إشكالية المرأة في الفكر الحركي الإسلامي المعاصر (2)

ذخرت كتب تاريخ الإسلام بأسماء نساء وصلن لأعلى الدرجات في كل مجال؛ في العلم والأدب والفقه.
ولقد مر العالم الإسلامي بفترات انحطاط فكري وهبوط حضاري، تلك الفترات لم تؤثر على وضع المرأة ومكانتها في الأمة والنظرة إليها وحسب، وإنما أثرت في هبوط إنساني شمل الرجل والمرأة، هذا غير هبوط مستوى المنتج الحضاري. وفي تلك الفترات اكتسبت المرأة أوصافا وقوانين فرقت بينها وبين شقيقها الرجل، فحُرمت من تحصيل العلم، وارتياد المساجد، والعمل، ثم بدأت الحركة الإسلامية في النصف الأول من القرن التاسع عشر ثم القرن العشرين ليظهر الطهطاوي ثم الأفغاني ثم محمد عبده ورشيد رضا، ثم حسن البنا الذي يجعل للأخوات قسما بجماعة الإخوان المسلمين التي أنشأها غير أن القائمين عليه كانوا رجالا وليس نساءً، ورأى الدكتور” جمال البرزنجي ” وهو يلخص وقائع ندوة “الحركة الإسلامية في ظل التحولات الدولية” أن ( الحركة الإسلامية عجزت بكافة فصائلها عن أن تطرح قضية المرأة طرحًا إسلاميًا، مستقلاً، بعيدًا عن ضغوط التقاليد والمجتمع، بحيث تقول هذا هو هدي الإسلام، ودور المرأة في المجتمع المسلم) .
وحين نرصد وضع المرأة المتأزم في الفكر الإسلامي نجد وللأسف الشديد أن من يعبر عن تلك المشكلة أقلام الرجال وليس النساء، وكان الأولى أن تقوم المرأة نفسُها بتصدر مشهد المشكلة على اعتبار أنها الأقدر على فهم ما تعانيه خاصة، وما يمكن أن تعطيه للأمة على وجه العموم.
وكان النتاج بعيدا عن الموضوعية في نقل المشكلة، وبعيدا عن الجدية في وضع الحلول لتكون مجرد نظريات غير قابلة للتطبيق في معظم طرح أدواتها.
والحركة الإسلامية جزء من المجتمع الإسلامي الكبير، تأثرت ببعض التقاليد التي نشأت في فترات الانحطاط والتخلف، بل واختلطت العقيدة بالتقاليد والعادات المتوارثة وأصبح البعض يراها دينا يجب اتباعه، منها على سبيل المثال بعض مظاهر الاستبداد، والنظرة العامة إلى المرأة، فقد حاولت الحركة الإسلامية القيام بحركة تطوير وتجديد لكن ظلت فكرة تطوير ملف المرأة بعيدا عن حركة التجديد تلك، فأبعدوها عن مراكز القيادة واتخاذ القرار، على عكس ما كانت عليه في دولة النبوة وحكم الراشدين، ولم تلتفت الحركة الإسلامية لتلك المشكلة إلا مؤخرًا حين ظهرت الحاجة إليها في أوقات المحن التي تعرضت لها الحركة.
ويعلل البعض ذلك بأنه لا توجد الكوادر النسائية المؤهلة لاحتلال تلك الوظائف وفرض نفسها على الساحة، في حين لا يعترف هؤلاء أن كم المعوقات التي توضع أمام المرأة كي تُؤهل أو تفرض ذاتها كبير، منها المناهج المقدمة لتأهيلها، ومنها أن اعتراف الرجل بها غير كافٍ.
 أمر آخر وهو أن المطالبين بتجديد مكانة المرأة في الحركة قد حصروها فقط في العمل النسائي، على عكس ما حباها الله به من قدرات وطاقات تستوعب الكثير من المجالات ومنها ما لا يحتمله شقيقها الرجل.
والحل كما أراه ليس عند المفكرين في الحركة، ولا المنظرين، ولا المؤتمرات، أو مراكز القيادة، الحل يوجد لدى المرأة ذاتها، المرأة التي هي جزء من الصحوة والحركة الإسلامية والتي أثبتت  في وقت أزمات الأمة أنها قادرة علي الصمود والعطاء والإبداع، نجدها في فلسطين ومصر واليمن وتونس وسوريا وقد حملت قضية التحرير لتكون شهيدة، وأمًا لشهيد, وزوجةً لشهيد وأختًا لمجاهد، ومجاهدة تتقدم الصفوف، وتتفهم الواقع وتصمد في وجه المحن بثبات أسطوري، فهي إذن تستطيع أن تفعل طالما أرادت أو أتيحت لها الفرصة مثلها في ذلك كالرجل، بل فاقت بعضهم من الهاربين والمتخاذلين والبائعين والكسالى.
إن على المرأة أن تنتزع ما يسميه البعض حقًا، ولكنه في حقيقته واجب، يجب عليها أن تقوم بواجبها تجاه أمتها ودينها وذلك ببعض الإجراءات:
1 – أن تقوم المرأة المسلمة بتأهيل ذاتها بنفسها، تأهيلا جامعا يتوافق مع احتياجاتها أولا، واحتياجات أمتها ثانيا، بغير انتظار تشجيع من الرجل أو تقديم مساعدة منه، فالخطاب القرآني كان مباشرا لها وله على السواء، فليس عليها طلب المساعدة فيما يخصها، بل القيام بالعمل الفعلي وفرض ذلك علي مجتمعها وحركتها.
2 – أن تقوم المرأة بوضع تصور واضح يخص قضيتها، فقد آن لها أن تكف عن المطالبات والشجب والاعتراض، وتفرض التصور الفقهي الواضح الذي يخرجها من دائرة المتفرج المنتظِر، تصور يقدم حلا واقعيا مستمدا من روح الشرع، يعبر عن العمق في الفهم والشمول المعرفي, وفقه واقع أمتها، وأن يكون ذلك بتعاونٍ نسائي داخلي, لا نسائي رجالي، تتعاون فيه صاحبات الفكر على مستوي العالم العربي والإسلامي لتكون الفكرة أوقع وأكثر عمقا، مستفيدين في ذلك من التجارب المتعددة الواقعية تاريخيا وحاليا لوضع ذلك التصور المستقبلي, تشترك فيه العقول المختلفة في كافة أنحاء العالم الإسلامي المترامي الأطراف، والمفكك جغرافيا وفكريا. والتجربة العملية للمرأة في القرن الأخير تعطيها الخبرة الكافية والقدرة علي وضع ذلك التصور وفرضه على الواقع العام.
3 ــ  على المرأة المسلمة أن تعرف معنى التوازن بين حياتها كزوجة ودورها في الحياة العامة، فحال المرأة الواعية قبل الزواج يختلف عما بعده بمراحل، وكأن شخصيتها تتبدل واهتماماتها تتغير بصورة كبيرة، فتكون مجرد تابعة للرجل، تتخلى عن عقلها وفكرها وحيويتها لتصير منفذا لفكره، أو تحصر اهتماماتها لتتحرك في نطاق لا يتعدى جدران البيت،  وقليل جدا من تستطيع أن تتفادى الوقوع في ذلك الفخ إن أسميناه مجازا بهذا الاسم، ولذلك لا نجد أسماء مبدعات في المجالات المختلفة إلا ربما كن معدودات على أصابع اليد الواحدة، تكون الواحدة منهن قد تجاوزت مرحلة الشباب من العمر وذلك لانشغالها في بداية الحياة بأعباء البيت كاملة منفردة، ولا أنكر أن المرأة في ذلك الوقت تحتاج لمعاونة الزوج لكي تتخفف قليلا من تلك الأعباء طالما رأت عندها القدرة على الفكر والعمل والإبداع.
إنني حين أتوجه بحديثي نحو المرأة لا أعفي أيا من الأطراف في تهميش دور المرأة؛ الأسرة والمجتمع ونظام التعليم وتوجه الحكومات والموروثات ومفكري المسلمين، بل أحمل الحركة الإسلامية والقائمين عليها نصيبا كبيرا في تلك القضية، لكنني أيضا ألقي بالتبعة الأكبر على المرأة التي استطاعت بالفعل حين دعا داعي الجهاد أن تفاجئ الجميع وتقف على ثغرات متعددة، والثورات العربية مؤخرا خير شاهد, ورفع راية الجهاد في بعض بلاد المسلمين خير شاهد على ذلك كذلك.
لقد آن الأوان أن تقوم المرأة في الحركة الإسلامية بالتكليف الموكل إليها من السماء، وآن للقائمين على الحركة الاعتراف بقدرتها على الصمود والثبات والتجديد والإبداع إن هي توفرت لها أجواء الحرية المناسبة فالأمة تمر بفترة تحتاج فيها لكافة سواعد أبنائها، وكافة العقول والقلوب المخلصة الواعية دون تعطيل لطاقة كامنة لدى المرأة يمكن أن تكون تلك الطاقة بناءة، أو يستخدمها أعداء الأمة لتدمير ذاتها.
اسأل الله لأمتنا النهضة والسلامة وأن تجد تلك الهمسة آذانا مصغية قبل فوات الأوان.

شاهد أيضاً

هيئات إسلامية: خطة ترامب تصفية للقضية الفلسطينية

أصدر عدد من المؤسسات والهيئات العلمية والدعوية، إلى جانب عشرات العلماء من مختلف الدول العربية …