اقتحام نقابة الصحفيين واعتقال صحفيين أحدهما عم “محمود بدر”، النائب في برلمان “الدم”، وزعيم حركة “تمرد” المندثرة التي شكلت الواجهة الشعبية المزيفة لانقلاب السيسي، يعد لطمة على وجه من راهن على صلته برحم الانقلاب، فلم يشفع للزميل أن ابن أخيه هو مؤسس “تمرد” وخنجر المخابرات في خاصرة مصر.
قرار السيسي!
يقول مراقبون إنه عندما اتخذ وزير الداخلية في حكومة الانقلاب، قرار اقتحام نقابة الصحفيين، كان يعلم أن مثل هذا القرار له خطورة ومدلول سياسي، وبالتالي فهو لن يشتغل من دماغه إلا بموافقة من السيسي، لأنه قرار سياسي وليس أمنياً أو جنائياً.
رغم ذلك دهس العسكر بحوافرهم الأمنية تاريخ نقابة الصحفيين الممتد.
منذ انقلاب 30 يونيو 2013 حسم مجلس نقابة الصحفيين، الذي يغلب عليه الناصريون واليساريون والفلول، موقفه من الشرعية وهو ما ترجمه رفض خالد ميري، وكيل النقابة تنظيم وقفة على السلم تطالب بعودة “مرسي” إلى الحكم!
في المقابل, اقتحم نحو 50 عنصر من ميلشيات الشرطة مقر النقابة بوسط القاهرة، قبل يوم واحد من الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة، وبعد فعاليات احتجاجية نظمها صحفيون تنديدا بحصار “بلطجية” السيسي لمقر النقابة بوسط القاهرة، والتحرش بأعضائها، وسب مجلسها، الذي يقوده الصحفي الناصري “يحيى قلاش”!
خيانة صحفية
وجاء الاقتحام الأمني الأخير في أعقاب احتفال النقابة بعيدها الماسي، وبلوغها (75 عاما) حيث تأسست في 31 مارس 1941 بعد كفاح طويل لتصبح أول نقابة عربية للصحفيين، وقد طلبت النقابة من قائد الانقلاب رعاية احتفالها الماسي، فأعطى أوامره باقتحامها! واعتقال اثنين من صحفييها كانا ضمن المشاركين في حملة “تمرد” للإطاحة بالرئيس محمد مرسي!
كان نقيب الصحفيين “يحي قلاش” قد قام بتعديل أجندة احتفالات النقابة رغبة في رعاية قائد الانقلاب للاحتفال، فغير يوم الاحتفال الرئيسي الذي يوافق يوم 31 مارس وهو موعد تأسيس النقابة إلى يوم 10 إبريل، واعتبر الصحفيون رافضو الانقلاب دعوة السيسي للمشاركة في هذا الاحتفال أو حتى مجرد رعايته هي:
– خيانة لدماء عشرة صحفيين وصحفيات سقطوا على يديه.
– وخيانة لآلام وعذابات 90 صحفيا يقبعون خلف أسوار سجون السيسي.
– وخيانة لعشرات أو مئات الصحفيين والإعلاميين الذين أغلق السيسي قنواتهم وصحفهم ومكاتبهم.
– وخيانة للمهنة ذاتها التي تعيش في ظل حكم السيسي أسوأ أيامها، خنقا وحصارا، ومصادرة، وهي الأجواء التي دفعت العديد من الصحف والقنوات لتقليص نشاطها بقرار منفرد، والاستغناء عن العشرات من العاملين فيها لينضموا إلى طابور طويل من العاطلين الذين يطلبون من نقابة الصحفيين رعايتهم ماليا واجتماعيا.
وتساءل مراقبون: هل شفعت دعوة نقيب الصحفيين ومجلس النقابة لقاتل زملائهم وساجن العشرات منهم ومغلق صحفهم وقنواتهم لرعاية حفلهم؟ وهل نسوا تلك الدماء وتلك الآهات؟ هل تحولت دماء أولئك الشهداء إلى مياه بنظرهم؟ وهل تحول أولئك السجناء إلى مجرد أرقام في حساباتهم؟ وهل أصبحت حرية الصحافة نسيا منسيا، وكما مهملا، وسبة نتوارى خجلا منها؟
النقابة والرئيس مرسي
بعد انقلاب الثالث من يوليو, وحتى الآن، ظهر أن غالبية مجلس نقابة الصحفيين كانت معارضة لحكم الرئيس محمد مرسي، حيث سيطر ناصريون ويساريون وفلول على قيادة النقابة، وحولوها إلى حزب سياسي، وجعلوها أحد المقرات الرئيسية لجبهة الإنقاذ التي ناصبت مرسي العداء.
ونجح مجلس نقابة الصحفيين في فرض قضية “الحسيني أبو ضيف” الذي قُتل مع عشرة قتلى آخرين في أحداث قصر الاتحادية كقضية رأي عام، ووجهت النقابة الاتهام مباشرة للإخوان المسلمين بقتله رغم أن بقية القتلى معه ينتمون للإخوان، واتخذت النقابة من قميص الحسيني راية لمعارضتها لمرسي وحزبه، بينما تجاهلت شهيدا آخر للصحفيين وهو “أحمد محمود” الذي قتل يوم 28 يناير 2011 برصاص ضابط شرطة في شرفة منزله وهو يصور الأحداث.
لم تعبأ نقابة الصحفيين بالبحث عن قاتل الصحفي وتقديمه للمحاكمة كما فعلت مع الحسيني، لأن الحسابات السياسية مختلفة، وحين وقع الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو 2013 تماهت النقابة معه في ظل نقيبها السابق ضياء رشوان، الذي يعتبر أحد عرابي الانقلاب، وتغاضت النقابة عن إغلاق القنوات والصحف الذي تم في الأيام الأولى للانقلاب.
تبنى “رشوان” الرواية الرسمية دون مناقشة، وحين تم إغلاق مقر جريدة “الحرية والعدالة” خرج إلى وسائل الإعلام ليكذب الخبر، رغم تصوير باب الجريدة مكبلا بالشمع الأحمر، ومع ذلك لم يحرك ساكنا تجاه هذا الإغلاق.
النقابة ومجزرة رابعة
وحين وقعت مجزرة رابعة وقتل فيها 4 صحفيين، لم يكلف مجلس نقابة الصحفيين خاطره بإصدار بيان تنديد بما حدث، بل بارك عملية الاقتحام رغم تلك الدماء، وحين تكررت عمليات القتل لتطال صحفيين آخرين بعد ذلك، لم تتحرك النقابة لمقاضاة القتلة، وظلت منبرا للدفاع عن جرائم الانقلاب.
وحين جرت انتخابات جديدة في نقابة الصحفيين، نافس فيها “رشوان” زميله في تياره السياسي “يحيي قلاش”، ونجح هذا الأخير بفارق كبير، وكان الفضل في ذلك لتبنيه في برنامجه الانتخابي قضية الصحفيين المعتقلين وحرية الصحافة.
وكان الصحفيون يأملون من “قلاش” الناصري الكثير بالنظر إلى برنامجه المكتوب ووعوده الانتخابية، ولكنه أخلف ظنهم بعد أن ظل يطلب منهم إمهاله بعض الوقت لترتيب أوراقه.
بردعة السيسي!
ولم يستطع “قلاش” مجرد تجميع الصحفيين المعتقلين في مكان واحد، كما لم يستطع مجرد القيام بزيارتهم في محبسهم، وهو الأمر الذي كان روتينيا في نقابة الصحفيين على مدى تاريخها كله، واليوم لا يستطيع توجيه اللوم للسيسي في اقتحام النقابة، بل سقف اعتراضه ومنتهى غضبه إقالة “بردعة” الانقلاب وعدم المساس بـ “حماره”!
وبرأي مراقبين فإن السيسي كان على علم باقتحام النقابة وجعل منها طُعما لإقالة هراوته القديمة، وزير داخليته وذراعه الأمني الذي أصبح عبئا عليه، ثم بعد الإقالة يصبح قائد الانقلاب نصيرًا للحريات، فضلا عن أن الاقتحام رسالة للصحفيين أنهم ليسوا بمنأى عن الاعتقال والإهانة.
ويلتقي قلاش وعبد الغفار في محافظة المنوفية التي تعود لها أصولهما، حيث ولد قلاش في مدينة منوف عام 1954، بينما ولد عبد الغفار في مدينة تلا عام 1952، وتولي كل منهما منصبه الحالي في مارس 2015، حيث انتخب قلاش نقيباً للصحفيين في نفس الشهر الذي عين فيه عبد الغفار وزيراً للداخلية في حكومة الانقلاب.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات