على الرغم من أنّ السعودية وحلفاءها العرب قطعوا علاقاتهم مع قطر، مشعلين أزمة دبلوماسية في الشرق الأوسط، رفض صديقٌ واحد التخلي عن ذلك البلد المحاصر على الخليج العربي، وقد برز دعم تركيا الثابت لقطر منذ بدء النزاع في 5 يونيو ولم تقدم أنقرة المساعدة الدبلوماسية والتجارية للدوحة فحسب، بل إنّها أسرعت بنشر القوات التركية في قطر، وهو قرار من شأنه أن يعزز ترسيخ الأرض المشتركة بين البلدين.
ومع وصول طلائع القوات التركية الى الدوحة للمشاركة في تمارين مشتركة ضمن الاتفاقيات المتبادلة بين البلدين، أخذت أزمة دول الحصار على قطر في التفاعل مع بروز مؤشرات على فشل الوساطة التركية، رغم الدعم الكبير الذي منحه الرئيس رجب طيب اردوغان لها، فيما طلبت البحرين من الجنود القطريين المتمركزين في القيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية، المغادرة على خلفية الأزمة.
مديرية التوجيه المعنوي بوزارة الدفاع القطرية أوضحت في بيان صحفي أن القوات التركية بدأت أولى تدريباتها العسكرية في معسكر كتيبة طارق بن زياد بالدوحة وأن هذه التمارين المشتركة تستهدف رفع الكفاءة القتالية للقوتين القطرية والتركية في وضع خطط العمليات المشتركة لمحاربة التطرف والارهاب وعمليات حفظ السلام قبل وبعد العمليات العسكرية، وفي تنفيذ العمليات المشتركة والمدمجة الواسعة، حيث بدأت أولى تلك التمارين بعرض لطليعة الآليات العسكرية البرية التركية داخل الكتيبة.
وتأتي الخطوة التركية بعد أيام قليلة من إقرار البرلمان التركي إرسال وحدات من القوات المسلحة إلى قطر وتصديق الرئيس التركي على القرار.
مؤشرات مفاجئة
وبرزت مؤشرات مفاجئة عن بوادر صدام مباشر بين السعودية وتركيا، مع بوادر فشل مساعي أنقرة لحل الخلاف الخليجي، رغم سعي تركيا بقوة منذ البداية إلى عدم الصدام مع المملكة، ومحاولات عدم إغضابها.
وفي تصريحات غير مألوفة، تحدث إييت كوركماز، أحد كبار مستشاري الرئيس التركي، في برنامج تلفزيوني مساء السبت، عن دول مترامية الأطراف تحكمها قبيلة، في إشارة إلى السعودية، منوهاً إلى أن «دولا ضخمة وكبيرة تسير خلف قبيلة واحدة، وهذا أمر لا يقبله المنطق الإنساني، الربيع (ثورات الربيع العربي) يمكن أن يظهر قريباً في دول جديدة.. يجب أن يظهر أصلاً»، في تصريحات اعتبرتها وسائل إعلام تركية بمثابة «تهديد» للسعودية باحتمال قيام ثورة على طريقة «الربيع العربي» ضد الأسرة الحاكمة فيها.
وجاء هذا الموقف التركي الجديد، بعد ساعات من إعلان السعودية أنها لن تسمح لتركيا بإقامة قواعد عسكرية على أراضيها، وأنها ليست بحاجة لمثل هذه القواعد. وقال مصدر رسمي لوكالة الأنباء السعودية (واس): «المملكة لا يمكن أن تسمح لتركيا بإقامة قواعد عسكرية على أراضيها.. المملكة ليست في حاجة إلى ذلك وقواتها المسلحة وقدراتها العسكرية في أفضل مستوى، ولها مشاركات كبيرة في الخارج، بما في ذلك قاعدة أنجيرليك في تركيا لمكافحة الإرهاب وحماية الأمن والاستقرار في المنطقة». وجاء الرد السعودي بعد عرض تركي سابق من طرف الرئيس أردوغان، حيث وعد الملك سلمان بدراسته.
وقد طالب وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، الدول التي قاطعت قطر بتقديم أدلة وإثباتات تدعم ما اتهموا به الدوحة, وقال: «حل هذه المشكلة بسيط في الحقيقة؛ فهناك ادعاءات واتهامات موجهة لقطر، التي ترفضها بلغة قطعية، ونحن قلنا إن الحصار المفروض عليها غير صائب، وهذا لا يعتبر انحيازا”.
ودعا جاويش أوغلو إلى تقديم تفاصيل ووثائق وإثباتات متعلقة بالاتهامات الموجهة ضد قطر، ومن ثم اتخاذ الخطوات اللازمة عن طريق الحوار والسلام والاحترام المتبادل.
من جانبها، طلبت البحرين من جنود قطريين متمركزين فيها في إطار خدمتهم في القيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية، المغادرة على خلفية الأزمة الدبلوماسية مع الدوحة.
وقال مصدر إن السلطات البحرينية أوضحت «للقائد المسؤول عن القاعدة أن على القطريين المغادرة”, وفي السياق، أشارت مجلة «فورين بوليسي» إلى أن الحصار المفروض على قطر سيؤثر على عمليات مكافحة الإرهاب، التي تنطلق من قاعدة «العيديد» الجوية الأمريكية في الدوحة، مؤكدة أن لدى السعودية تاريخاً طويلاً من دعم الإرهاب.
أذرع الإعلام السعودي تهاجم تركيا
وكشفت مصادر صحفية أن ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بن وجه أذرعه الإعلامية لشن حملة هجوم تستهدف تركيا بسبب موقفها الداعم لقطر في الأزمة الخليجية.
وتسلمت معظم صحف المملكة تعميما بعد انتهاء زيارة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو للمملكة ببدء تدشين حملة “نباح” على تركيا .
وأشارت المصادر إلى أن الحملة الإعلامية بدأت بتصدر وسم «قطع العلاقات مع تركيا» قائمة الأكثر تداولا في موقع «تويتر» المملكة.
يأتي ذلك، فيما احتجزت السلطات الأمنية السعودية مراسل ومصور قناة TRT WORLD التركية الحكومية خلال زيارة جاويش أوغلو للمملكة، الجمعة, لمدة 10 ساعات، قبل الإفراج عنهما إثر تدخل الوزير لدى الملك سلمان مطالبا بالإفراج عنهما.
كما قام إعلامي سعودي بالتحريض على تركيا، وطالب بمنع السفر إليها وحصارها أسوة بما يحدث في قطر.
وقال إبراهيم آل مرعي الإعلامي السعودي: «هناك خطوات من الممكن القيام بها، منع السفر إلى تركيا، دعم حزب العمال الكردستاني، دعم قيام دولة كردية جنوب تركيا».
وتابع في تغريدة له على «تويتر»، «مقاطعة المنتجات التركية إجراء شعبي جيد ولكنه غير كافٍ، والقيام بحملة إعلامية لتفنيد أكاذيب الإعلام التركي والإخوانجي أمر مفروغ منه».
وأضاف «قررت تركيا الانحياز لمصالحها، وليس بمستغرب، بل وفتحت الباب واسعاً للإعلام التركي والإخواني المصري بالإساءة لخادم الحرمين وللمملكة».
اتهام قطر بتقسيم العراق «كذب رخيص»
وفي السياق ذاته وصف نائب رئيس الجمهورية العراقي السابق، طارق الهاشمي، تصريح نائب رئيس الجمهورية إياد علاوي حول محاولة قطر لشق الصف وتقسيم العراق، بأنه «كذب رخيص».
ونشر الهاشمي تغريدة له على موقع «تويتر»، قال فيها إن «قطر كانت داعمة للقائمة العراقية التي كان علاوي زعيما لها»، مضيفا أن اتهام قطر بالتخطيط لتقسيم العراق ما هو إلا «محاولة لتزوير الحقائق»، وأشار الهاشمي إلى أنه «لولا قطر والدول الخليجية لما كان هناك عراق موحد»، حسب التغريدة.
نهاية مجلس التعاون
الكاتب البحريني د. سعيد الشهابي يتوقع مصيرا غامضا ينتظر مجلس التعاون الخليجي بعد القرار السعودي بمحاصرة قطر؛ احدى دوله الست، وأضاف: هذا المجلس الذي تأسس قبل 36 عاما لتحصين الدول الاعضاء ضد الانعكاسات المحتملة للثورة في ايران التي كانت في ذروة مدها الثوري آنذاك، بقي صامدا امام العواصف الاقليمية والدولية، واستطاعت السعودية، الحفاظ عليه من خلال دبلوماسية تميزت بالهدوء والحذر.
وأضاف الشهابي في مقال كتبه بصحيفة “القدس العربي”: وقد عصفت به حوادث داخلية عدة مرات، وتغيب عن حضور قممه بعض قادة دوله لاسباب سياسية وصحية، ولكن تلك القمم عقدت بشكل شبه منتظم، وإن كانت في الأعم الأغلب بروتوكولية.
الأمر المؤكد أن العاصفة الحالية التي افتعلتها السعودية مختلفة عن كافة التحديات السابقة، فهي أخطر واعمق وأوسع. فقد أحدثت حالة استقطاب غير مسبوقة، شطرت المجلس إلى فريقين: أحدهما تمثله السعودية والإمارات والبحرين، ويضم الآخر قطر وسلطنة عمان والكويت.
والخطر الحالي الذي يحدق بالمجلس ليس غريبا، فقد كان هذا الخطر ماثلا دائما، ولكن في ظل ضبط النفس والشعور العميق بالمصير المشترك، تم تغليب المصلحة العليا على الاعتبارات الذاتية لكلٍ من دوله.
ولكن هذا المنطق تراجع كثيرا في السنوات الأخيرة، خصوصا مع تغير زعامات دوله ورحيل الآباء المؤسسين.
وأشار الشهابي إلى أن حاكمي الكويت وسلطنة عمان هما الوحيدان اللذان كان لهما دور مباشر في تأسيس المجلس الذي تأسس وفق ورقة كويتية رسمت معالمه وأقرها بقية الحكام.
ويمكن القول إن المجلس كان الوحيد من التحالفات العربية الذي استطاع البقاء طوال هذه الفترة وإن كان قد تحول تدريجيا الى أداة بيد «الشقيقة الكبرى».
هذا الوجود الشكلي بقي رمزا لتحالف أنظمة دول الخليج التي تتميز بنظامها السياسي الخاص، وتشكلت له عبر العقود أذرع تنفيذية محدودة التأثير أهمها قوات درع الجزيرة التي بقيت تحت المظلة السعودية وفقدت دورها بمرور الوقت، ولم تستخدم إلا في حالات خاصة كاجتياح البحرين في العام 2011.
أربعة آثار سلبية لقوات درع الجزيرة
كان لدخول قوات درع الجزيرة المنامة آثار سلبية على قضايا الأمن والاستقرار والعلاقات بين الشعوب والحكام لأسباب عديدة:
أولها: أن التحالف العسكري الخليجي كان يفترض أن يخصص للدفاع عن دول المجلس عندما تتعرض لعدوان خارجي, بينما استخدم في البحرين لقمع ثورة شعبية لا تستدعي تدخلا عسكريا، وبذلك ارتكبت أول مخالفة لقواعد المجلس وأسسه.
ثانيها: أنها أحدثت إرباكا عقيديا لدى شعوب المنطقة وأوصلت لها رسالة مفادها ان التحالف العسكري أداة لحماية الانظمة وليس الشعوب.
ثالثها: أن قوات درع الجزيرة التي تتخذ من قاعدة حفر الباطن السعودية مقرا, تصدت للتدخل في البحرين بينما لم تفعل شيئا أبدا عندما اجتاحت القوات العراقية في عهد صدام حسين الكويت في الثاني عام 1990، برغم أن القاعدة المذكورة لا تبعد عن حدود الكويت سوى أقل من 120 كيلومترا.
وبدلا من استخدامها للدفاع عن سيادة الكويت، استدعت السعودية قوات أجنبية بقيادة امريكا لشن حرب كانت لها تبعات ألقت بظلالها على المنطقة حتى اليوم.
رابعا: أن امتناع سلطنة عمان وقطر والكويت عن المشاركة في التدخل العسكري في البحرين لم يلق استحسانا لدى السعودية التي كانت تأمل تعاونها، بل أضمرت ذلك في نفسها وحان وقت الانتقام من الحلف المغرد خارج سرب السعودية، بينما كان لكل من هذه الدول أسبابه الوجيهة من وجهة نظره لعدم المشاركة في ذلك التدخل.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات