لماذا تحجب المخابرات المصرية تفاصيل المصالحة الفلسطينية عن الأردن؟

حالة من الاستياء لدى الأردن، جراء حجب مصر تفاصيل ملف المصالحة الفلسطينية التي تجري بوساطة القاهرة بين حركتي «حماس» و«فتح» عن عمان.

هذا ما نقلته صحيفة «القدس العربي»، في تقرير لها، اليوم الثلاثاء، وقالت إن «المخابرات المصرية تحجب المعطيات التشاورية والمعلوماتية تمامًا، عن الشريك الأردني»، وهو سلوك يمارسه أيضًا الرئيس الفلسطيني محمود عباس عندما يتعلق الأمر بملف المصالحة في قطاع غزة.

وأكدت الصحيفة، أن الحكومة الاردنية خارج السياق والاتصال والخدمة وخارج التفاهمات والترتيبات، الأمر الذي يلاحظه ساسة أساسيون يتحدثون عن نقص مريب في هوامش المناورة والمبادرة أمام اللاعب الأردني في ساحة الملف الفلسطيني.

وعملية حجب المعلومات عن ملف المصالحة سلوك مصري يحتاج إلى قراءة وتأمل وتفسير، خصوصًا أنه ينتقص عمليًا من الدور الإقليمي التاريخي للأردن في معادلة القضية الفلسطينية، وفق الصحيفة.

وترى الصحيفة، أن عبد الفتاح السيسي رئيس سلطة الانقلاب العسكري في مصر نجح في استقطاب قادة حركة «حماس» فيما وصفته بـ«كمين الأزمة»، عبر صفقة شاملة دعمتها أبوظبي من خلف الستار، وتجاوبت معها, مضطرة, السلطة الفلسطينية من دون أن يبرز أي دور لعمّان.

وحمّل التقرير، القيادة الأردنية المسؤولية عن هذا التراجع، مشيرا إلى أن خالد مشعل، الرئيس السابق للمكتب السياسي لحماس التقط مبكراً ما هو جوهري في هذه المسألة، عندما حذر من أن سياسات الأردن تجاه الحركة، القائمة على القطيعة التامة، لم تكن مبررة، لكن الأردن تجاهل هذا النداء.

بطريقة غريبة نجح المصريون في تبديل الملف، وبعد التشدد الكبير الذي أعقب الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، عام 2013، حصل انفتاح أكبر بين المخابرات المصرية وحماس، كانت نتيجته مظاهر إنهاء الانقسام والمصالحة في القطاع.

ويرى مراقبون، أن تقديم الحركة تنازلات لمصلحة مصر، تنميط مبرمج لخريطة وبوصلة الوضع الإقليمي بعد المستجدات الأخيرة وعلى أساس قراءة واقعية للتطورات الإقليمية، بما فيها الملف السوري والروسي والدور التركي وحصار قطر، وهو تعبير استعمله زعيم حماس في قطاع غزة؛ يحيي السنوار، عندما أبلغ ضباط الأمن المصريين أن لديه شخصياً التفويض الكامل من أجنحة حماس العسكرية بتثبيت ملف المصالحة والتنسيق مع مصر.

وكانت حماس أعلنت حل لجنتها الإدارية في غزة، وتسليم إدارة القطاع للحكومة الفلسطينية، في خطوة جادة لجمع شمل الفصائل الفلسطينية، والوصول إلى مصالحة شاملة تتضمن تشكيل حكومة وحدة وإجراء انتخابات عامة.

وتقول “القدس العربي” إن حماس نجحت أو في طريقها للنجاح لإنتاج تصور ينتهي بإخلاء المسؤولية في القطاع لمصلحة سلطة رام الله، الأمر الذي يتيح لها استراحة ووقفة مع الذات.

وتابعت: «تفاهمات حماس مع المخابرات المصرية تمت أيضاً بغطاء تركي أو عدم اعتراض من تركيا»، بدليل أن القيادي المطلوب بقوة للإسرائيليين؛ صالح العاروري, حضر جانباً مهماً من تنسيقات القاهرة، بعد ضمانات أمنية قدمها المصريون، كذلك الأمر بالنسبة للقيادي المطلوب لإسرائيل، الذي يقيم اليوم في القاهرة بصفة شبه دائمة؛ روحي مشتهى، وهؤلاء جميعا امتنعت عمّان عن الترحيب بهم طوال سنوات.

 

أسئلة مشروعة

أسئلة كبيرة مشروعة أمام التحوّل الذي اختطته حركة حماس، في قرارها السياسي الأخير بقبول التخلي الكلّي، عن السلطة الإدارية في غزّة وتسليمها للسلطة الفلسطينية، وهي أسئلة لا يجوز أن ترفعها من قائمة النقد، خاصة أن قرارات الانعطاف مستمرة، بما فيها احتمال العودة إلى دمشق وافتتاح مكتبها هناك.

ويحاوول مهنا الحبيل مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي باسطنبول الربط بين حالة حماس وحال الثورة السورية فيقول إن مرحلة التيه التي دخلتها الثورة السورية، لا تلغي المسؤولية التي تتحملها فصائل الثورة وأصدقاوها، وتشظيها السياسي، حتى باتت كممثليات متعددة التوجه بحسب الدعم المادي.

الآن الثورة تتصفّى عبر النظام داخلياً، ثانياً حقيبة التوافق الدولي والإقليمي، الذي باتت تتعامل معها كل الأطراف بما فيها الحليف الإنساني لثورة سوريا وهي تركيا، أي أن التعامل الآن بات واضحاً لما بعد الثورة، وليس مع الثورة.

وهو يتزامن مع الحصار الأخير للائتلاف الوطني السوري، وإدخاله في خيمة موحدة مع منصة موسكو، والغرض من الطرف العربي، هو مجرد التخلص من عبء الثورة وليس أي حل تعتمد موازينه على الأرض، كما هو المعتاد في ختام الثورات، ويكفي الاطلاع على خريطة النفوذ، والانسحاب الكبير للثورة من جغرافية سوريا، أمام النظام وجهات التوظيف العديدة المؤقتة، لإدراك عمق الأزمة.

هنا يبدو خيط رفيع للفهم، ما بين أزمة حماس وأزمة الثورة السورية، وهو أن حماس التي حتى اليوم لا يمكن قياس حصيلة كفاحها الأخير المخلص بدقة، منذ قرارها الأول مواجهة الأمن الوقائي، وخاصةً حين قرر دحلان مدعوماً من السلطة ومن إسرائيل نقض بنية المقاومة الفلسطينية، فتمت مواجهته بحسم، انتهى إلى استلام اضطراري لغزة من قبل حماس، وتأمين ما يسمّى دحرجة مشروع المقاومة.

فهل تخلت اليوم حماس عن هذا المشروع، أم تسعى لتأمينه وتأمين شعب غزة من حرب استئصال لم تعد لديها فيه، أي قدرة على تأمين وسائط الدفاع الرادعة؟

حماس طوال فترة تلقيها الدعم المختلف، من أطراف متباينة أحياناً، كانت توجّه الدعم إلى إسناد قرارها، الذي يأخذ مصلحياً ظروفها وظروف الشعب الفلسطيني، ولم تقبل أن يمر بأرضها أي دعم يُنشئ مناطق، ومؤسسات وجبهات عديدة باسم المقاومة، كما جرى في سوريا، كما أنها تعاملت بحسم منذ البداية مع السلفية الجهادية، وعبر العنف القانوني، فهل هذا تكرر مع الثورة السورية؟

الجواب هو العكس تماماً، لقد تمكنت مشاريع الدعم من أرض الثورة وفرقت قياداتها، وفرقت كلمتها وأنشأت لكل منصة أذرعة سياسية وإعلامية وجبهوية، وهو امرٌ يحتاج للتأمل بعمق لإدراك أزمة الثورة السورية، وليس لتزكية حماس المطلقة.

 

مأزق حماس

لكن حماس تعيش حالياً مأزقاً ضخما، فقد وُضعت في مواجهة الحرب المزدوجة بين الجيش الإسرائيلي المدعوم من منصات خليجية، بصورة شبه رسمية، والجيش المصري معاً، في توقيت يُحاصر عبرها أكبر داعم إنساني وإعلامي وهي قطر، وفي وقت تُستهدف فيه كل قواعد شعبية تتضامن مع فلسطين، ومقاومتها المشروعة.

أما إيران التي كانت حماس تحصل عبرها على دعم، مستثمرة تقاطع حاجة طهران للقضية الفلسطينية لتغطية مشروعها الطائفي والإقليمي الخاص، فهي اليوم أزهد في حماس من المرحلة السابقة، والنجاحات التي حققتها طهران خاصة بخدمات أزمة الخليج الأخيرة لها، جعلها أكثر تمكناً في الإقليم، والمستقبل المنظور لها يتعزز دوليا وإقليميا.

فهل كان على حماس، القبول بخوض المعركة الحربية مع الجيشين المصري والإسرائيلي في ظل هذا الوضع؟

ولماذا قبلت عرض دحلان ممثلا لأمارة ابوظبي بالتفاوض؟

يجب التذكير هنا بحجم ما تمر بها الأمة العربية من تحديات، كما أنه لا بد من ربط ذلك بأن المشاريع الأخرى في المنطقة؛ أي العراق الإيراني الجديد بعد داعش، وسوريا الجديدة بعد إعادة تأهيل الأسد والمباركة الضمنية لأعماله الإرهابية.

لكن الحسابات قد تتعارض، داخل منظومات التفكير الجديد لحلفاء تل أبيب، فمفاوضات حماس مع ابوظبي عبر مشروع دحلان، كانت بهدف زيادة الضغط على المحور الآخر في هذه القضية، ودفعهم للتعامل معها كطرف سياسي قائم، وإن أُسندت المهمة للمخابرات المصرية؛ المعادية لحماس وللمقاومة الفلسطينية.

فمستوى خنق الشعب الفلسطيني في غزة، وصل إلى مرحلة متطرفة وعنيفة، وتكاليف القيادة الإدارية لغزة باتت أمام حائط مسدود. إن الانهيارات الكبرى في المشرق العربي، كانت خارج إطار المنظور العام للتحليل السياسي، وهنا كان على حماس أخذ قرار الانفتاح على مصر، بعد مخاض الأحداث الصعب، بعد أن نجحت مناورتها مع ابوظبي، وحققت الرسالة المطلوبة.

 

السؤال المهم هنا، ماهي مصالح نظام السيسي، من هذه الصفقة، وهل هو خلاف فعلي مع ابوظبي؟

هناك في مصر ما يُطلق عليه الدولة العميقة منذ عهد مبارك، هذه الدولة العميقة لها حسابات أدق لمصالحها الشاملة حيال التعامل مع أبوظبي، دون أن يصل الأمر لمرحلة الصراع.

لكن قضية الموازنة بين أن تتسلم ابوظبي قطاع غزة، كمشروع تحالفي مع تل أبيب، وبين تسلم الرئيس عباس وما تبقى من إرث مصري مع فلسطين وحركة فتح، يبدو فارقاً مهماً للغاية، يترجح عبره الخيار الثاني، حتى لا تفقد القاهرة ورقتها التاريخية في غزة، وفي نهاية الأمر لن تستطيع أبو ظبي التي فاوضت حماس عـبر دحلان مواجهة القاهرة، وإن سهل عليها مواجهة أبو مازن داخل فتح.

الأمر الآخر أن دخول الجيش المصري في حرب ثنائية ضد غزة، له تكلفة سياسية كبيرة في ظل الفشل الحقوقي والسياسي للسيسي، فالحسابات هنا، تعني أن تواري ملف حماس في غزة ولو مرحلياً، وبيد سلطة إدارية متنازعة تحت الأرض بين فتح وحماس، تنظمها القاهرة أفضل لمصر من أي مشروع آخر، تقوده ابوظبي.

هنا توافقت مصالح الضرورات، لكن المشهد السياسي المتفجر في المنطقة لا يزال مضطربا، وإنما حصيلة الأمر لحماس أنها دفعت بما تستطيع الدفع به للخطر الأكبر على الأرض، وعملت على نزع ورقتها من سوق الصراع في الأزمة الخليجية، وفي المشرق العربي، وهو مفيد لها ولشعبها.

وتشهد علاقات القاهرة وحماس تحسنا كبيرا، بعدما كثفت من قواتها الأمنية على الحدود، وشنت حربا ضد الجماعات المتشددة المشتبه بعلاقتها مع تنظيم الدولة.

ويسود الانقسام السياسي أراضي السلطة الفلسطينية منذ منتصف يونيو 2007، إثر سيطرة حماس على قطاع غزة، فيما بقيت حركة (فتح) تدير الضفة الغربية، ولم تفلح وساطات إقليمية ودولية في إنهاء هذا الانقسام الذي يبدو أنه في طريقه للزوال.

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …