أعلام الشواذ جنسيًا في مدينة الألف مئذنة!

استنكر عباس شومان، وكيل الأزهر الشريف بمصر، الإثنين الماضي، رفع أعلام الشواذ جنسيا, أو من يسميهم البعض المثليين في حفل بالقاهرة، وطالب بمحاسبة المسؤولين عن الواقعة، بعدما ثبت أن منتهجي ذلك السلوك الشاذ ما عادوا يقبلون بممارسته سرا، إنهم يريدون التعبير عن فخرهم به والترويج له، ورفعهم علما له وكتابة شعاراته على جدران شوارع سار فيها علماء الإسلام قديما.

جاءت تصريحات شومان عبر صفحته الرسمية بموقع فيسبوك تعقيبًا على رفع جمهور فرقة مشروع ليلي اللبنانية، الجمعة الماضية، أعلام الشواذ، خلال حفل أقيم بمنطقة التجمع الخامس (شرقي القاهرة).

الواقعة أثارت جدلاً واسعًا بمصر خلال الأيام الماضية، وقال شومان إن رفع راية الشواذ في بلد الأزهر عار، وما حدث يجب ألا يمر مرور الكرام، واعتبر ما حدث اعتداء على الشرائع السماوية والأعراف الإنسانية السوية.

وكيل الأزهر طالب بأن يحاسب جميع من شارك في رفع أعلام الشواذ ومن سمح به، ومنع تكراره مستقبلاً، وشدد على لأن هذه جريمة إرهاب أخلاقية، لا تقل بحال من الأحوال عن الجرائم الإرهابية الدموية (..) ولن يجد هؤلاء مأوى لهم ولا رواجًا لأفكارهم في أي موضع في مصر.

ومساء الإثنين، قبضت الشرطة المصرية، وفق بيان أمني، على سبعة أشخاص (لم تحدد أسماءهم) متهمين بـ”رفع أعلام المثليين، والتحريض على الفجور، والترويج للشذوذ الجنسي، خلال الحفل الغنائي المذكور، فيما أحال النائب العام الواقعة للتحقيق، ولم يتسن الحصول على تعقيب فوري من المتهمين السبعة، أو محامين عنهم، فيما نُسب إليهم من اتهامات.

وهاجم إعلاميون مصريون وبرلمانيون بارزون الفرقة اللبنانية، لطالما أصر أصحابها إثبات أنهم موجودون «بكل فخر» في بلد “الألف مئذنة”، على الرغم من تحريم الإسلام ذلك السلوك واعتباره كبيرة من الكبائر.

مجرد صدفة؟

كما قررت نقابة المهن الموسيقية بمصر، بحسب تصريحات لرضا رجب، وكيل النقابة، منع إقامة حفلات لفرقة الغناء اللبنانية “مشروع ليلى” بالبلاد، على إثر الواقعة.

تصريحات «رجب»، أظهرت الأمر كأنه مجرد مصادفة، وأن أحدا لم يكن يعرف أن هذه الفرقة جمهورها من المثليين، فهل كان الأمر حقا مجرد مصادفة؟

الواقع أن هذه لم تكن المرة الأولى التي تحضر فيها فرقة «مشروع ليلى» إلى القاهرة، كما أنها ليست المرة الأولى التي تحدث جدلا واسعا، ففرقة موسيقى الروك اللبنانية، المكونة من خمسة أعضاء سبق أن أثارت جدلا واسعا بالقاهرة في عام 2013، ولاقت هجوما لاذعا عندما ظهر أعضاؤها كضيوف في برنامج «البرنامج» الذي يقدمه الإعلامي «باسم يوسف»، لاتهامات مست أيضا مقدم البرنامج بالترويج للمثلية الجنسية، الأمر الذي نفاه، مشيرًا إلى أنه مسؤول عن عرض فنهم فقط وليست لديه علاقة بفكرهم.

وتعرض الفريق للهجوم الشديد مرة أخرى، بعد حفلهم في حديقة الأزهر عام 2014، وذلك بسبب مزاح قائدها «حامد سنو» مع الجمهور وتلفظه بلفظ خارج، إضافة الى رفع العلم الخاص بالمثليين ليدافع عن هويته، الأمر الذي عرضهم لهجوم عنيف، والمطالبة بمنعهم من الغناء في مصر مرة أخرى، إلا أنهم عادوا من جديد.

«سنو» سبق أن أحدث غضبًا في الوطن العربي بإعلانه عن مثليته الجنسية، بالرغم من انتمائه لعائلة مسلمة، الأمر الذي قابله الجمهور بالهجوم الشديد والرفض، ليرد مؤكدًا لموقفه ومتفاخرا بمثليته قائلا: «عندما تكون عند تقاطع هويتين يتم السخرية منهما على حد سواء، وعندها تشعر أيضا كأنه تم استبعادك من الجانبين، فهذا أمر رهيب».

وفي حوار سابق أجراه «سنو» مع شبكة «CNN» في عام 2013، قال: «لقد تسببت موسيقانا في إثارة غضب الكثير من الأشخاص لعدة أسباب، فالصراحة وعدم فرض رقابة في التعبير عن نظرتنا للعالم، أزعج البعض، خاصة فيما يتعلق بأسلوبنا الصريح في طرح المواضيع الجنسية، ولن نتراجع عن طرقنا».

وفي أبريل 2016، صدر قرار أردني بوقف حفل غنائي كان مقررا أن تؤديه فرقة «مشروع ليلى» الغنائية على المدرج الروماني هناك، لأن الحفل يتعارض مع القيم الأردنية.

وتشكلت فرقة «مشروع ليلى»، من خلال ورشة عمل أقيمت في الجامعة الأمريكية ببيروت عام 2008، وانطلقت خلال مهرجان الموسيقى، وهو حدث لبناني سنوي تنظمه بلدية بيروت، ما أثار الجدل حول الكلمات الجريئة للأغاني والناقدة للمجتمع اللبناني، التي تتناول أيضا مواضيع الفشل في الحب والجنس والسياسة.

وظهر علم «قوس قزح» لأول مرة في الولايات المتحدة عام 1978، خلال ما أطلق عليه «مسيرة الفخر» في سان فرانسيسكو، ليتخذ بعد ذلك تقليدا في المسيرات الخاصة بالمثليين في بلاد العالم، وترمز ألوانه للمساواة والتعايش ودعم المثليين ضد الرفض المجتمعي حسب زعمهم.

ترتيبات مسبقة

وخلال الحفل المثير للجدل رفع شباب مثليون الأعلام التي تدل على ميولهم الجنسية في مكان بارز قرب منصة الحفل الذي حضره نحو 30 ألف شخص، وطوال مدة الحفل الذي أقيم في «كايرو فيستفال سيتي» (وهو مشروع استثماري إماراتي شرقي القاهرة يضم عددا كبيرا من المحلات التجارية العالمية)، لم يعترض أحد من المنظمين أو الحضور، وهو ما اعتبرته صفحة المثليين العرب دليلا على «مجتمع متقبل للجميع».

ومن جانبه، كشف الإعلامي محمد الغيطي في برنامج على قناة «LTC» عن ترتيبات مسبقة لذلك الحفل، حيث تداعت جماعات المثليين جنسيا من عدد من البلدان لحضور الحفل ونقلتهم طائرات خاصة، وقال الغيطي»: لشواذ في مصر اتجمعوا في هذا الحفل ورفعوا العلم بتاعهم ورفعوا حاجات تانية.. هؤلاء قوم لوط في مصر في كايرو فيستيفال. حاولت أدور من المسؤول عن الفرقة دي.. المنظر ده وطائرات مخصوص تيجي عشان الحفلة دي هيا دي بلد الأزهر؟».

وتوالت ردود فعل الإعلاميين الرافضين بمجاهرة الشواذ العلنية بأعلامهم؛ إذ انفعل الإعلامي سيد علي بعد الواقعة قائلا: «فيه ناس مخنثة بتقول إن دي حرية شخصية وإن الشذوذ حرية!..  كلام سخيف جدا.. قوم لوط ربنا خسف بهم الأرض».

كما رفض الإعلامي عمرو أديب، هذه الظاهرة، وقال في برنامجه «كل يوم»: «انت عايز المجتمع يبقى بسطرمة؟.. اللي حصل أن دول رفعوا علمهم.. المثليين هيشتموني كأن كمان مفروض مانفتحش بقنا! كده كتير وكده زيادة » .

وقال الكاتب محمد الدسوقي على قناة «النهار»، إن هناك حالة من الإرهاب الفكري من بعض النشطاء ودعاة التحرر لمن ينتقد رفع علم الشواذ جنسيا في سماء القاهرة، مضيفا أن نشر هذا الأمر أمام عامة الناس تبقى جريمة وقلة أدب.

الشواذ في مصر

ولا توجد إحصاءات رسمية لعدد الشواذ في مصر، لكن اختصاصية الطب الجنسي؛ د. هبة قطب سبق أن قدرت عددهم بما يتراوح بين 10% إلى 12% من التعداد السكاني المصري (91 مليون نسمة بحسب تقديرات رسمية)، وقالت إن تقديراتها بناءً على بيانات حديثة من الولايات المتحدة لم تذكر مصدرها.

لكن أطباء نفسيين وعلماء اجتماع آخرين أشاروا إلى أن هذا الرقم غير صحيح، ووفقا لتقديراتهم فإن نسبة الشواذ والشاذات 1.6% من المواطنين.

ويجب على هؤلاء التفريق بين الشذوذ باعتباره ميلا دائما, وبين اللجوء للشذوذ لتلبية الرغبة الجنسية مؤقتا, باعتباره أقل تكلفة وأيسر من الزنا عند بعض التجمعات الشبابية والعمال المغتربين وغيرهم.

ووفقًا لمسح أجراه مركز «بيو» الأمريكي للدراسات عام 2013، فإن 95% من المصريين يعتقدون بأن المثلية الجنسية لا ينبغي أن تقبل في المجتمع.

وللشواذ في مصر تاريخ من المشادات مع السلطات الرسمية، ففي عام 1999، أوقفت الحكومة أداء مسرحية «ماهر صبري» التي كانت تشرح رُهاب المثلية، بعد عروض قليلة، ولاحقًا أخرج فيلم مستقل أثار جدلاً باسم «طول عمري” .

وفي عام 2000، ألقت الشرطة القبض على رجلين ووجهت لهما تهمة «انتهاك الشرف» و«ممارسة سلوك غير أخلاقي، وغير لائق»، وطالب محاميهما بإسقاط التهم الموجهة لموكليه كون المثلية الجنسية ليست جريمة، لكن القاضي استند إلى أن الرجلين في الواقع قد أهانا المعايير الأخلاقية والدينية.

في غضون عام بعد هذه الواقعة، داهمت قوات الشرطة حفلا أقيم بالقاهرة، وألقت القبض على 52 شاذا مصريا، ووجهت لهم اتهامات بانتهاك قانون الأخلاق العامة، وصدر حكم بالسجن مع الأشغال الشاقة بحق 23 من المُدّعى عليهم، في حين تم تبرِئة ساحة الآخرين.

وفي عام 2009، حظرت السلطات صحيفة «البلاغ الجديد» الأسبوعية، وسجنت اثنين من الصحفيين لنشرهما مقالات إخبارية اتهمت فيها شواذ مصريين مشاهير ضمنهم «نور الشريف»، و«خالد أبو النجا»، و«حمدي الوزير» بالتورط في شبكة دعارة لمثليي الجنس ورشوة موظفي الدولة للتغطية على أعمالهم.

وفي نوفمبر 2014، حُكم على 8 رجال بالسجن لثلاث سنوات بتهم نشر صور غير لائقة، بعد تداول فيديو لحفل زواج مثلي.

ولا يتضمن القانون المصري أي مواد تجرم العلاقات الجنسية المثلية، غير أن القضاء سبق له أن عاقب شواذ في بعض الحالات وفقا لقوانين «الدعارة» و«انتهاك الشرف»، و«ممارسة سلوك غير أخلاقي»، وهي قضايا تصل عقوبتها إلى السجن 3 سنوات.

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …