رفض الجيش الجزائري تقديم أية تنازلات سياسية تخص بدء مرحلة انتقالية، بعد تحذيرات جديدة وجهها قائد الجيش، أحمد قايد صالح، اليوم الثلاثاء، إلى كتلة سياسية قال إن لها نوايا مبهمة، تدعو إلى تجميد العمل بأحكام الدستور.
واعتبر أن ذلك يعني الدخول في نفق مظلم اسمه الفراغ الدستوري، وتعهد بعدم سماح الجيش بالمغامرة بالبلاد أو نسف مؤسسات الدولة الدستورية.
وأكد قايد صالح في خطاب ألقاه أمام القيادات العسكرية في منطقة تندوف جنوبي الجزائر أن استعمال سلطة الشعب حق يراد به دفع البلد إلى نفق الفراغ الدستوري.
وقال “هل يدرك من يدعي عن جهل أو عن مكابرة وعناد أو عن نوايا مبهمة الأهداف، نعم نوايا مبهمة الأهداف، أن سلطة الشعب هي فوق الدستور وفوق الجميع، وهي حق أريد به باطل، كونهم يريدون عن قصد تجاوز، بل تجميد العمل بأحكام الدستور”.
وتابع متسائلا: “هل يدرك هؤلاء أن ذلك يعني إلغاء كافة مؤسسات الدولة والدخول في نفق مظلم اسمه الفراغ الدستوري، ويعني بالتالي تهديم أسس الدولة الوطنية الجزائرية والتفكير في بناء دولة بمقاييس أخرى وبأفكار أخرى وبمشاريع أيديولوجية أخرى، تخصص لها نقاشات لا أول لها ولا آخر، هل هذا هو المقصود”؟
وكان المسؤول العسكري الجزائري يشير بوضوح إلى كتلة من السياسيين والناشطين الذين يطالبون ببدء مرحلة انتقالية يقودها رئيس أو مجلس رئاسي انتقالي والذهاب إلى انتخاب مجلس تأسيسي يعيد صياغة دستور جديد للبلاد.
وتهاجم هذه الكتلة الجيش وتعتبر أنه يعرقل تنفيذ هذه المخرجات السياسية، بينها “جبهة القوى الاشتراكية” و”التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” و”حزب العمال” وناشطون مستقلون ككريم طابو ومصطفى بوشاشي.
وبلهجة حادة تعهد قائد الجيش بمنع المغامرة بالبلاد، مشددا على أن “الجزائر ليست لعبة حظ بين أيدي من هب ودب وليست لقمة سائغة لهواة المغامرات”، مشيرا إلى أن البلد “يحتاج منهم جميعا التحلي بالكثير من الحكمة والتبصر والعقلانية، والكثير من الاتزان الفكري والعقلي وبعد النظر، فالدستور الجزائري هو حضن الشعب وحصنه المنيع وهو الجامع لمقومات شخصيته الوطنية وثوابته الراسخة التي لا تحتاج إلى أي شكل من أشكال المراجعة والتبديل”.
ويبدو الجيش الجزائري بصدد استغلال انقسام واضح داخل الكتلة الشعبية في الحراك وفي الجسم السياسي والمدني، حيث بدأت كتلة من الفاعلين المدنيين والسياسيين تميل إلى طروحات الجيش باستبعاد مقترح المرحلة والرئاسة الانتقالية.
وبرأي قائد الجيش فإن المطالب الشعبية تمكن الاستجابة لها في إطار الدستور، دون الذهاب إلى خيارات سياسية.
وقال في هذا الصدد: “الحديث عن أهمية إيجاد حل توافقي بين أحكام الدستور وبين المطالب الشعبية، فهل يعتقد هؤلاء بأن هناك تناقضا أو تباعدا بين ما ترمي إليه الأحكام الدستورية في أبعادها الحقيقية وبين ما يطالب به الشعب الجزائري في مسيراته المتتالية؟ فالشعب الذي زكى دستوره هو أحرص من غيره على صيانة قانون بلاده الأساسي وحفظ أحكامه ودوام العمل به، فلا يمكن أن يتم باسم الشعب تحطيم إنجاز الشعب الجزائري المتمثل في قانونه الأساسي أي الدستور”.
وعبر قايد صالح عن أمله في أن يبتعد الشعب الجزائري مسافة عن كتلة سياسيين تبادر إلى مهاجمة الجيش، وأن يحسن “التمييز الصحيح بين من يمتلىء قلبه صدقا، ومن يحمل في صدره ضغـينة لهذا البلد، وسيدرك بالتأكيد أن من يفيض صدره حقدا على الجيش وعلى قيادته الوطنية، هو لا محالة في خانة أعداء الجزائر”.
وادعى أن “أعداء الجزائر يدركون تماما، بحسرة شديدة وبحسد أشد، أن بلادنا تحوز اليوم، على جيش وطني المبدأ، وشعبي المنبع وصادق العمل والسلوك، على رأسه قيادة مجاهدة تشق طريقها نحو تأمين الجزائر ومرافقة شعبها إلى غاية الاطمئنان التام على حاضر هذا الوطن وعلى مستقبله”.
ويتعرض الجيش وقائده إلى انتقادات حادة وترفع ضده شعارات في المظاهرات الشعبية الأسبوعية يوم الجمعة والطلابية يوم الثلاثاء، ويتهم بمحاولة منع تنفيذ حل سياسي والتمسك برئيس الدولة الحالي بالفترة الانتقالية، عبد القادر بن صالح، وبحكومة نور الدين بدوي برغم الرفض الشعبي لها.
ودافع قايد صالح عن مواقف الجيش من الأزمة السياسية، وقال إن “قيادة الجيش لم تدخر أي جهد من أجل توفير كافة الظروف الملائمة التي تعبد الطريق أمام تذليل كافة الصعوبات التي أفرزتها الأزمة التي تعيشها البلاد”.
كذلك أشار إلى أن “ما تحقق من مكاسب حتى الآن، هو إنجازات عظيمة تصب جميعها في مصلحة الجزائر وشعبها وتتوافق تماما مع المطالب الشعبية الموضوعية”، لافتا إلى أنه “وعلى الرغم من الأزمة التي تمر بها البلاد اليوم، فإن الدولة الجزائرية بمؤسساتها المختلفة بقيت محافظة على كافة قدراتها التسييرية وعلى هيبتها وعلى نشاطاتها المختلفة وبقيت محافظة على تواصل مسار العلاقات مع شركائها الأجانب، وعلى إبقاء الدولة الجزائرية ضمن سياقها الشرعي والدستوري”.
وحاول قائد الجيش الرد بطريقة غير مباشرة على أصوات سياسية تطرح باستمرار سؤالا حول صمت قيادة الجيش طوال العقدين الماضيين، عن عمليات الفساد ونهب المال العام. وبرر المسؤول العسكري ذلك بانصراف الجيش وانشغاله بتطوير قدراته القتالية ومحاربة الإرهاب.
وقال إنه “في الوقت الذي كان فيه أفراد الجيش منشغلين بأداء واجبهم الوطني حيال تطوير القوات المسلحة وترقيتها، ومواصلة القضاء النهائي على آفة الإرهاب في شمال الوطن، كان فيه البعض ممن لا ضمير لهم يخططون بمكر في كيفية الانغماس في مستنقع نهب المال العام أي مال الشعب الجزائري”، مشيرا إلى أن هؤلاء “نسوا بأن هذا الطريق قصير بل ومسدود”.
ومن شأن تجديد الجيش لمواقفه إزاء حل الأزمة، دون أي تطور، أن يدفع قوى المعارضة إلى مراجعة مواقفها ومبادراتها ومقترحاتها لحل الأزمة السياسية، والحسم إما باتجاه تطوير الموقف وتفهم مخاوف الجيش من المرحلة الانتقالية الغامضة، وإما الصدام مع الجيش واستعراض القوة في الشارع، ما سيزيد من تعميق الأزمة وإطالة أمدها.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات