أبناء «أماني عثمان» هم من بين 170 شخصًا سجنوا في مصر بسبب الاشتباه في صلتهم بتنظيم الدولة الإسلامية، ويرى العديد من المراقبين أن حملة سلطات أمن الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي ضد من تعتبرهم أنصارًا لتنظيم الدولة الإسلامية، تسير خبط عشواء, إذ تعتقل في طريقها العديد من الأبرياء لإثبات نجاحها في تشكيل عدو تحشد لمواجهته كل دعم سياسي واجتماعي من مختلف شرائح المجتمع المصري.
تقول «أماني عثمان» الجالسة على مقهى في القاهرة لمحرر صحيفة جارديان البريطانية: «أهؤلاء هم الإرهابيون؟»، وتظهر فيديو لطفليها يلعبان تنس الطاولة بينما كانا في عطلة في الكويت.
وتسخر «أماني عثمان» من فكرة أن ولديها يمكن أن يكونا حقًا متطرفين، ورغم ذلك فإن « عمر» و«أحمد»، اللذين شوهدا في شريط الفيديو يمزحان وهما يضربان الكرة ذهابًا وإيابًا، موجودان في سجن مصري حيث ينتظران المحاكمة منذ عامين تقريبًا.
«عمر»، الأكبر، هو واحد من بين المدعى عليهم الذين يواجهون مجموعة اتهامات مرتبطة بالدعم الأيديولوجي والمالي لتنظيم الدولة الإسلامية، ويتهم ابنها الأصغر «بالانتماء إلى جماعة محظورة».
وتقول أسرهم ومحاموهم إنهم أبرياء، ويزعمون أن الشيء نفسه ينطبق على كثيرين آخرين في لائحة الاتهام، وكانت قضيتهم، رقم 247، قد حولت إلى محكمة عسكرية في وقت سابق من هذا العام، مما يعنى أن المحاكمة ستجرى سرًا ولا يمكن الطعن فيها.
وكثيرًا ما يتعرض الشبان المعتقلون لخطر قضاء جزء كبير من حياتهم في نظام متاهة السجن في مصر بناء على اتهامات غامضة وغير واضحة، ويخضع الكثير من الطلاب للمحاكمة في قضية 247 ولكن الأسر والمحامين يقومون بحملات من أجل السماح لهم بإجراء امتحاناتهم في السجن.
وتبين هذه القضية كيف تتعامل السلطات المصرية مع تهديد تنظيم الدولة، فقد استهدفت حملة واسعة النطاق الآلاف من الناس، وغالبا في المناطق التي يوجد فيها دعم لجماعة الإخوان المسلمين، التي كانت في السابق تمثل الحزب الحاكم، ولكن بعد الانقلاب العسكري في مصر تصفها السلطات بأنها جماعة إرهابية!
خلط متعمد
ويرى المراقبون أن رغبة السلطات المصرية في الخلط بين جماعة الإخوان المسلمين وتنظيم الدولة خلقت غموضًا خطيرًا، ومنذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في عام 2013، شنت مصر حملة اعتقالات ضد المجموعتين، وفي الوقت نفسه، وضعت البلاد نفسها كشريك إقليمي حيوي في مكافحة تنظيم الدولة, وهو موقف رحبت به إدارة «ترامب».
وفي صيف عام 2015، اختفى «عمر»، 23 عاما، أثناء عطلة في الكويت، وأبلغت السلطات الكويتية أسرته بأنه تم اعتقاله بناء على طلب السلطات المصرية بسبب «جريمة إلكترونية»، وقد افترضوا أن هذا يعني نشر رسائل ناقدة في فيسبوك.
ثم نقل «عمر» سرًا إلى مصر حيث تمكنت أسرته بعد عدة أشهر من تعقبه إلى مبنى لاظوغلي سيء السمعة بالقاهرة.
وقد سجن الكثير من الأشخاص بسبب اتهامات سياسية زائفة, وبنت سلطات الأمن 16 سجنًا جديدًا، وجاءت مصر بعد الصين وتركيا في قائمة سجن الصحفيين, كما حجبت الحكومة مواقع إلكترونية جديدة.
أوضاع مروعة
يقول «مختار عوض»، وهو باحث في موضوع التطرف في جامعة جورج واشنطن: «من المحتمل جدًا في مصر، كما هو الحال في البلدان الأخرى التي تستهدف المتعاطفين مع تنظيم الدولة الإسلامية أن يتم القبض على أشخاص ليست لديهم علاقة تذكر بالتهم أو لأنهم ببساطة يعبرون عن آراء متطرفة -أو ما تعتبرها الحكومة آراء متطرفة- عبر الإنترنت».
ويضيف: «كلما زاد حجم الشبكة، زادت صعوبة العملية، لأنه سيكون هناك عدد كبير جدًا من الناس. ونتيجة لذلك، تقع بعض الشقوق ويخرج الناس من السجن مباشرة إلى تنظيم الدولة».
كان الوضع مروعًا للعائلات، كما تشهد «صابرين عطا»، أم الطالب «أحمد إيهاب النجار»، المدعى عليه في قضية 247.«قبل الفجر مباشرة، عندما كنا جميعا نائمين، استيقظت على صوت كسر باب شقتنا». وتضيف: «وجدت الشقة مليئة بالشرطة. بحثوا في الغرف، وسألوا عن أسماء الجميع. وعندما وصلوا إلى أحمد سألوه أين درس. وعندما قال لهم جامعة الأزهر، أخذوه».
وتؤكد: «أنا أحتقر النظام لفعله ذلك بالشباب».
ومما لا شك فيه أن مصر تواجه تمردًا حقيقيًا ومتناميًا من قبل تنظيم الدولة. وأعلن التنظيم مسؤوليته عن القنبلة التي أسقطت طائرة ركاب فوق صحراء سيناء في أكتوبر 2015، فضلا عن سلسلة من الهجمات الأخيرة على المسيحيين.
وأعلن عبد الفتاح السيسي في يونيو الماضي حالة الطوارئ بعد فترة قصيرة من إعلان التنظيم مسؤوليته عن الهجوم الذي أسفر عن مقتل 30 شخصًا في قافلة كانت تقلهم في مدينة المنيا جنوب مصر.
ووسعت السلطات جهودها للقبض على أولئك الذين يقولون إنهم يؤيدون تنظيم الدولة. ومع ذلك، فإن السرية المحيطة بإجراءات المحكمة تجعل من المستحيل تقريبًا التدقيق في الأدلة التي يزعم أنها تربط 247 متهما بالمجموعة.
ويقول «خالد المصري»، وهو محامٍ يمثل «عمر» وكثيرًا من المتهمين الآخرين: «من وجهة نظري المهنية، بصفتي محاميًا، فإن 80%من المتهمين بريئون».
وفي مذكرة اعتقال «عمر»، المؤرخة في 1 أكتوبر 2015 والتي اطلعت عليها صحيفة جارديان، فإن المساحة تحت بند التهم كانت فارغة، وبعد ذلك أضيف «عمر» إلى القضية 247، متهمًا بالانتماء إلى تنظيم الدولة وتمويله.
وتقول «أماني» «إنه لا يزال يحصل على مصروف الجيب مني، لذا لا أعرف كيف يملك المال لتمويل داعش».
واتهم ابنها في الوثائق بأنه «قيادي» يقدم الدعم المادي للتنظيم بما في ذلك المال والأسلحة.
وتضيف: «نحن عائلة مصرية محافظة متوسطة، ولسنا متشددين على الإطلاق. أنا لا أرتدي النقاب، وزوجي ليس متدينا».
وتقول العائلات التي يُحتجز أبناؤها إن الاعتقالات اتبعت النمط التالي: يتم سحب شاب واحد والضغط عليه لإعطاء أسماء أصدقائه، ومن ثم يتم اعتقال أصدقائه بعد ذلك بوقت قصير، وغالبا يكون الطلاب في نفس الجامعة أو من شبكة اجتماعية طويلة، والنتيجة هي مجموعة من الاعتقالات في المناطق المرتبطة بدعم جماعة الإخوان المسلمين.
وتقول «أماني» إنه رغم ذلك يبدو أن الاستراتيجية عشوائية بشكل ملحوظ، «في العيد الأخير، اقتحم أمن الدولة منزلنا في الثانية صباحا، بعد فترة طويلة من اعتقال أبنائنا …..سألني ضابط الشرطة أين أبناؤك. أجبت:أين أبنائي؟ أخذتم واحدًا قبل عام والآخر أخذتموه الأسبوع الماضي!».
القمع في عهد السيسي يفوق مبارك
يذكر أن مجلة «إيكونوميست» البريطانية تناولت في تقرير خاص مؤخرًا القمع الذي يمارسه عبدالفتاح السيسي، تحت عنوان: «أسوأ من مبارك»، مشيرة إلى أن السيسي استعاد النظام ولكن بتكلفة قمعية كبيرة.
وقالت إن السيسي يصور نفسه كحامٍ لمصر، لكنه يحول منتقديه إلى أعداء للدولة، ويشدد من قبضته الأمنية مستغلاً حاجة المصريين إلى النظام والاستقرار، وهو يبدو أكثر اهتماما بترسيخ سلطته، ولكن قد تتسبب ممارساته في هزيمة ذاتية له، فلم يعد أمام المصريين الآن إلا القليل من المنافذ للتعبير عن مظالمهم.
واستعرضت المجلة قول السيسي: «ليس لدينا رفاهية القتال والخصومة»، لكنها قالت إن «عاداته الاستبدادية تركت مصر تبدو كثيرا مثلما كانت قبل الربيع العربي، وقتما كان يحكم مصر حسني مبارك، الرجل العسكري الآخر، بقبضة حديدية، بل إن الكثيرين اعتبروا أن القمع الآن أكثر سوءًا».
وقارنت بينه وبين مبارك قائلة: «عندما واجه المصريون قمعًا مماثلاً في الماضي، وجد بعضهم طرقا عنيفة للتعبير عن آرائهم، وأن تفجيرات الجماعات المتطرفة التي باتت أكثر شيوعا، تمنح السيسي أسبابًا أكثر لإحكام قبضته، وأن الشعار المناصر للحكومة يقول: على الأقل لسنا العراق أو سوريا».
واستعرضت المجلة تفاصيل قمع نظام السيسي، مؤكدة أن ثمن الاستقرار الذي يتحدث عنه السيسي باهظ عبر قمع معارضيه دون كلل، ووضع آلاف عديدة من المعارضين، سواء كانوا علمانيين أو إسلاميين، داخل السجون، كما قُتل ألف على الأقل.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات