د. فؤاد البنا يكتب: عندما يَتجمّل الإرهابيون بثياب علي بن أبي طالب وصلاح الدين الأيوبي!

تشهد المنطقة العربية انتعاشاً غير مسبوق لحركات التطرف والإرهاب، حيث تمازج وتزاوج عددٌ من العوامل الداخلية والخارجية، ليَخرج من رَحِمها هذا الكائن المَسخ في بلداننا المُتْرعة بالتخلف والمكتظة بالمشاكل، وقد أدى ويؤدي هذا الإرهاب إلى التهام طاقات الأمة وتدمير بُناها التحتية، واغتيال أحلامها وآمالها بالعيش الحر والحياة الكريمة، وتسبّب في تكالب الأعداء عليها من كل جهة واتجاه، حيث انتهزوا هذه الفرصة إن لم يكونوا من صنعوها؛ من أجل تشويه صورة الإسلام ذاته، ومحاربة الأمة برمّتها، والتسابق على خيراتها واستحلال حرماتها.

ومهما تعددت منطلقات الحركات والتيارات الإرهابية، واختلفت مآربها ومقاصدها، فإنها تتفق في التوسل بالعنف، والميل إلى إكراه خصومها على التخلي عن قناعاتهم، وإجبارهم على اعتناق ما تراه حقاً أو التعرض للاجتثاث بكل الأسلحة الممكنة والمتاحة.

وتتفق الحركات الإرهابية أيضاً في الاتكاء على مرويات تأريخية واهية، والاستقاء من مقولات تراثية سقيمة، دون أدنى تروٍ أو تمحيص.
وفي هذا الصدد فإن هذه الحركات تستحضر أسماءَ أعلامٍ كبار، ملؤوا جنبات التاريخ الاسلامي بالفخار، ولعبوا دوراً مشرقاً في تأريخ الأمة الوضّاء، حيث تُمزّق هذه التيارات سيرة أولئك الأعلام العظام وتسحقها سحقاً في رحى التزييف والتزوير، ثمّ تذُرُّ رمادها في وجوه عامة الناس، حتى لا يرون الحقائق والوقائع كما هي، بل كما تريد هذه التيارات، وتتخذ منها أدوات ومساحيق لتجميل وجوهها القميئة وتسويق أفكارها العصبوية الباطلة.

وفي هذا الدرب الزَّلِق وجدنا الشيعة يتذرّعون بأسماء علي بن أبي طالب والحسين وزيد وغيرهم، للضحك على ذقون الطيبين واستغفال الساذجين، وبالحديث عن ولاية آل بيت النبي صلى الله عليه وآله لذرّ الرماد في العيون، حتى تصاب بالعمى, ومن ثم تُسلّم قيادها لأهل الزيغ وتنقاد لأهل الضلال.

ومع أن أهل السنة لا يسمح لهم فكرُهم المستنير بالسير في طريق الغواية هذا، إلا أن تأريخنا يحكي أن تيارات عديدة قد ظهرت في هذا الطريق، واتخذت من ثياب بعض الرموز الدينية في التاريخ الإسلامي، أداةً لستر عوراتها القبيحة وإخفاء فتوقها الكبيرة، وتسويق باطلها وعصبياتها الجاهلية الضيقة على حساب الأمة، ابتداءً من الذين رفعوا (قميص عثمان)؛ من أجل سلب حق عليّ في الولاية، ووصولاً إلى بعض الحركات الإرهابية التي انحدرت من كردستان وتحاول التجمل بسيرة صلاح الدين، وتريد أن تتخذ من تضحياته سُلّماً للوصول إلى تحقيق مآربها الدنيئة!

ومن هنا فإن الواجب على تيارات السماحة والاعتدال في الأمة، يُحتّم عليها أن تنتفض ضد هذا العبث، وأن تثور ضد الجاهليات التي تستفيق اليوم تحت تأثير أصوات العصبيات، وأن تتصدى بكل ما أوتيت من قوة لحركات العنف والاعتلال، وذلك بفضح دعاواها الكاذبة، وبيان تهافت أفكارها الركيكة، وفضح انحطاط أساليبها ووسائلها، ومن ذلك فضح ادعاءاتها التأريخية، وإبراز البون الشاسع الذي ينتصب بينها وبين الرموز التاريخية التي تزعم الانتماء إليها.

وفي هذا السياق فإننا نتساءل بحرقة: هل كان الإمام علي أو الحسين أو غيرهما يستبيحون دماء مخالفيهم من المسلمين؟ أم كانوا يصونون دماءهم وأعراضهم وأموالهم؟ ألم يصن الإمام علي دماء الخوارج ويُحرّم أموالهم وهم الذين حاربوه، وعندما تمكنوا منه قتلوه؟ ألم يُسئل عن الخوارج: أكفارٌ هُم؟ فقال: بل إخوانُنا بغَوا علينا؟

ونتساءل بذات الحرقة والاستنكار: هل كان صلاح الدين الكردي يجاهد من أجل تحقيق وحدة أمة الإسلام أم من أجل تحقيق أجندة الغرب بفصل الأكراد عن جسم أمتهم؟ وهل كان يجمع طاقات الأمة من أجل مواجهة الصليبيين الذين احتلوا فلسطين, أم يستعين بمخططات الصليبيين واليهود من أجل تقسيم المُقسّم وتمزيق المُمزّق؟

ويؤكد واقعُنا اليوم بأن ميل كثير من الحركات القومية واليسارية إلى التلفُّع بالشعارات الدينية والتمسُّح بالرموز التاريخية، برهان كبير على أن الأمة تتجه نحو الإسلام، وأن المستقبل لهذا الدين، لكنه دليل أكبر في المقابل على جهل هذه الأمة بدينها، وانقيادها لمن يقودها من خطام عواطفها وغرائزها الجَمْعية، حيث تستجيب لكل ناعق وتتجاوب مع كل دعي، ذلك أن صحوتها ما تزال صحوة عاطفية انفعالية، ولم تنتقل بعد إلى يقظة العقول الواعية، وتثوير الأعمال الحضارية البنّاءة؛ بسبب افتقارها للوعي وفقدانها لبوصلة الفكر.

إن جهل الأمة بدينها وواقعها قد جعلها مطيةً ذلولاً لكل دَعيّ ارتدى ثياب الدعاة، وجعلها فريسةً سهلةً للذئاب التي لبست أسْمالَ الحمْلان؛ مما يستدعي اهتماماً بالغاً من أهل الفكر والاعتدال بالفكر، ويستوجب منهم العمل الحثيث من أجل توسيع مساحات الوعي، حتى تتسع مساحات الطائفة القائمة بالحق، وتضيق الأرض بما رَحُبت على أهل العصبيات الطائفية المذهبية، والسلالية والقومية، وحتى تعود خير أمة أخرجت للناس تملأ الأرض خيراً وعدلاً، كما فعلت في عصور السعادة والضياء، بعد عصور من الظلام والضياع.

____________

رئيس منتدى الفكر الإسلامي وأستاذ العلوم السياسية جامعة تعز- اليمن

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : مغزى قفزة الدولار في مصر وسر عدم تدخّل البنك المركزي

بات السؤال الملح في مصر الآن ليس عن أسباب قفزة سعر الدولار فلها أسبابها المنطقية، …