يمكن تحديد سيناريوهات الأزمة الخليجية في ثلاثة سيناريوهات نتناول اثنين منهما في هذه الحلقة:
1- السيناريو الكارثي:
ويتمثل في استمرار تعقيد الأزمة بشكل يدفع كل طرف نحو مزيد من الإجراءات العقابية للطرف الآخر، وصولاً لمرحلة المواجهة العسكرية لا سيّما أن 20% من مبيعات السلاح في العالم ذهبت سنة 2015–2016 إلى دول مجلس التعاون الخليجي، وتضاعف حجم مشتريات السلاح الخليجي خلال الفترة من 2011–2016 .
هذا السيناريو سيؤدي لخسائر مادية تجعل استمرار الدعم المادي لفلسطين يتراجع بقدر كبير من ناحية، كما سيلقي بظلال قاتمة للغاية على أولوية القضية الفلسطينية في نشاط الدبلوماسية العربية. غير أن أسوأ تطور في هذا السيناريو أن تستثمر “إسرائيل” حالة الحرب هذه من خلال تنافس الأطراف الخليجية المتصارعة على استرضاء “إسرائيل” كجسر لتوظيف اللوبي اليهودي في الدوائر الأمريكية لجر الموقف الأمريكي لصالح هذا الطرف أو ذاك. وسيكون ذلك مدخلاً لـ”إسرائيل” لتطبيع العلاقة مع دول عربية أكبر، خصوصاً أن هناك توجهاً إسرائيلياً متزايداً نحو تسويةٍ تقوم على أساس أولوية التطبيع العربي بأوسع قدر ممكن مع “إسرائيل” على حساب أولوية تسوية الموضوع الفلسطيني. إذ تبدو “إسرائيل” على ثقة من أن مكانة القضية الفلسطينية تراجعت في “الوجدان والحساب العقلي” السياسي لدى شريحة واسعة من المجتمع العربي، وعليه فهي ترى أن الباب أصبح أكثر قابلية لتوسيع ظهورها في العواصم العربية, وهو ما يعني أنها ستجعل التفاوض على التطبيع معها يسبق تحديد ماهية التسوية الفلسطينية، وبالتالي تحقيق المزيد من الخلل في موازين القوى بين الطرف الفلسطيني والإسرائيلي، مما يعني الاستمرار في تهويد الضفة الغربية وحلّ الصراع لاحقاً على حساب الجوار العربي.
معوقات حدوث هذا السيناريو:
يبدو أن احتمال سيناريو الحرب ما زال ضعيفاً، ولا أحد يستطيع تقديم إجابة قطعية بأن الحرب ستشتعل أو لا، فقد يغير حدثٌ ما وغير متوقع أو طارئ المسارات كلها (مثل حدوث صراع على السلطة في إحدى دول الحصار لقطر). لذا فإن الإجابة عن احتمال اشتعال الحرب يبقى ضمن نظرية الاحتمالات “العقلانية”، وما زال المشهد الخليجي يشي بأن احتمالات إعلان الحرب على قطر ما تزال ضعيفة ومستبعدة, وقد تأخذ طابع ما يسمى “ديبلوماسية عرض العضلات” مثل إرسال القوات من قبل دول الحصار قريباً من حدود قطر، أو إرسال المزيد من القوات التركية لقطر، أو القيام بمناورات حربية على الحدود أو قبالة الشواطئ القطرية، أو خرق المجال الجوي لقطر؛ دون الوصول لمرحلة الغزو العسكري الذي يبدو مستبعداً للأسباب التالية:
أ- عدم وجود رغبة جدية لدى دول الحصار بالذهاب إلى سيناريو الحرب، كما يظهر من السلوك السياسي والميداني لهذه الدول.
ب- أسعار البترول: إذا نشبت الحرب فإن حركة النقل في منطقة الخليج ستتوقف بشكل كامل طيلة فترة الحرب، فإذا علمنا أن الخليج يقدم نحو 24 مليون برميل يومياً وهو ما يعادل 30% من الناتج العالمي تقريباً، فإن اشتعال الحرب سيرفع أسعار البترول بشكل يجعل المستفيد الأول منه روسيا وإيران وفنزويلا، وهي دول لا يبدو أن الدول الغربية حريصة على تنامي اقتصادها، ناهيك عن أن ذلك سيكلف أوروبا الكثير، فالنفط ومشتقاته يمثل 78,2% من الواردات الأوروبية من الخليج، كما أن تعطل حركة التجارة سيضر أوروبا التي يصل حجم تبادلها التجاري مع دول مجلس التعاون قرابة 138,6 مليار دولار، ويمكن تطبيق النظرة نفسها على الصين والهند واليابان، حيث تشكل أوروبا والصين والهند واليابان 49,5 % من إجمالي تجارة الخليج.
ج- المخاطر على الأجانب والاستثمارات الأجنبية في دول الخليج: يشكل الأجانب نحو 48% من سكان الخليج الذي يصل إجمالي عددهم (مواطنين وأجانب) قرابة 51 مليون نسمة، فإذا علمنا أن 90% من سكان قطر هم من الأجانب فإن المخاطرة على حياة هؤلاء ستكون عالية.
أما الاستثمارات الأجنبية (وأغلبها من أوروبا وأمريكا) فعلى الرغم من تراجع وتيرة الاستثمار الأجنبي من نحو 58 مليار دولار سنة 2008 إلى أقل من 25 مليار سنة 2016، فإن الحرب تعني تعريض هذه الاستثمارات للخطر، وهو ما لا تقبله الدول المالكة لهذه الاستثمارات.
د- وجود القواعد الأمريكية أو القوات الأمريكية لدى طرفي الصراع (قرابة 35 ألف عسكري أمريكي في دول مجلس التعاون) سيضع هذه القوات في موقف حرج، فإذا تدخلت في الصراع فذلك يعني تدخلاً متعاكساً، وإذا لم تتدخل للدفاع عن مناطق وجودها وخصوصاً في قطر، فقدت قيمتها للدولة الحاضنة لها. ففي التدخل خسارة أمريكية وفي عدم التدخل خسارة أخرى، وهو ما ينطبق على بقية الدول التي لها وجود عسكري في الخليج مثل بريطانيا وفرنسا بشكل خاص.
هـ- الحرب الخليجية تعني مكاسب استراتيجية لإيران تتمثل في إضعاف دول الخليج، ودفع بعض الأطراف الخليجية للاستعانة بها في المواجهة سواء للدعم اللوجيستي أم لغيره طبقاً لتطورات المعركة، وهو أمر ليس في صالح الدول الغربية ولا دول المجلس في ضوء مواقفها من إيران، فليس من مصلحة الولايات المتحدة تحطيم حلفائها في ظلّ ظروف كتلك القائمة في الخليج.
و- الحرب في الخليج تعني صرف الأنظار عن الأزمة السورية وهو ما يضر باستراتيجية دول الخليج، لا سيما السعودية التي تسعى لتغيير النظام في سورية.
2- السيناريو الدبلوماسي:
ويعني استمرار الجهود الدبلوماسية الأمريكية تحديداً، مضافاً لها الجهود العربية والأوروبية وغيرها، بهدف الوصول لتسوية يحقق كل طرف فيها قدراً من المكاسب، تتوازى مع موازين القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية من ناحية، ولا تهدر ماء وجه أيّ منهما. ولا شكّ أن هذا السيناريو هو الأنسب للطرف الفلسطيني لأنه يقلص من الآثار الكارثية للسيناريو الأول، لكن ذلك لا يعني “نجاة” القضية الفلسطينية من بعض الخسائر من تداعيات الأزمة الخليجية في هذا السيناريو، مثل:
أ- ربما ستكون السنوات القادمة هي الفترة الأكثر عسراً للحركات الإسلامية ولا سيّما الإخوان المسلمين، نظراً لأربعة عوامل رئيسية هي: فقدان هذه الحركة لأي سند إقليمي فاعل في مواجهة الضغوط عليها، فهذه الحركات- خصوصاً الإخوان – لم تعد قادرة على توظيف التناقضات العربية لصالحها، على غرار ما كان عليه الحال في الفترة الناصرية أو ما بعدها، نظراً لتضييق مجال المناورة السياسية عليها. كما أن عدداً من التنظيمات الإسلامية المسلحة المشاركة في الحراك العربي منذ 2010 وحتى الآن شوهت صورة “الجهاد” وجعلته أقل جاذبية جماهيرية، وخصوصاً تناحراتها الداخلية، وهَوَجِ عملياتها الخارجية والداخلية. يضاف لذلك الخناق الدولي عليها وطبيعة التطور الإنساني في مشهده العام. وأخيراً عداءُ المؤسسات العسكرية العربية للتيارات الإسلامية، ولا شكّ أن بيئة كهذه لن تكون مواتية للتنظيمات الفلسطينية ذات الصبغة الإسلامية خصوصاً حركتي حماس والجهاد الإسلامي.
ب- من الواضح أن تصنيف الحركات الجهادية (إرهابية أو غير إرهابية) اتسع بشكل عام من نطاق الحركات الإسلامية العربية ليمتد نحو الحركات الإسلامية الفلسطينية، وهو أمر سعت له “إسرائيل” والولايات المتحدة وبريطانيا منذ بدء الحديث عن قوائم الحركات الإرهابية. وشكل اصطفاف السعودية والإمارات بشكل خاص مع فكرة دمج حركة حماس ضمن قوائم الإرهاب أحد أسوأ التطورات المعاصرة في الموقف العربي من الموضوع الفلسطيني، ويبدو أن حذف اسم حماس أو أيٍ من أسماء شخصيات فلسطينية مقاومة للاحتلال الإسرائيلي من القائمة الأخيرة (قائمة الـ 59) التي أعلنتها دول الحصار، جاء نتيجة مسعى مصري أكثر منه توجهاً خليجياً، نظراً لملابسات كثيرة في العلاقات المصرية الفلسطينية، خصوصاً بروز بوادر على رتق بعض الفتق في العلاقات المصرية مع حماس.
ج- وضعت الأزمة الخليجية صناع القرار الفلسطيني – خصوصاً تنظيمات المقاومة المسلحة – في مأزق يتمثل في جعلها أمام خيار العلاقة مع إيران أو العلاقة مع دول الخليج، ولعل الدعم المالي القطري، وبعض الدعم الشعبي من دول الخليج الأخرى، والدعم الإيراني المادي والمعنوي هما الرافدان الأكثر أهمية لحركات المقاومة الفلسطينية، وخسارة أي منهما يمثل مزيداً من الضغط المادي والمعنوي على المقاومة المسلحة من ناحية وعلى جمهورها الفلسطيني، الذي يعاني من سياسات التضييق الإسرائيلية، وسياسات القضم المادي التدريجي للسلطة الفلسطينية في رام الله من ناحية ثانية.
ويبدو من المعطيات الأولى أن الطرف الفلسطيني سيعرف خلال الفترة القادمة قدراً أكبر من التضييق المالي خصوصاً في ظلّ الضغوط العربية والأمريكية (لا سيّما دور جناح الرئيس الأمريكي والبيت الأبيض مقارنة بتوجهات الخارجية الأمريكية) وبعض الدول الأوروبية. وقد يكون مطلب مدّ نفوذ السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة وتعميم التنسيق الأمني من الضفة للقطاع هو الهدف المركزي المباشر لكل هذه الضغوط. ويبدو أن قدرة إيران في المرحلة القادمة على تجاوز أسوار الحصار العربي والدولي لتنظيمات المقاومة ستكون أضعف من المراحل السابقة، لأسباب دولية وإقليمية وداخلية إيرانية. فإيران تتنازعها في الأزمة الخليجية الحالية رغبتان: الأولى تعميق العلاقة الإيرانية القطرية بهدف تحقيق ضغط أكبر على السعودية، والثانية توظيف العلاقة الإيرانية القطرية في حال تطورها في تعديل الموقف القطري في سورية… ويبدو أن إيران معنية في الظرف الحالي بالرغبة الأولى بشكل أكبر… لكنها ستعمل في مرحلة لاحقة بعد نجاحها في الرغبة الأولى على توظيفها في تحقيق الثانية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات