قبل سنوات ليست بالبعيدة كتب الأستاذ إبراهيم عيسى هذه الفقرات التي سأنقلها بالنص وبتوسع لكيلا أتهم بالاجتزاء المحرف لمضمون كلامه:
“لم يقل أحد أن الجماهير أو الأغلبية على حق دائما ولا يتصور أحد أن الناس متساوون في الثقافة السياسية كأسنان المشط، لكن ذلك لا يعني أبدا الترفع والتعالي والانفصال عن الناس إذا اختلفت وجهة نظر مثقف ما مع الجماهير، ولا يمكن أن تكون مشاعر ورؤية المثقف تجاه شعبه ووطنه على هذا النحو الغارق في السفالة النفسية، وإذا كان المثقف رأيه أن هؤلاء أغبياء أو معتوهون لمجرد اختلافهم مع هواه ورأيه ومصلحته، فلمن يتوجه إذن هذا المثقف، أغلب الظن أنه يتوجه لحكومته.
…ربما لا أجد بأسا من نفور البعض من الرأي العام أو الجماهير (وهو امتداد واضح للنفور من الدين والعروبة معا) إلا أن أنفاس الاحتقار التي تفوح من كتاباتهم هي التي تؤرق المرء وتجعله حزينا على طلاب كلية الطب أو الهندسة أو الحقوق مثلا حين يتظاهرون في الجامعات فيقولون عنهم غوغاء ودهماء ومضحوك عليهم، طبعا إذا تظاهر هؤلاء دفاعا عن أمريكا أو رواية مسيئة للإسلام كانوا سيصبحون ضمير الوطن عند هؤلاء المتثاقفين (على وزن المتأسلمين)!
ولم تتوقف المهازل الفكرية عند احتقار الرأي العام فقط، بل زاد الطين وحلا أن فئة من المثقفين إياهم أعطت لنفسها الحق في الغضب من محطة تليفزيونية (الجزيرة) لأنها (شوف السبب!) تعرض وجهة نظر عدو أمريكا بن لادن! ويرون أن الجزيرة تسلم الشارع لأسامة بن لادن (شارع إيه ده اللي تسلمه قناة تليفزيونية لشخص أو فكرة) ويطالبون ببجاحة مذهلة منع الرأي الآخر المناقض لرأيهم وأفكارهم وحلفائهم من الظهور ومن إطلاع الناس عليه، ها هم يحددون للناس ما يجب أن يقرأوه ويعرفوه ويشاهدوه، هؤلاء الذين كذبوا علينا بكلامهم عن حرية الرأي والتعبير طلعوا في الآخر يدافعون عن حرية رأيهم لا الرأي، وعن تعبيرهم لا التعبير، الديموقراطية مقبولة لو أتاحت لهم التعبير ومرفوضة لو أباحت لغيرهم نفس الحق لذلك هم لا يريدون لجريدة تعبر عن التيار الديني أن تظهر وتصدر (أو بالأحرى تعود) ولا يقبلون أن يظهر مفكر إخواني في تلفزيون ولا يتحملون أن يسمع الناس واعظا في خيمة رمضانية ولا يريدون أن تفتح قناة الجزيرة بابا لإذاعة آراء وبيان بن لادن.
…يرحب المتثاقفون للغاية بحرية إبداع ونشر رواية فيها ما فيها مما قد يسيء ويهين مشاعر الناس لكنهم يرفضون بإباء وشمم نشر الكتب التي تدعو لأفكار متطرفة من وجهة نظرهم ولقد سمعنا كثيرا تعبير أين الأزهر من الفريقين، البعض يطلب من الأزهر التدخل لمنع تلك الأفكار والكتب المتطرفة من النزول إلى الأسواق والبعض يصرخ الصرخة نفسها على الأزهر كي يتصدى لكتب المجون الكارهة للإسلام.
بطبيعة الحال لا يجب أن يدعي أحدنا أنه يمثل الجماهير لكن أيضا من المستحيل منع الجماهير من التعبير عن نفسها أو الاستهانة والاستهتار بأفكار وآراء ومشاعر الناس، كما لا يمكن الوقوف أمام حق الناس في المعرفة والاطلاع على كل الأفكار بعلانية كاملة.
… المسألة أسهل من أن نعقدها، إما أن يكون هؤلاء المثقفون على قدر من الاحترام للرأي العام وجماهير وطنهم برغبة عميقة في تنوير الناس أو تغيير أفكار المجتمع من خلال تقدير واحترام مشاعر الناس وآرائهم.
الأنبياء أنفسهم وليس بضعة كُتّاب نصفهم معقدون أو مخمورون خاطبوا شعوبهم دون اتهام بالتخلف أو القصور ودون تريقة عليهم أو استهزاء بعواطفهم، لا أفهم كيف لمثقف يحترم نفسه أن يكره أمته وشعبه وهويته بهذا الشكل المقيت، وما هذا التعالي المريض (والإحساس الذي يستوجب جلسات علاج نفسي فورا) بأنهم مرسلون من لدن خبير عليم كي يهدوا المتخلفين والغوغاء من أبناء شعوبهم.
…من حق أي كاتب في الدنيا أن يختلف مع شعبه وجمهوره ويرفض ما يعتقده مجتمعه جملة وتفصيلا (وربما يكون ذلك من واجبه أحيانا) لكن الجريمة الأكيدة التي يرتكبها الكاتب والمثقف هي كراهية مجتمعه وناسه والتعالي عليهم واتهامهم بالتخلف وإهانتهم بالقول وتجريحهم بالفعل، وهي تلك الجريمة التي أقرأها وأسمعها من كُتّاب الآن، بعضهم يستحق الاحترام والمناقشة والبعض الآخر يستحق المستنقع الذي نراه منغمسا فيه تماما!”.
…
يمكن أن ترجع إلى بقية هذا الكلام المنشور في كتاب (اذهب إلى فرعون) الصادر عن مكتبة مدبولي والموجود على الإنترنت، وتقرأ بدءاً من صفحة 129 وتقارن الكلام بما يقوله الأستاذ إبراهيم عيسى في السنوات الأخيرة، ويمكن أن تمر بالمرة على بقية كتبه التي لم يتبرأ منها حتى الآن وإلى أرشيف مقالاته الموجود على الإنترنت، وأتحدى أن تجد تصريحات “ملتهبة” له لم يقل عكسها من قبل، دون أن تكون لديه شجاعة مراجعة نفسه على الملأ، فيعتذر للناس عما سبق أن كتبه ويقول لهم مثلا إنه كان مضللا ومضحوكاً عليه حين كتب عكس آرائه تلك، وقد سبق أن كتبت عن تفاصيل شهادته الزور في قضية قتل مبارك وحبيب العادلي للمتظاهرين، وهي الشهادة التي سبق أن أدلى بعكسها أمام النيابة العامة قبل ذلك بثلاث سنوات، والتفاصيل موجودة على الإنترنت.
طبعاً، في كل مرة يراهن الأستاذ إبراهيم على ضعف ذاكرة الناس، وعلى براعته في استغلال الظروف المحيطة لزيادة رصيده في البنك، وتحويل نفسه دائماً إلى شهيد بالأونطة، وبالطبع كان يجب أن أختم هذا الكلام بالحديث عن التأكيد على أني مهما اختلفت مع الأستاذ إبراهيم فأنا مستعد لأن أموت دفاعاً عن حريته، لكني سأترك هذه المهمة لأصدقائه ومحبيه من كبار الضباط وعلى رأسهم محمود السيسي، فهم أولى به، وسيجدون له مخرجاً في القريب العاجل كما وجدوا له من قبل، وحتى لو اضطروا لقرص ودنه هذه المرة لأن “العملية طالبة” الظهور بمظهر حماة الدين ونصرة الإسلام، فسيحزنني ذلك على الأستاذ إبراهيم حزناً لن يخففه إلا تذكري أن عواقب تلك القرصة ستكون في المستقبل وسيلة للمزيد من المكاسب والغنائم، وإدراكي النابع من معرفة طويلة وعميقة بأنه كأي “فوريجي” عظيم لن يعدم زبائن جدد في المستقبل، خاصة وأن قدرته على إعادة إنتاج نفسه كانت وستظل أبرز نقاط قوته.
ختاماً، كل الاحترام والتقدير لمن يتضامن مع الأستاذ إبراهيم وحقه في التعبير، بشرط أن يتذكر في نفس الوقت أهمية التضامن بنفس القوة والصلابة مع آلاف المعتقلين السياسيين الذين لا يتذكرهم الكثيرون لأن التضامن معهم محفوف بالمخاطر ويخلو من المكاسب، وإذا كان هناك من يتصور أن ما يقوم به الأستاذ إبراهيم هو شجاعة، فأتمنى أن يراجع نفسه ويتذكر أن الفرقعات الإعلامية التي لا تواجه السلطة وقهرها واستغلالها للدين وتلاعبها به، ليست إلا كذباً وضحكاً على الذقون، حتى وإن ادعت أنها تحارب سيطرة الذقون على المجتمع، أما من يتصور أن هناك حرية إعلام أصلاً في مصر وأن أحداً يمكن أن يظهر على أكثر من قناة تلفزيونية وإذاعية لكي يعبر عن رأيه بشكل حقيقي وصادق، دون التنسيق المسبق مع أحد في السلطة أو استئذانه أو التشاور معه، فأسأل الله أن يرزقنا ربع رَوَقانه وحسن ظنه بالدنيا، وأتمنى له دوام الإقامة السعيدة في مَيّة البطيخ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر
https://www.facebook.com/belal.fadl.5
ملحوظة: الفوريجى مشتق من «الفورمجى»، وهي كلمة إنجليزية معناها الرجل الذي يصب الأشكال في القوالب، والفوريجى يستطيع صب الكلام الكاذب في قوالب قابلة للتصديق.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات