قالت مجلة «ذي إيكونوميست» إن توقيت رفع الحظر عن قيادة السعوديات للسيارات جاء للتغطية على حملة اعتقال المعارضين، معتبرة أنه ينبغي على ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، أن يتعلم كيفية النقاش والتسامح مع وجهات النظر المعارضة له.
وفي تقرير مطول لها أضافت المجلة البريطانية: «لقد كافح علماء الدين في السعودية؛ مهد الإسلام، لعقود طويلة من أجل تبرير حظر قيادة النساء للسيارات, ومن أجل ذلك بحثوا عن مبررات غريبة».
وتابعت: «قال بعض علماء الدين (في المملكة) إن المرأة غبية. وقال البعض الآخر إن جلوس المرأة خلف مقود القيادة قد يحرف نظر السائقين الرجال ويدفعهم لارتكاب حوادث.
وبرر فريق ثالث الحظر بأن خروج المرأة بالسيارة سيسهل وقوعها في الزنا.
وقال أحدهم إن القيادة تدمر خصوبة المرأة.
لكن لم يجد أي منهم آية قرآنية تبرر الحظر لأن ذلك – ببساطة -غير موجود ببساطة».
وعلى خلاف ذلك، تضيف المجلة أن «دعاة الإصلاح قالوا إن النساء في الأيام الأولى للإسلام كن يركبن الحمير بدون أن يتسببن في الموت أو الدمار».
لذا فإن الأمر الملكي، الذي صدر في 26 سبتمبر الجاري، والذي سمح للسعوديات بقيادة السيارة مرحب به، وإن جاء متأخرا، حسب المجلة.
واعتبرت إيكونوميست أن القرار «سيمنح المرأة الحرية التي تتمتع به الأخريات ويرونها حقا. وستكون له منافع اقتصادية، من ضمنها توفير ما كانت تتكلفه الأسر السعودية في تأجير سائق، فضلا عن تسهيل خروج المرأة من البيت للتسوق وسوق العمل».
كما سيجعل القرار السعودية أقل استثنائية؛ فلا توجد دولة في العالم تمنع المرأة من قيادة المرأة لكنه لا يزيد عن كونه بداية، وفق المجلة.
وأشارت «إيكونوميست»، في هذا الصدد، إلى التحالف الذي تم بين الملك عبد العزيز آل سعود؛ مؤسس المملكة, والشيخ محمد بن عبد الوهاب، في أوائل القرن الماضي، وهو التحالف الذي يحكم المملكة منذ إنشائها، وتم من خلاله تسيير شؤون المملكة وفق نهج محافظ.
وتتطرق المجلة إلى التحويلات التي شهدتها المملكة في الأشهر الأخيرة، وترى أن من يقف وراءها هو ولي العهد محمد بن سلمان.
ووصفت «بن سلمان» بأنه شخص جريء، منحه والده السيطرة على كل شيء تقريبا بما في ذلك الاقتصاد والدفاع.
وقالت إن الأمير الشاب الطامح في العرش رسم خطة لتنويع اقتصاد البلاد عوضا عن الاعتماد عن النفط فقط كمصدر رئيسي للدخل (في إشارة إلى رؤية السعودية 2030).
ومن هنا جاء الانتباه للمرأة؛ العنصر البشري؛ فرغم العدد الكبير من النساء المتخرجات من الجامعات إلا أنهن لا يشكلن إلا نسبة 15% من سوق العمل.
تغييرات في بنية المجتمع السعودي
وتحدثت «إيكونوميست» عن تغييرات أخرى في بنية المجتمع السعودي المحافظ، فقد حد بن سلمان من سلطة رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذين كانوا يلاحقون النساء لأسباب تافهة مثل طلاء الأظافر، وسمح بتنظيم الحفلات الموسيقية، وهناك حديث عن خطط لفتح دور للسينما في البلاد.
لكن المجلة رأت أنه لا تزال هناك حاجة إلى إصلاح نظام الولاية الذي يعطي الرجل سيطرة كاملة على شؤون المرأة وحياتها, حسب قولها, وقالت إن «الخطوة المقبلة يجب أن تكون إلغاء ولاية الرجل على المرأة، والحد من تأثير رجال الدين الوهابيين على النظام التعليمي والاجتماعي».
وتطرقت «إيكونوميست» إلى بعدٍ آخر لقرار رفع الحظر على قيادة السعوديات للسيارة، واعتبرت أن القرار جاء لتحويل الانتباه عن حملة قمع المعارضة في الداخل، مشيرة إلى أن المعارضين للنظام السعودي يضمون إصلاحيين، وحتى علماء دعوا إلى رفع الحظر عن قيادة المرأة للسيارة.
وانتقدت المجلة أسلوب إدارة التحولات الاجتماعية في المملكة من قبل «بن سلمان»، مؤكدة أن «اللبرلة الاجتماعية يتم إنجازها من خلال طرق لا ليبرالية وبدون تناسق».
وأضافت أن «بن سلمان هو من يقف وراء الدعوة الإصلاحية، لكنه أظهر أحيانا أنه يتصرف بتهور، فقد شن حربا وحشية في اليمن، وقاد حملة دبلوماسية ضد قطر بدون تحقيق نتائج، ومن ثم التفت إلى معارضيه في الداخل وسجنهم.
الخاسرون
وفي بلد يبلغ عدد سكانه 32 مليون نسمة، كان هذا الاقتصاد الفرعي المتعلق بقيادة السيارات جزءا من التغيير, ووفقا لـ «أراب نيوز»، هناك ما لا يقل عن 800 ألف رجل، معظمهم من جنوب آسيا، يعملون سائقين للمرأة السعودية، ويحصلون على رواتب تصل إلى 400 دولار شهريا لكل سائق مقابل الخدمة، بالإضافة إلى العديد من التكاليف الأخرى. وتشير الأرقام التي نشرتها شركة “أوبر” إلى أن ما يصل إلى 80 % من مستخدميها في المملكة من الإناث، في حين أن غيرها من تطبيقات “تشارك الركوب” تعتمد أيضا على المستخدمين الإناث.
وقال «مدثر شيخة»، مؤسس «كريم» لصحيفة لوس أنجلوس تايمز، عام 2015: «تستأجر بعضهن (النساء) من 5 إلى 10 رحلات معنا كل يوم. ولا نرى هذا النوع من حركة المرور في أي مكان آخر».
وإذا بدأت السعوديات القيادة بشكل جماعي، فإن هذه الصناعة سوف تخسر الكثير. وقد يضطر مئات الآلاف من السائقين للبحث عن عمل جديد أو مغادرة البلاد. وعلى الرغم من أن كلٍ من “أوبر” و”كريم” عرضا دعم السائقات الإناث بعد المرسوم الملكي الثلاثاء، إلا أن مستقبلهما الاقتصادي في السعودية يبدو أقل بكثير مما كان عليه قبل أسبوع.
الرابحون
لكن إذا كان أولئك الذين يقدمون خدمات القيادة في المملكة يواجهون نوعا من التشكك حول مستقبل عملهم، فإن أولئك الذين يبيعون السيارات هم أكثر أملا في ما هو قادم. وليس من المستغرب أن شركات صناعة السيارات مثل فورد وفولكس فاجن أصدرت، فور إعلان المرسوم، إعلانات تهنئة للمرأة على سياسة القيادة الجديدة, واستخدمت السعوديات وسما على “تويتر” لمناقشة نوع السيارة التي قد يرغبن في شرائها.
ومن الصعب التأكيد على أن هذا القانون سيتبعه ارتفاع في معدل شراء السيارات. وقد توفر الأسر الأكثر ثراء المال عن طريق السماح للسائقين بالذهاب، لكن الكثير منهم يمتلكون بالفعل سيارة قد يستخدمها أفراد الأسرة. وفي الوقت نفسه، قد لا تتمكن الأسر الفقيرة من تحمل تكلفة سيارة جديدة، ناهيك عن التكاليف الأخرى التي قد تشمل تعليم القيادة.
وسيعتمد الكثير على كيفية قيام المملكة بتنفيذ سياستها الجديدة في مجال القيادة, وتقوم لجنة بتحديد كيفية تنفيذ المرسوم الملكي. ويبدو أن قوانين الوصاية الصارمة في المملكة ستبقى كما هي، وهو ما قد يعرقل حصول المرأة على رخصة القيادة إذا حرمها من ذلك أقاربها الذكور!
واختتمت المجلة تقريرها قائلة: «من الصعب أن يحقق بن سلمان ما يريده من خلال أمر ملكي، بل عليه أن يتعلم التسامح مع النقاش والخلاف والتحرك فيما بعد نحو شكل من المشاورة الديمقراطية».
ومع ذلك، يحتاج التغيير أيضا إلى دراسة في ضوء محاولات الرياض المستمرة لإعادة تصور مستقبل الاقتصاد السعودي لحقبة ما بعد النفط. فبمجرد السماح للبلد بأكمله بالقيادة، يمكن أن يكون لذلك تأثير اقتصادي كبير وقد يدر بعض المال في الاقتصاد المتعثر.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات