التطرف الحاد في الأراء ووجهات النظر، والكراهية التي تنشأ بين أفراد الوطن الواحد، بل بين أفراد الأسرة الواحدة، والخلافات الحادة بين الزوج وزوجته والتي تفضي في النهاية إلى الطلاق المنتشر حاليا في مجتمعاتنا العربية، وكذلك عناد الأبناء، وعقوق الوالدين المتزايد، كل هذا سببه الافتقاد إلى الحوار، وعدم وجود الوعي الكافي والفهم العميق لمعنى الحوار.
وقبل أن نتحدث عن فنون الحوار مع الأبناء، يتعين علينا أن نتعرف عما إذا كنا محاورين جيدين أم أننا بحاجة إلى تعلم مهارة الحوار حتى ننقلها إلى أبنائنا بطريقة صحيحة وسليمة. من هنا سوف نتعرف على ماهية الحوار والفرق بينه وبين المناظرة والجدال، وأهميته وآدابه ومعوقاته، ثم نتحدث عن فوائد الحوار التربوي مع الأبناء وشروطه مع تقديم نصائح يجب مراعاتها أثناء حوارنا مع أبنائنا. ولكي نفهم معنى الحوار الفرق بين كل من المناظرة والجدال والحوار.
الفرق بين المناظرة والجدال والحوار
المناظرة: هي مقابلة بين طرفين؛ كل منهما يريد إثبات صحة وجهة نظره، وإبطال وجهة نظر الآخر، مع توفر الرغبة الصادقة بظهور الحق والاعتراف به عند ظهوره. وبالتالي فلا مجال للاتهام أو التجريح أو محاولة التضليل. والأمثلة كثيرة على المناظرة، وأشهرها المناظرات التي تتم بين المرشحين الرئاسيين في أمريكا، فكل مرشح لديه برنامجه ولديه من الحجج التي تدعم أحقيته بالمنصب.
الجدال: هو مقابلة الحجة بالحجة حتى ولو كانت زائفة، وذلك بغرض إلزام الآخر برأيه وإفحامه. وهو نوعان: جدال محمود، ويحدث بين طرف يريد إقرار الحق، وآخر يريد تزييف الحقائق وإقرار الباطل،وهنا نجد أن كل طرف لا يؤمن بالطرف الآخر بالرغم من أن أحدهما قد يكون على حق والآخر على باطل.وهو الذي أشار به المولى عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولكن قرنه بشرط هام وهو “التي هي أحسن”، فقال في كتابه العزيز: “وجادلهم بالتي هي أحسن” النحل 125.
والنوع الآخر هو الجدال المذموم وهو الجدال من أجل إقرار الباطل.
الحوار: وسنعرفه انطلاقا من معناه في اللغة وهو “النقاء والتخلص من العيوب، لأن طبيعة الحوار تؤدي بالنتيجة إلى التخلص من العيوب الفكرية من خلال طرح الأفكار المتعددة واختيار الراجح منها”، وهو أيضا ” تبادل لوجهات النظر وللأفكار التي تدور في الأذهان بين الطرفين”.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل الحوار مجرد حديث يدور بين طرفين أم أن له أشكالا أخرى؟
للحوار أشكال متعددة، منها حوار الفرد مع نفسه، فأنت تتحاور مع نفسك وتناقشها في أمر ما للوصول إلى قرار معين، فمثلا عندما تجد نفسك أمام خيارين إما الخروج مع أصدقائك للتنزه, أو المكوث في المنزل من أجل إنهاء الواجبات المقررة عليك، فإنك في هذه الحالة تدخل مع نفسك في حوار تتبادل من خلاله الأفكار وتناقشها حتى تصل إلى القرار الذي تراه مناسبا لك.
وهناك حوار الفرد مع أفراد أسرته وأصدقائه، وفي الحقيقة فإننا في حاجة ماسة إلى إنشاء حوار إيجابي بين أفراد الأسرة لأنه الدعامة الأساسية لتماسك الأسرة، وسنتحدث إن شاء الله في الجزء الثاني من الموضوع عن أهمية الحوار وفوائده في هذا الشأن.
وهناك حوار الفرد مع زملائه في العمل، وهذا النوع من الحوار إذا ما تم بالصورة الصحيحة فإنه يساهم في تدعيم العلاقات بين العاملين داخل المؤسسة بما ينعكس بدوره على الكفاءة الإنتاجية والتميز الذي تصل له تلك المؤسسة.
وأخيرا هناك حوار الفرد مع المجتمع، ويقصد به الحوار مع أي شخص تتعامل معه خارج المنزل، مثل سائق التاكسي أو البقال أو عامل النظافة أو عامل البناء …إلخ.
إذن علينا أن نفرق بين الحوار والمناظرة والجدال، ونقيم أنفسنا متسائلين، هل نحن بالفعل في تعاملاتنا من خلال الدوائر التي ذكرناها نطبق المفهوم الصحيح للحوار؟ أم نتعامل بمنطق المناظرة؟ أم أننا من المجادلين؟
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات