قررت الحكومة هدم الحي السادس بأكمله، وهو أحد أشهر أحياء منطقة مدينة نصر بالقاهرة، والتي تقع في الطريق إلى العاصمة الإدارية الجديدة.
مشكلة سكان عمارات التعاونيات في الحي السادس، وهي 125 عمارة تضم 3500 شقة وتقع في مواجهة المركز الطبي لنادي المقاولون العرب على طريق الأوتوستراد، إنها منطقة باتت حيوية في السنوات الأخيرة لوجودها على طريق المحاور المرورية الجديدة المؤدية للعاصمة الإدارية، وكذلك في طريق المونوريل الذي يربط بين العاصمة الإدارية ومدينة السادس من أكتوبر.
المشكلة سرعان ما تفاقمت بعد تداول تصريحات متضاربة لميرفت مطر رئيس حي غرب مدينة نصر، والدكتور إبراهيم صابر نائب محافظ القاهرة؛ إذ قالت الأولى إن الخطة ليست إزالة عمارات التعاونيات فقط، ولكن الحي السادس بأكمله ضمن مخطط تطوير للمنطقة، وإنه تم حصر 4500 وحدة سكنية ومحل تمهيداً لإزالتها.
وذكرت أن الإزالات سوف تبدأ من قسم ثان مدينة نصر حتى محور جيهان السادات، على أن تقام أبراج سكنية جديدة مثلما يحدث حالياً في أراضي مثلث ماسبيرو وحي بولاق وكذلك تصميم محاور مرورية جديدة لحل أزمة التكدس المروري في المنطقة، فيما أكد نائب المحافظ أن كل ما يحدث هو إزالة لمجموعة من العمارات بالحي السادس، لأنها عمارات مر عليها 60 سنة وبالتالي هي متهالكة ومعرضة للسقوط.
المنطقة الملونة المهددة بالإزالة
وفي لقائه مع السكان المتضررين في الحي السادس رفض نائب المحافظ كل الاقتراحات التي عرضها السكان للبقاء في منازلهم، منها تكليف مكاتب هندسية مشهورة ومعتمدة (على نفقة السكان) لفحص عمارات الحي وتقرير مدى صلاحيتها من عدمه، أو وضع خطة لترميم ودهان كل العمارات بالحي ليكون شكلها ملائماً لسكان العاصمة الإدارية والمسؤولين خلال مرورهم على تلك المنطقة في طريقهم إلى العاصمة الإدارية وأيضاً على نفقة السكان، وتمسك الرجل بأن هناك توجيهات صارمة بضرورة إزالة العمارات وبناء أبراج سكنية جديدة عليها مع تعويض السكان.
أحد السكان الذين حضروا الاجتماع مع نائب المحافظ، كشف لموقع “عربي بوست” بعضاً مما طرح فيه قائلاً إن كل الحاضرين شعروا بأن قرار الإزالة تم اتخاذه بالفعل، ولا توجد نية لدى أحد من المسؤولين في الدولة للتراجع أو إعادة النظر فيه.
رفض نائب المحافظ كل الاقتراحات التي قُدمت له رغم تطوع الحاضرين للتأكيد على أن أي إجراء ستوافق عليه الدولة سيكون على نفقة السكان الخاصة؛ تجنباً لتحميل الدولة أي نفقات إضافية، وكل ما عرضه في المقابل مقترحات لتعويض السكان عن قرارات الإزالة.
وتشمل المقترحات منحهم تعويضاً مالياً بسعر المتر في المنطقة، وفقاً لتقييم “المثمن العقاري” الذي نصت عليه تعديلات قانون المنفعة العامة التي أقرها مجلس النواب في سبتمبر/أيلول من عام 2020، أو القبول بإيجار شهري لمدة زمنية معينة، والعودة إلى المنطقة مرة أخرى بعد إعادة تطويرها، أو تسلم وحدة كاملة التأثيث في مشروعات الإسكان التابعة للدولة في مدن مثل السلام والنهضة بالأسعار الجديدة للمنطقة، مع حساب الفارق بين تعويض الوحدات الخاصة بهم والسعر الجديد للوحدة.
وهناك خيار رابع يتمثل في تسلمهم وحدة سكنية جديدة بمجمع “جاردينيا سيتي” السكني التابع للقوات المسلحة بحي مدينة نصر على أن يتم تقسيط الفارق بين ثمن الوحدة القديمة، (غير محدد) والوحدة الجديدة البالغ ثمنها مليوناً و200 ألف جنيه.
ويتداول السكان أقاويل أن قرار الإزالة اتخذه عبد الفتاح السيسي أثناء مروره على هذه العمارات خلال قيامه بافتتاح أحد المحاور الجديدة لكن لا يوجد معلومة رسمية مؤكدة حول هذا الأمر.
اعتراض السكان العنيف على قرار إزالة عمارات التعاونيات غطى على مشكلة أكبر وهي أن خطة الدولة للتعامل مع الحي السادس بأكمله وكذلك الحي السابع غير واضحة، مثلما كشف مسؤول بمحافظة القاهرة فقال إنهم ما زالوا في انتظار ورود التوجيهات بخصوص الشكل النهائي لمخطط تطوير المنطقة.
وهل سوف تشمل الحي السادس بأكمله كما قالت رئيس حي غرب مدينة نصر، أو عمارات التعاونيات فقط؟ وهل سوف يقتصر الأمر على عمارات الحي السادس أم يشمل كل التعاونيات في الأحياء السابع والثامن أيضاً؟ وهل سوف يشمل قرار الإزالة الحي السابع كله أم لا؟ مشيراً إلى أنهم حتى تلك اللحظة يتابعون الأخبار من المواقع مثل المواطنين، وليس لديهم تصور عما سوف يحدث، مرجحاً أن يكون كل ما يقال من مسؤولين في هذا الشأن اجتهادات لا أكثر ولا أقل.
شركة إماراتية اشترت الأرض
أحد السكان قال لـ”عربي بوست” إن إحدى الشركات العقارية الإماراتية اشترت الأرض كاملة من أول طريق المقطم القديم والواصل من قسم ثانٍ حتى البنزينة قبل المقطم وقبل كوبري محور المشير ومن بداية الطريق الجديد للقادم من مهبط كوبري أكتوبر من بداية ورش هيئة النقل العام بالحي السادس، حتى البنزينة قبل المقطم، لتكون الأرض ما بين الطريقين تابعة للشركة العقارية الإماراتية وأنه سيتم هدم مساكن الحى السادس والسابع لصالح الشركة.
“عربي بوست” سألت مصدراً مقرباً من مسؤولي الصندوق السيادي المصري حول حقيقة ما يتردد عن دخول مستثمر إماراتي في تطوير مدينة نصر ومشروعات بناء الأبراج الفخمة الجديدة في الحي السادس والسابع، على غرار ما حدث في مثلث ماسبيرو فأجاب بأن الأمر غير واضح حتى الآن، وليس لدى مسؤولي الصندوق معلومة بوجود مستثمر إماراتي أو من أي جنسية أخرى، وأكد أن الصندوق ليس طرفاً في الموضوع حتى الآن أيضاً، مرجحاً أن يتم إسناد تطوير المنطقة إلى القوات المسلحة بحكم انتشار العديد من الوحدات العسكرية والمدنية التابعة للجيش في تلك المنطقة، وبالتالي من غير المنطقي إدخال مستثمرين أجانب من أي جنسية لإقامة مشروعات في أماكن مصنفة حيوية بالنسبة للجيش المصري.
باحث مطلع بأحد مراكز البحوث الاجتماعية الحكومية قال تعليقاً على الأزمة إن ما يحدث ليس سوى حلقة في سلسلة مطولة من القرارات المشابهة، بدأت بتهجير أهالي سيناء بدعوى مكافحة الإرهاب، ثم تهجير سكان جزيرة الوراق التي تقع في قلب نهر النيل بعد بيع المنطقة إلى مستثمرين إماراتيين، وعندما رفض السكان التهجير تدخل الجيش لهدم المساكن وإجبار الأهالي على الرحيل، فضلاً عن إزالة المناطق العشوائية.
وأضاف أن المخطط يتضمن كما نما إلى علمه إزالة العديد من الأحياء الأخرى في مدينة نصر ومصر الجديدة وربما تصل خطة الإزالة إلى بعض مناطق التجمع ومدينة الشروق أيضاً ومنطقة القطامية، حيث يريد السيسي إعادة تخطيط تلك المناطق بشكل فخم يناسب فخامة العاصمة الإدارية الجديدة بحكم أن تلك المناطق هي المتاخمة والمؤدية للعاصمة.
وأشار إلى أن قانون إزالة الملكية للمنفعة العامة بمثابة سلاح في يد الدول ضد السكان، فضلاً عن أن ما لا يقل عن 60% من مباني وعقارات مصر الجديدة تحديداً يتجاوز عمرها مئة عام، فإذا كانت حجة الدولة لإزالة عمارات التعاونيات أن عمرها يتعدى الـ60 عاماً فهذا يعني أن يجهز سكان مصر الجديدة أنفسهم للرحيل ويبدوا بالبحث عن سكن جديد لهم من الآن.
وتعجب الباحث من دهشة البعض من قرار إزالة الحي السادس أو مناطق فيه، وغضب البعض الآخر من ذلك القرار، مشيراً إلى أن من صمت على قرارات تهجير السكان في مناطق أخرى عليه أن يتذوق الآن وربما غداً طعم التهجير القسري.
وقال إن السيسي يريد بناء مصر جديدة على غرار دبي تتميز بالفخامة، ومن لا يليقون بتلك الفخامة عليهم الانتقال للعيش في أماكن بعيدة عن نظر الرئيس مثل مدن السلام والعبور وغيرها.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات