أخطاء الدولة في حراك الريف المغربي

ليس من السهل دائما، فك طلاسم الحركات الاحتجاجية الشعبية التي عرفتها عدة مناطق في الدول المغاربية، كما يحصل منذ شهور في الحسيمة شمال المغرب وما حصل قبله في تطاوين جنوب تونس وقبل ذلك في عدة مناطق من العمق الجزائري، كانت قد عرفت، أحداثا مشابهة، تخللها عنف ومشادات في بعض الأحيان.

ولكن بعدما أصبح ملف حراك الريف المغربي يحظى باهتمام الإعلام الدولي، يجد المغاربة أمامهم حزمة تساؤلات مقلقة حول التطورات المقبلة، خاصة بعدما بدأ ينتقل إلى باقي مناطق المغرب، وبعدما كان ملفا عاديا مقتصرا على مطالب اجتماعية إقليمية (محلية) وهي الحق في التعليم والصحة والشغل.

ويعود تدويل الملف سياسيا وإعلاميا إلى الطريقة الخاطئة التي تعاطت بها الدولة مع الحراك منذ البدء وشكلت الفتيل لتأجيج الوضع، وحسب الكاتب المغربي د. حسين مجدوبي فإن أخطاء الدولة المغربية في معالجة هذا الملف كثيرة، يمكن إجمالها في أربعة أخطاء، ترفض الدولة الاعتراف بها شأنها شأن غيرها من الدول، التي تعتقد أن المحافظة على هيبة الدولة ينطلق أساسا من عدم التنازل للشعب:
أولا : وصم الحراك بالانفصال

فالمغرب يجعل من الوطنية والوحدة الترابية، عندما يعجز عن الحل في بعض الأحيان، سيفا مصلتًا لمواجهة أي حركة سياسية أو اجتماعية، خاصة إذا كانت حركة لا تشارك في اللعبة السياسية من برلمان وبلديات وباقي المؤسسات.

يحدث هذا  على الرغم من مواقفه المتناقضة مثل، سكوته عن سبتة ومليلية المحتلتين، أو الصمت المطبق حول ملف لكويرة.

وبادرت الدولة المغربية عبر عدد من الأحزاب السياسية، إلى اتهام الريف بالعمل وفق أجندة خارجية تهدف إلى الانفصال.

وأثارت حفيظة الريفيين الذين حموا المغرب من الاستعمار الأوروبي منذ أواخر القرن الخامس عشر، ونابوا عن السلطة المركزية في فترات تاريخية معينة.

فكيف ستكون نفسية الريفي وهو يتعرض لاتهامات، تبخس دوره التاريخي في حماية البلاد؟
ثانيا: توظيف الدين كسلاح سياسي

يبقى العامل الذي فجّر الحراك بعد سبعة أشهر من التظاهرات الهادئة، هو توظيف الدولة عبر وزارة الأوقاف لخطبة الجمعة خلال الأسبوع ما قبل الماضي، بوصفها ما يجري في الريف من حراك اجتماعي على أنه «زرع الفتنة» في المغرب. يضاف إلى هذا ترويج فرضية ارتباط ناشطي الريف بالشيعة في أوروبا، لإقامة إمارة شيعية في هذا الجزء من المغرب.

ويحذر أئمة وأقلام مقربة من السلطة من تكرار سيناريو سوريا وليبيا في المغرب, وإن كان هذا الخطاب يعتبر بائسا للغاية، نظرا للاختلاف السياسي والعسكري بين أزمات ليبيا وسوريا واليمن وحالة المغرب.
ثالثا: توظيف البلطجية والشبيحة

توظف الدولة مواطنين للتعبير عن وطنيتهم، ويقوم البعض عن اقتناع والآخرون بدافع المال.

ويطلق الناشطون على هذا النوع من المواطنين في المغرب تسمية تبخيسية وهي «العياشة»، وهي كلمة مستوحاة من «عاش الملك».

وكان «العياشة» يقومون بتظاهرات مضادة، لكن خلال الحراك الريفي، شاهدهم المغاربة وهم مكلفون من قبل الدولة, بأوامر صادرة لهم, وفق الكثير من المعطيات والتصريحات، بالاعتداء على المتظاهرين في مدن مثل تطوان وطنجة وفاس وغيرها.

وأظهرت أشرطة كيف يقوم مسؤول، مسنود بالعياشة، في الريف بتهديد الناس إن هم تظاهروا، وتصمت الدولة عن هذه الممارسات.

ممارسات من هذا النوع تحيل المواطن المغربي إلى ممارسات شبيهة لمجموعات في دول أخرى تحمل أسماء مثل البلطجية والشبيحة. 

كما أن هذه الممارسات تزيد من الاحتقان وسط  جزء مهم من الرأي العام المغربي الذي يتساءل: هل دولة مثل المغرب لديها أجهزة أمنية تلجأ إلى ممارسات منتشرة في دول فيها فوضى؟ وأخيرا، هذه الممارسات تسيء إلى مختلف مؤسسات الدولة، خاصة تلك التي يفترض أنها بموجب التعاقد والدستور يجب أن تكون في خدمة الشعب ومن ضمن ذلك توفير الأمن.

رابعا: الفشل في التكهن

هذا هو الخطأ الوحيد غير المتعمد عكس الثلاثة السابقة, إذ لم تكن الدولة المغربية بمختلف إداراتها وأجهزتها الاستخباراتية، ومراكز البحوث التابعة لها، ومنذ انفجار الحراك تتكهن بالتطورات التي سيتخذها حراك الريف.

فقد تعاملت مع هذه التطورات بمفاهيم تعود إلى سنوات خلت، ويتبين أنها لا تمتلك نهائيا ترمومترا واقعيا لقياس درجة الاحتقان وسط الشعب المغربي، جراء ممارسات النهب الممنهج لممتلكات البلاد، ومستوى اليأس وسط الشباب بسبب غياب فرص الشغل، وسخط طبقات واسعة جراء انهيار الطبقة الوسطى وغلاء المعيشة، مع تدهور ملحوظ في قطاعات استراتيجية مثل التعليم والطب والتشغيل. وكل هذا يختذله المغاربة بقولهم «كفى حكرة»، أي وقف احتقار الشعب.
هذه النقطة الأخيرة هي الجوهر، فقد فشلت الدولة في التكهن بتطورات الحراك، لأنها تفتقد لآليات علمية لقراءة المجتمع المغربي، فرؤيتها قديمة؛ أمنية وبوليسية محضة، ولهذا فالحراك يمتد إلى مدن أخرى والى المجال القروي.

في الوقت ذاته، لا تعي الدولة مدى تأثير اعتقال كل من طالب بحقوق اجتماعية أو سياسية على نفسية المواطن المغربي والرأي العام عموما، كما حدث مع زعيم الحراك ناصر الزفزافي ورفاقه، في وقت لا تولي اهتماما حقيقيا لمحاربة الفساد والمفسدين، بل إن بعض من يتولون الحكم والتسيير غارقين في الفساد.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …