اتحاد المغرب العربي.. حلم يتبدد على عتبات غياب التوافق

أعلن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة تمسك بلاده بالاتحاد المغاربي، متمنياً مزيداً من العمل من جانب نظرائه المغاربيين من أجل تحقيق أهداف «معاهدة مراكش».

وأتت كلمات الرئيس الجزائري في برقيات إلى قادة بلدان المغرب العربي، وكأنها رد على خطاب ملك المغرب محمد السادس في قمة الاتحاد الأفريقي الأخيرة التي شهدت عودة الرباط إلى الأسرة الأفريقية، حين أطلق أشارات إلى نهاية الاتحاد المغاربي، بينما تتمسك الجزائر بهذا الهيكل على رغم أن علاقتها به هي ذاتها بالنسبة إلى بقية أعضاء الاتحاد.

وقال بوتفليقة في برقيات تهنئة إلى قادة دول اتحاد المغرب العربي بمناسبة الذكرى الـ28 لتأسيس الاتحاد، إن حلول هذه الذكرى «العزيزة علينا تُعدّ فرصةً سانحة للتمعن في حلم شعوب منطقتنا المغاربية ببناء صرح وحدوي يدفع بتنمية وازدهار شعوبنا ويساهم في رفع كلمة ومواقف مغربنا العربي ضمن مختلف التجمعات الإقليمية والجهوية والقارية التي تميز عالمنا الحالي».

برقيات بوتفليقة طارت إلى كل من ملك المغرب محمد السادس والرئيس التونسي الباجي قايد السبسي والرئيس الموريتاني محمد ولد عبدالعزيز ورئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فايز السراج، قائلا إن «اتحاد المغرب العربي يتوقف اليوم على بذل مزيد من الجهد والعمل بغية تحقيق روح وأهداف معاهدة مراكش التي أسسته».

وذكّر بوتفليقة بـ «عزم بلاده واستعدادها لبذل مزيد من الجهود والتعاون مع بقية الشعوب والقيادات المغاربية الشقيقة لكي يكرّس الاتحاد المغاربي وجوده أكثر فأكثر ويأتي بمساهمته خدمة لوحدة الأمة العربية والاتحاد الأفريقي».

الأمين العام لمجلس الشورى المغاربي الدكتور السعيد مقدم, أقرّ بأن الوضع الحالي للاتحاد المغاربي مؤسف ومثير للإحباط، داعياً إلى مراجعة جذرية لمعاهدة مراكش التأسيسية في العام 1989، لإعادة بعث الروح في هياكل المنظمة المغاربية التي تتطلّب رؤية جديدة ومعاصرة، للعمل الوحدوي المشترك بين البلدان الأعضاء.

رسائل متبادلة بين الرؤوساء

مراقبون ومحللون توقفوا عند رسالة العاهل المغربي الذي استهل بها خطاب عودة بلاده إلى الاتحاد الإفريقي بعد قطيعة دامت ثلاثاً وثلاثين سنة، باعتباره قد نكأ الجرح المغاربي، وذكّر شعوبه بالحقيقة المرّة، المتمثلة في موت هذه المنظمة التي لم تعمر طويلاً.

فقد استبق الملك المغربي الذكرى الثامنة والعشرون ليرسل رسالة للقادة المغاربة، مضمونها أن بقاءهم على حالة التشرذم لن يخدم شعوبهم، خاصة أن التكتلات القريبة منهم تزداد اندماجاً وتقدماً.

ولأن الدول المغربية هي التكتل الوحيد العاجز عن تفعيل هياكله، والتكتل الأقل اندماجاً في العالم فقد اعتبر أن التجربة منتهية، وأن مشكلات الدول المغاربية غير متجانسة، وأن التنسيق منعدم.

محللون يرون أن تكتل “الاتحاد المغربي” الذي تم إعلانه في مراكش بالمغرب في 17من فبرايرعام 1989، لم يستطع أن يحقق التكامل الاقتصادي والاندماج بين الدول الخمس, بل إن الخلافات السياسية بين بعض دوله، كانت معطلة لهياكله, ولعل أحد أهم هذه الهياكل المعطلة هي مؤسسة الأمانة العامة, التب تبدو غائبة عن المساهمة، ولو بالحد الأدنى في حل الأزمة الليبية.

هذه الوضعية يبدو أنها باتت تثير حفيظة التونسيين، وتنصيب أمين عام تونسي، لم يعد يجدي نفعاً.

الشعوب المغربية اعتادت أن تتذكر هذه المنظمة، ببيان يتيم يصدر عن مؤسسة الأمانة العامة في ذكراها، وسط غياب الحد الأدنى من الاهتمام الإعلامي، أو السياسي بأهمية هذا التكتل لشعوب المنطقة.

الحقيقة المرة تقول إن نسبة التجارة البينية بين دول الأعضاء في حدود ثلاثة %، هي نسبة لا تمكن من بناء اندماج اقتصادي.

ورغم الفرص الذهبية المتوفرة في هذه المنطقة الجغرافية الشاسعة، إلا أن الوعي بهذه الثروة مازال لم يرتق إلى ثورة في الأداء التكاملي والاندماجي بين دول المغرب العربي ، وتظل الشعوب تدفع فاتورة الواقع الأليم.

من خيار استراتيجي إلى حلم ضائع

الكاتب التونسي رياض بوعزة وتحت عنوان” اتحاد المغرب العربي .. من خيار استراتيجي إلى حلم ضائع” يؤكد أن دول المغرب العربي لم تفلح منذ قيام اتحادها، في تجاوز خلافاتها السياسية والجيواستراتيجية والاقتصادية، وبقيت تجربة الوحدة حبرا على ورق، كما لم تفعّل معاهدة مراكش، وصار تحقيق حلم اتحاد المغرب العربي أمرا مستحيلا في ظل غياب التوافق على القضايا الجوهرية.

ويرى بوعزة أن المتأمل اليوم في واقع اتحاد المغرب العربي بعد 28 عاما من تأسيسه، سيصاب بخيبة أمل كبيرة لما يعانيه من تعثر في مسيرته وجمود في تطبيق الاتفاقيات المبرمة. ويعتقد بأن تأسيس الاتحاد باعتباره خيارا استراتيجيا حمل بذرة فشله منذ البداية، فالأسس التي ارتكز عليها كانت رخوة، ومن المؤكد أن قضية الصحراء المغربية كانت ولا تزال أمّ الخلافات التي أجلت الوحدة.

ويضيف: ثمة مؤشرات كثيرة تدل أن الاتحاد ولد ميّتا، فالعلاقات بين دول المنطقة مرت طيلة العقود الماضية بسلسلة من التقلبات واتجه كل بلد منها إلى رسم معالم علاقات جديدة خارج نطاق الاتحاد، كما لم تعقد أي قمة على مستوى زعماء الدول منذ قمة تونس في العام 1994.

فكل دولة فضلت التعامل مع بلدان أوروبا كشريك رئيسي بدل التبادل التجاري في ما بينها تجاريا، حيث تستحوذ إيطاليا وفرنسا وإسبانيا مثلا على معظم تجارة هذه البلدان الخارجية.

ومن المفارقات أن احتياجات كل دولة من دول المنطقة موجودة عند الأخرى. فليبيا مثلا لديها احتياطي ضخم من النفط يبلغ 74 مليار برميل، وفق وكالة الطاقة الأمريكية. والأمر ينسحب على الجزائر التي ترزح على كميات هائلة من الغاز. أما الفوسفات فموجود عند المغرب وتونس، في المقابل تملك موريتانيا احتياطيا كبيرا من المعادن.

ويتعجب بوعزة لافتا إلى أن كل الترتيبات التنظيمية التي تستدعيها المبادلات التجارية في ما بين هذه الدول مبرمة منذ زمن بعيد، حيث تم التوقيع على أكثر من 40 اتفاقية من بينها توحيد الرسوم التجارية والتبادل الحر وتوحيد الرسوم الجمركية، لكنها بقيت مجرد بروتوكولات شكلية.

فضلا عن أن العديد من الدراسات الاقتصادية أشارت إلى أن الخمول الحاصل يفقد بلدان المنطقة نحو 3 % من نمو الناتج المحلي الإجمالي سنويا، كما يكبدها خسائر في المبادلات التجارية التي لا تتجاوز نحو 6 مليارات دولار سنويا.

ولا تمثل المبادلات التجارية بين دول الاتحاد سوى نحو 5 % من قيمة معاملاتها الخارجية الإجمالية، بحسب الأمم المتحدة. وهو رقم ضعيف إذا ما تمت مقارنته بحجم التجارة البينية في الاتحاد الأوروبي والذي يصل إلى 66 % من الحجم الإجمالي لمبادلاتها التجارية.

جانب آخر يراه بوعزة؛ أن العلاقات السياسية العامل الأول في عرقلة بناء الاتحاد، فإن التاريخ شهد دخول دول المنطقة خلال السبعينات في سياسة المحاور والتحالفات الثنائية بدل العمل الجماعي، فتونس وليبيا أعلنتا في يناير 1974 الوحدة لكن سرعان ما تنصلت منها تونس بعد أشهر، ما أدى لاحقا إلى ما يشبه الحرب الباردة بين البلدين.

كما قامت تونس والجزائر في عام 1983 بتوقيع اتفاقية الأخوة والتعاون في تونس والتحقت بهما موريتانيا بعد ذلك. وقد نظرت الرباط وطرابلس بعين الشك إلى هذا التحالف حيث اعتبرتاه موجها ضدهما، فردتا الفعل وأسستا الاتحاد العربي الأفريقي في أغسطس 1984 في وجدة المغربية، لكن سرعان ما تفكك بعد عامين.

ليس ذلك فقط، فقد أبدت ليبيا استياءها من عدم تضامن بقية أعضاء الاتحاد معها في مواجهة الحصار الدولي الذي تعرضت له بسبب قضية لوكربي التي بدأت أطوارها في عام 1989.

وفي بداية التسعينات بلغت علاقة التوتر بين المغرب والجزائر ذروتها حيث اتهمت الجزائر الرباط بمساعدة المتشددين في حربها ضدها.

أما المغرب، فقد حمّل المخابرات الجزائرية مسؤولة تفجير فندق مراكش في 1994 وفَرَضَ التأشيرة على الجزائريين، لترد الجزائر بإغلاق الحدود.

هناك نقطة خلافية أخرى برزت في عام 2012 حين اقترحت الرباط تغيير اسم اتحاد المغربي العربي إلى الاتحاد المغاربي لكن مقترحها رُفض من الجزائر وليبيا بعد معارضة الأمازيغ في كلا البلدين بسبب ما اعتبروه إقصاءً لهم.

ويختتم بوعزة: لا تقف التحديات التي تحول دون بناء هذا التكتل عند جانب معين، فهناك عراقيل ناجمة عن طبيعة معاهدة الاتحاد نفسها، ما يجعله عرضة لخلافات متكررة عند الحديث عن مبدأ الإجماع على تمرير أي قرار لأن معاهدة مراكش تشترط موافقة جميع الدول.

ولعل تجميد مقترح الجزائر خلال اجتماع وزراء الخارجية في 2001 لتغيير مبدأ الأغلبية في اتخاذ القرارات بقاعدة الإجماع، وعدم تفعيله منذ ذلك التاريخ لعدم انعقاد قمة على مستوى الزعماء، يعكس بوضح أن حلم الوحدة سيبقى مؤجلا.

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …