فرص العمل التي تجتذب المغتربين والأجانب للعمل في الخليج العربي؛ الغني بالنفط والتي تدر على أصحابها دخلاً أعلى من ذاك الذي يقدمه جهاز أبوظبي للاستثمار (ADIA)، أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم باتت قليلة وعنوانا لأزمات مالية طالت الإمارة الأغنى في دولة الإمارات العربية المتحدة.
“أربطة الحزام تضيق والعاصمة موحشة تسكنها الغربان” هو مجمل الحالة الظبيانية ولم تعد تنفع معها سياسات الترقيع والتزييف, وآخرها قانون النظام المالي لحكومة أبوظبي الذي صدر مؤخرا, تعبيرا عن أزمة إدارة الموارد المالية العامة, وليس كما تدعي أبواق السلطة, بأنه يستهدف تحقيق درجة عالية من الشفافية والمحاسبة.
فمع شروع إمارة أبوظبي في تطبيق سلسلة تدابير تقشفية لتقليل المصاريف، بدأ حتى موظفو ADIA يشعرون بأن الأحزمة تضيق وتضيق. فمِثلَ كلِ موظفي القطاع الحكومي، بات لزاماً على موظفي ADIA الآن دفعُ فواتير الماء والكهرباء بأنفسهم، وهو ما قد يكلفهم في بعض الحالات أكثر من 20 ألف دولار في العام الواحد، فضلاً عن تغطية المزيد من نفقاتهم الطبية أيضاً، حسب تقرير لصحيفة فايننشيال تايمز البريطانية في 9 فبراير 2017، أشار فيه موظف بنك استثماري كبير في الإمارة إلى : “إن أربطة الحزام تضيق وتضيق”.
تسريح 5 آلاف موظف
لطالما كانت إمارة أبوظبي، وهي أكبر منتج للنفط في الإمارات وأغنى إماراتها السبع, خير مثال يجسد ثروة الخليج النفطية والنقدية في آن معاً، فصندوق ADIA يدير أصولاً تقدر بـ800 مليار دولار أمريكي, لكن تدابير التقشف الحكومية الجديدة سوف تكشف الآن مدى اضطرار قادة المنطقة إلى اتخاذ واعتماد تدابير متطرفة؛ استجابة لتدني أسعار النفط المزمن، وتطبيق سياسات لا تخلو من حساسية سياسية كانت فيما مضى من المحظورات في مجتمعاتٍ ألِفت سخاء الإنفاق الحكومي.
فتكاليف المعيشة زادت كثيراً، فيما خضعت حزمة مزايا الموظفين الحكوميين لتقليص وتضييق، كما زادت تعريفة الكهرباء في سلسلة إصلاحات برامجِ الدعم الحكومي للأسعار.
في الوقت نفسه، أدى خفض النفقات والتأخير المتكرر في المشاريع الضخمة التي تبلغ ميزانيتها مليارات الدولارات، إلى انتشار الاستغناء عن خدمات الموظفين، فشركة آدنوك النفطية التابعة للحكومة سرحت 5 آلاف وظيفة في غضون الـ18 شهراً الأخيرة من إجمالي 55 ألف موظف هم مجموع العاملين بالشركة.
النتيجة كانت حملة “تفنيش” ألقت خارجاً بالمغتربين الذين وفدوا على أبوظبي خلال أوج ازدهارها النفطي أوائل الألفية الجديدة، حينما كانت الإمارة تسير قدماً في برنامجٍ طموح لتحويل نفسها إلى وجهة سياحية وقِبلة للمال والأعمال والرفاهية.
يقول خبير توظيف وموارد بشرية يتخيّر الكوادرَ لأرفع المناصب في الإمارة: “لقد كانت سنة 2016 كابوساً، حيث كانت الأسوأ خلال 3 عقود. الطرفان الأعلى والأدنى من المغتربين في طريقهما إلى الخارج، تاركين وراءهما طبقة مغتربين وسطى ضيقة مُعتصَرة، أشبه بحقبة الثمانينات والتسعينات”.
كما قال إن مديري العموم الأوروبيين ذوي أكبر الرواتب على السُّلّم الوظيفي يتعرضون للاستبدال بموظفين أرخص تكلفة.
وحسبما قالته مجلة Middle East Economic Digest التي تقدم أخبار عالم المال والأعمال في الشرق الأوسط وتتقصى وتحلل اتجاهاته، فإن المشاريع التي تبلغ قيمتها أعلى من 81 مليار دولار قد عُلِّقت.
ومن المشاريع التي تم توقف العمل بها؛ معارض مثل متحف اللوفر المزمعٌ إنشاؤه على جزيرة السعديات وكان المفترض أن يفتح أبوابه عام 2012.
أما عقود متحف زايد الوطني وجوجنهايم، اللذين يعدان أساسيين ضمن مساعي أبوظبي لتكون مركزاً ثقافياً في المنطقة، فلم يتم تقديمها بعد.
المنازل خلت من أصحابها
وتقول مونيكا مالك، كبيرة الخبراء الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري إن “الاقتصاد مرتبط جداً بإنفاق الجهات الحكومية وذات الصلة بالحكومة، والتركيز بات على تحقيق تماسك مالي والتأقلم مع بيئة أسعار النفط المتدنية”.
وتكمل: “هناك تباطؤ ملحوظ في النشاط الاقتصادي، ولعل التركيز في عام 2017سيظل على المزيد من التأقلم وإن كان ذلك بوتيرة أضعف”.
أما مؤسسة Fitch للتقييم، فقالت إن إنفاق حكومة أبوظبي تقلص بنسبة 10% خلال العام الماضي، وبنسبة 18% عام 2015، ما أدى إلى تقليل نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي إلى 3.5% العام الماضي بعدما كان قد بلغ 7.6% عام 2015 الذي قبله.
كذلك، سعت الحكومة إلى رفع إيراداتها؛ بغية تعزيز خزائنها.
ففي عام 2016 ارتفعت أسعار الكهرباء على المغتربين بنسبة 30%، فيما زادت تعريفة أسعار الماء والكهرباء على المواطنين الإماراتيين (التي هي أقل) بنسبة 34%.
وهذا هو العام الثالث على التوالي الذي تُفرَض فيه زيادات كهذه في التسعيرات؛ كذلك من المزمع فرض ضريبة مبيعات في الإمارات وغيرها من دول الخليج، لأول مرة في التاريخ، عام 2018.
ويعاني الأجانب المغتربون فرض ضريبة بلدية جديدة مقدارها 3% من قيمة الإيجار السنوي لمساكنهم، يرجع تاريخها إلى فبراير 2016.
ويقول موظف بنكي يعمل في أبوظبي: “بدأنا نشعر بأثر التباطؤ وارتفاع التكاليف، فالناس يغادرون أو يرسلون عوائلهم إلى بلدانهم، كذلك غدت كثير من الشقق في مجمعي السكني خالية لأول مرة منذ سنوات طويلة”.
ومن المتوقع الاستغناء عن المزيد من الوظائف، فيما تنظر الحكومة في ترشيد طيفها الواسع المتنوع من الشركات التابعة لها.
ويقدر الخبراء المصرفيون أنه قد يتم الاستغناء عن 2000 وظيفة؛ بسبب اندماج بنك أبوظبي الوطني وبنك الخليج الأول، بما في ذلك حملة “تفنيش” واسعة وتسريح لكبار موظفي الإدارة باهظي التكلفة، فضلاً عن خفض إنفاق في طول شبكة الفرع الوطني وعرضها.
ومن المزمع أيضاً اندماج كل من “مبادلة” وIpic، الشركتين الاستثماريتين الوطنيتين بأبوظبي، في خطوة تهدف هي الأخرى إلى خفض النفقات.
الآثار والتبعات الناجمة عن هذه التحركات يشعر بها جميع من في الإمارة، فحتى أطباء الأسنان أصبحوا يشتكون من أن العائلات ما عادت تُقبِلُ على أمور مكلفة؛ مثل تقويم أسنان أطفالهم.
ويختم موظف في بنك استثماري بالقول: “بات الكل يطلق على ما يجري اسم (آثار ADIA)”.
ويتجسد ثراء أبوظبي بصندوقها السيادي الذي يقدر حجمه بنحو 800 مليار دولار، لكن إجراءات الحكومة التقشفية تدل على أن بقاء أسعار النفط عند مستويات متدنية لفترة طويلة دفع الحكومة لتنفيذ سياسات حساسة كانت تعتبر من المحرمات في دولة عرفت بالسخاء والإنفاق.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات