أوهام السلام بين المبادرتين .. العربية والفرنسية

برزت المبادرة العربية للسلام في عام2002  حيث أطلقها ولي عهد السعودية آنذاك الأمير عبد الله بن عبد العزيز في قمة بيروت وسميت أيضا بالمبادرة السعودية، وجاءت نصوصها مستوحاة من القرارين 242 و338 الصادرين عن مجلس الأمن, ومحاكية لبنودهما مع أن دولة الاحتلال الصهيوني رفضت هذه القرارات وقت طرحها.
 مضمون المبادرة العربية يحتوي علي انسحاب دولة الاحتلال إلى حدود  1967والتوصل لحل عادل لملف اللاجئين وفق القرار194 للجمعية العامة للأمم المتحدة, وأن تقام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية علي حدود العام 1967 وعند قبول دولة الاحتلال الصهيوني بهذه المبادرة فإن الدول العربية ستعتبر النزاع العربي الصهيوني منتهيا وتنشأ علاقات طبيعية مع دولة الاحتلال.
وقد صرح السياسي الصهيوني أوري سفير وهو من مخططي اتفاق أوسلو “أن مبادرة السلام العربية هي مبادرة جدية ويجب على إسرائيل أن تسير نحو المبادرة العربية”.
 إن مكيدة تغيير الحقائق على الأرض مهمة وهي من أجل خلق واقع جديد وهذا الواقع جعل الدول العربية تهرول وتتغني بالرغبة بالسلام مع دولة الاحتلال الصهيوني، فالمبادرة العربية لا تعطي الشعب الفلسطيني إلا قطعة من أراضي فلسطين التاريخية وتعطي دولة الاحتلال الضوء الأخضر في انتزاع أراضي فلسطين التاريخية باسم السلام وبمباركة المبادرة العربية للسلام والموافقين عليها.
وستخرج إسرائيل من عزلتها الدولية باعتبارها دولة احتلال إلى دولة تربطها بالعرب علاقات اقتصادية وسياسية وستطبع العلاقات مع اعتراف كامل بدولة الاحتلال كدولة جوار, والمجتمع الدولي يدعم مبادرة السلام العربية متمثلا في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي وروسيا والأمم المتحدة لأنها تتيح للمجتمع الدولي إغلاق ملف الصراع العربي الصهيوني إلى غير رجعة.
وعن ردود فعل النخبة السياسية في دولة الاحتلال الصهيوني تجاه مبادرة السلام العربية منذ انطلاقها في 2002، نجد أن رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق ارئيل شارون رفضها، أما وجهة نظر ايهود أولمرت الذي شغل منصب رئيس الوزراء فجاءت مختلفة, فقد اعتبر أن المبادرة العربية تحتوي على بعض الجوانب الإيجابية، وعلى صعيد متصل جاء رأي رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو الذي اعتبر أن المبادرة العربية ستساعد علي اصلاح المفاوضات مع الفلسطينيين ولكنها تحتاج لتعديل لتناسب التغيرات علي الأرض منذ 2002، وبرزت تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بأن رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو أبدي خلال زيارته الأخيرة لروسيا القبول بمبادرة السلام العربية من دون تعديلات، إلا أن ديوان نتنياهو نفى أن يكون الأخير أبدى الاستعداد لقبول مبادرة السلام العربية دون تعديلات.
أما المبادرة الفرنسية فماهي إلا صورة أخرى للمبادرة العربية بصياغة مختلفة مع اختلاف بسيط قليلا، وقد جاء مؤتمر باريس في 3 يونيو /حزيران الجاري محاولة للدفع بالورقة الفرنسية بحضور كل من بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلا أن الوعود المالية لم تغرِ نتنياهو للقبول بالورقة الفرنسية فقد رفض المبادرة الفرنسية وأبلغ ذلك لجان ايرولت وزير الخارجية الفرنسية ومانويل فالس رئيس الوزراء مما جعل مؤتمر باريس شكلا جديدا من أشكال الفشل الدبلوماسي للسياسة الفرنسية في منطقة الشرق الأوسط.
ان المدقق لوجه الاختلاف بين المبادرتين الفرنسية والعربية يجد البنود متشابهة ولكن المبادرة العربية تحتوي على مغريات ومميزات كثيرة لصالح الاحتلال الصهيوني؛ اقتصادية وسياسية، أما المبادرة الفرنسية فتتضمن بندا ينص على أن تكون هناك مواكبة دولية لعملية السلام ورعاية المفاوضات من قبل مجموعة دعم دولية تضم دولا عربية ودول الاتحاد الأوربي وأعضاء من مجلس الأمن. إن نتنياهو لا يرغب في أن تجري المفاوضات تحت رعاية دولية تجنبا لأي التزامات كما أنه يرغب في أن يبقي الفلسطينيون في مجموعة تتمتع بحكم ذاتي.
نتنياهو بموافقته المبدئية على المبادرة العربية سيوقف عاصفة المقاطعة الأوربية لمنتجات المستوطنات التي أضرت باقتصاد الاحتلال وسيظهر بمظهر الراغب بالسلام وسيعمل على احتواء الغضب الفلسطيني المتزايد من الاستيطان, ويحاول التأثير على انتفاضة القدس التي اشتعلت ضد تغول دولة الاحتلال علي حقوق الشعب الفلسطيني.

شاهد أيضاً

محمد السهلي يكتب : الأونروا والعودة.. معركة واحدة

بحكم معناها ورمزيتها ووظيفتها، يصبح الدفاع عن الأونروا معركة واجبة وملحة .. ومفتوحة. ومع أن …