل شهداء؛ بينهم أطفال ونساء وشيوخ.
بدأت مجزرة صبرا وشاتيلا، بعد أن اجتاح لبنانَ, جيشُ الاحتلال الإسرائيلي، بقيادة وزير الحرب آنذاك؛ أرئيل شارون، ورئيس الأركان؛ رافائيل ايتان، وارتكبت بعيدًا عن وسائل الإعلام، واستخدمت فيها الأسلحة البيضاء وغيرها في عمليات التصفية لسكان المخيم.
وارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي والميليشيات المسيحية اللبنانية؛ المتمثلة بحزب الكتائب اللبناني وجيش لبنان الجنوبي، مجزرة قتل خلالها المسلحون – الذين تم نشرهم من قبل الاحتلال والجيش الجنوبي بزعم البحث عن مقاتلين فلسطينيين – النساء والأطفال، وانتشرت الجثث في شوارع المخيم؛ ثم دخلت الجرافات الإسرائيلية لجرف المخيم وهدم المنازل لإخفاء الجريمة.
سبق المجزرة حصار إسرائيلي لمخيمات اللجوء الفلسطينية، انتهى بضمانات دولية بحماية سكان المخيمات العزل بعد خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت، لكن الدول الضامنة لم تفِ بالتزاماتها وتركت الأبرياء يواجهون مصيرهم قتلًا وذبحًا وبقرًا للبطون.
المجزرة وقعت في مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين (جنوب بيروت) وحي صبرا اللبناني الفقير، بعد يومين من اغتيال الرئيس اللبناني المنتخَب بشير الجميل, وبدت كأنها انتقام لمقتل الجميل الذي كان زعيمًا للمليشيات اليمينية المتعاونة مع إسرائيل.
وجاءت المجزرة بعد يوم من اجتياح القوات الإسرائيلية بقيادة آرئيل شارون غرب بيروت وحصار المخيم الفلسطيني، بناءً على مزاعم بأن منظمة التحرير الفلسطينية التي كان مقاتلوها قد غادروا لبنان قبل أقل من شهر خلّفوا وراءهم نحو ثلاثة آلاف مقاتل في المخيم.
وقدرت المنظمات الإنسانية والدولية عدد الشهداء؛ ما بين3500 إلى 5000 شخص، من أصل 20 ألف نسمة كانوا يسكنون المخيم وقت حدوث المجزرة, وغالبية الشهداء من الفلسطينيين, وبينهم لبنانيون وعرب, ووفق شهادة الكاتب الأمريكي رالف شونمان أمام لجنة أوسلو في أكتوبر 1982 فإن الشهداء من 12 جنسية.
وكانت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، قد أسست عام 1949 مخيم شاتيلا بهدف إيواء المئات من اللاجئين الذين تدفقوا إليه من قرى عمقا، ومجد الكروم، والياجور في شمال فلسطين بعد نكبة عام 1948.
وفي تقريرها النهائي استنتجت لجنة التحقيق الإسرائيلية من مصادر لبنانية وإسرائيلية أن عدد القتلى بلغ ما بين 700 و800 نسمة، وفي تقرير إخباري لهيئة الإذاعة البريطانية BBC أشير إلى 800 قتيل في المذبحة.
وقدّرت “بيان نويهض الحوت” في كتابها (صبرا وشاتيلا- سبتمبر 1982)، عدد القتلى بـ 1300 نسمة على الأقل، حسب مقارنة بين 17 قائمة تفصل أسماء الضحايا ومصادر أخرى، مشيرة في ذات الكتاب إلى أن حوالي الـ 484 من الضحايا لا يزالون بحكم المخطوف والمفقود، ولم يعد أي منهم حتى الآن.
وأفاد الصحافي البريطاني روبرت فيسك، بأن أحد ضباط الميليشيا المارونية الذي رفض كشف هويته قال إن أفراد الميليشيا قتلوا 2000 فلسطيني.
أما الصحافي الإسرائيلي الفرنسي أمنون كابليوك، فقد قال في كتاب نشر عن المذبحة إن الصليب الأحمر جمع 3000 جثة، بينما جمع أفراد الميليشيا 2000 جثة إضافية؛ مما يشير إلى 5000 قتيل في المذبحة.
عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حنان عشراوي، قالت في بيان بمناسبة الذكرى الـ 35 للمجزرة، إن الشعب الفلسطيني لن يتراجع ولن يتوانى عن محاسبة الاحتلال ومحاكمته على جرائمه المتعاقبة والمتعددة ضد الإنسانية وحقوق الإنسان.
وأفادت بأن المجزرة لا تزال تشكل فصلًا مأساويًا في التاريخ الفلسطيني، فبعد مضي 35 عامًا ستبقى شاهدة على إرهاب إسرائيل وهمجيتها تجاه الشعب الفلسطيني بأسره.
وشددت عشراوي على ضرورة “ألا ينسى المجتمع الدولي معاناة أكثر من ستة ملايين لاجئ فلسطيني، والتي لم تحل بعد”.
وأردفت بأنه يجب على إسرائيل والولايات المتحدة أن تعملا على تحقيق العدالة الدولية للاجئين الفلسطينيين والتي نص عليها القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
ويعتقد المفكر والكاتب الأمريكي نعوم تشومسكي، أن الإدارة الأمريكية هي من تتحمل المسؤولية عن المجزرة لأنها أعطت الضوء الأخضر للمؤسسة الإسرائيلية باجتياح لبنان في العام 1982.
ورأى تشومسكي أن الولايات المتحدة غدرت” بالحكومة اللبنانية والفلسطينيين حين أعطت الطرفين ضمانات بسلامة الفلسطينيين بعد مغادرة الفدائيين بيروت، إلا أن القوات الأمريكية انسحبت قبل أسبوعين من انتهاء فترة تفويضها الأصلية بعد الإشراف على مغادرة مقاتلي منظمة التحرير، قبل أن توفر الحماية للسكان المدنيين.
وعلى إثر المجزرة أمرت الحكومة الإسرائيلية؛ في نوفمبر 1982، المحكمة العليا، بتشكيل لجنة تحقيق خاصة، وقرر رئيس المحكمة إسحاق كاهان، أن يرأس اللجنة بنفسه، وسميت “لجنة كاهان”، وأعلنت اللجنة في 7 فبراير عام 1983 نتائج البحث.
وأقرت بأن وزير الجيش الإسرائيلي؛ شارون، يتحمل مسؤولية غير مباشرة عن المذبحة إذ تجاهل إمكانية وقوعها ولم يسع للحيلولة دونها، كما انتقدت رئيس الوزراء مناحيم بيجن، ووزير الخارجية اسحق شامير، ورئيس أركان الجيش رفائيل ايتان وقادة المخابرات، موضحة أنهم لم يقوموا بما يكفي للحيلولة دون المذبحة أو لإيقافها حينما بدأت.
لكن لم يُتخذ أي إجراء بحق المجرم شارون، وكل ما حدث أنه استقال من منصب وزير الحرب ليعود بعد ذلك رئيسًا للحكومة ويواصل ارتكاب المجازر في الأراضي الفلسطينية.
وفي 24 يناير 2002؛ قتل الوزير اللبناني السابق إيلي حبيقة في انفجار سيارة ملغومة في ضاحية الحازمية في بيروت الشرقية، ورجح مراقبون وقتها أن اغتياله جاء بعد أن أبدى استعداده للإدلاء بشهادته أمام محكمة الجنايات الدولية حول مجزرة صبرا وشاتيلا، ورجحوا أن تكون الاستخبارات الإسرائيلية هي من قام بالاغتيال.
وكان حبيقة من أبرز قيادات حزب الكتائب اللبناني، ومن أبرز المتهمين في مجازر صبرا وشاتيلا؛ والتي نفذتها القوات اللبنانية؛ الجناح العسكري لحزب الكتائب.
وتصف الباحثة والكاتبة الفلسطينية، روزماري صايغ، مشاهد المذبحة التي عاينتها كالتالي: “كانت المناطق المستهدفة مزدحمة بالسكان المدنيين العائدين حديثًا من المناطق التي نزحوا إليها أثناء الحرب التي من المفترض أنها انتهت عمليًا، (…)، إلى جانب تنظيف شوارع المخيمات لتصبح جاهزة نوعاً ما لاستقبال الشتاء. لقد كان القلق يرتسم على وجوههم حول ما سيحمله لهم نظام بشير الجميّل الجديد، بالمقابل كان التصميم على إعادة البناء أقوى. شعر الناس ببعض الأمن لحقيقة أنهم غير مسلحين وبالتالي غير مستهدفين من قبل أحد، ولحقيقة أن جميع من بقي هم من المواطنين القانونيين، فقد كان العديد من ضحايا المجزرة يمسكون بوثائقهم الشخصية وكأنهم كانوا يحاولون إثبات قانونيتهم”.
وقالت: “إحدى فرق القوات الخاصة (اللبنانية) يقودها إيلي حبيقة دخلت إلى المنطقة من خلال تلال الرمال المطلّة على حي عرسان المقابلة لمركز القيادة الرئيس لقوات الجيش الإسرائيلي، (…)، فرقة أخرى دخلت من خلال الحدود الجنوبية الشرقية للحرش، ما بين مستشفى عكا وشارع أبو حسن سلامة، وبصرف النظر عن التخطيط المشترك للعملية ودخول القوات الخاصة للمنطقة، فقد قامت قوات الجيش الإسرائيلي بتوفير العديد من أنواع الإسناد والعتاد والمؤونة اللازمة للعملية، حيث تحكمت بمحيط المنطقة ومنعت أي إنسان من الهرب خارج المخيمات وذلك عن طريق إضاءة سماء المنطقة لكشف الأزقة والشوارع وقنص كل من يحاول الهروب وإحكام إغلاق جميع مخارج ومداخل المنطقة، وعندما أعطت إسرائيل أوامر الانسحاب للقوات الخاصة اللبنانية بعد يومين من أعمال القتل والذبح (18 سبتمبر 1982) كان المخيمان قد دمرا عن بكرة أبيهما على رؤوس اللاجئين فيهما (…)، تم ذبح وقتل واغتصاب الآلاف من اللاجئين واختفاء آلاف أخرين”.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات