استبعدت الأكاديمية العسكرية 179 إمامًا وخطيبًا من دفعة «الإمام حسن العطار» من الالتحاق بالدورة التدريبية المؤهلة للتعيين بوزارة الأوقاف، والتي انطلقت في الثالث من يناير الجاري، رغم اجتيازهم جميع الاختبارات الخاصة بمسابقة تعيين ألف إمام وخطيب، بحسب ما أكده عشرة من المستبعدين في شهادات منفصلة لموقع “مدى مصر”.
وقال الأئمة إن الاستبعاد جاء بعد مرحلة «كشف الهيئة»، مستندًا إلى أسباب تمثلت في تجاوز الوزن المثالي بثلاثة إلى خمسة كيلوجرامات لدى بعضهم، إضافة إلى حصول آخرين على إعفاء طبي من الخدمة العسكرية
وهي شروط لم يكن منصوصًا عليها في إعلان المسابقة أو اللوائح المنظمة للتعيين، ولم تُطبّق على الدفعات السابقة من أئمة الأوقاف الذين جرى تعيينهم بالوزارة بعد اجتياز دورة الأكاديمية، ما يخل بمبدأ تكافؤ الفرص، على حد قولهم الذي أشاروا فيه إلى أنهم أرسلوا تلغرافات إلى رئاسة الجمهورية، وقدموا شكاوى إلى وزارة الأوقاف، دون جدوى.
وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف، أحمد النبوي، إن مسألة القبول أو الاستبعاد من حضور الدورة التدريبية «شأن خاص بالأكاديمية العسكرية»، مؤكدًا لـ«مدى مصر» أن الوزارة لا تتدخل في المعايير التي تضعها الأكاديمية.
وأضاف أنه كان ممثلًا عن وزارة الأوقاف في لجنة كشف الهيئة، وأن الأسئلة المتعلقة بأسباب القبول أو الرفض «تُوجه إلى الأكاديمية وحدها»، مشيرًا إلى وجود أمور تنظيمية خاصة وأسرار عمل بين الوزارة والأكاديمية لا يمكن الإفصاح عنها
تعود وقائع الأزمة إلى إعلان وزارة الأوقاف، في فبراير 2024، عن مسابقة لتعيين ألف إمام وخطيب. وبحسب إمام وخطيب بأحد مساجد الأوقاف بمحافظة القليوبية، تقدم للمسابقة أكثر من 22 ألف إمام وخطيب، من بينهم مئات الحاصلين على درجتي الماجستير والدكتوراه في أصول الدين والدعوة الإسلامية.
وأوضح أن المتقدمين أجروا اختبارين: الأول إلكتروني في أغسطس 2024 عبر موقع الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، والثاني شفوي في يونيو 2025، بمقر تابع للجهاز في العجوزة.
ولفت إلى أن الاختبار الإلكتروني شارك فيه 22 ألفًا و500 إمام وخطيب من جميع المحافظات يعملون جميعًا الآن بعقود مؤقتة أو مقابل مكافآت، اجتازه 1500 منهم، تأهلوا بعد ذلك للاختبار الشفوي، الذي أجرته لجنة مكونة من سبعة من كبار قيادات وزارة الأوقاف، إلى جانب مقابلة مع أخصائي نفسي.
وبحسب شهادات عشرة من الأئمة تحدثوا لـ«مدى مصر» بشكل منفصل، اجتاز 580 إمامًا وخطيبًا الاختبارات الشفوية، قبل أن تُخطرهم الوزارة بأن التعيين مشروط بالالتحاق بدورة تدريبية لمدة ستة أشهر داخل الأكاديمية العسكرية، ضمن دفعة حملت اسم «الإمام حسن العطار» أحد شيوخ الأزهر في أواخر القرن الثامن عشر.
ونشر «مدى مصر» في أبريل 2023، خطابًا دوريًا أصدره أمين عام مجلس الوزراء، اللواء أسامة سعد، وجرى توزيعه على الوزارات المختلفة، تضمن توجيهًا رئاسيًا لمجلس الوزراء بإصدار تعليمات لمؤسسات الدولة تُلزم الراغبين في التعيين بالحكومة بالحصول على دورة تأهيل داخل الكلية الحربية لمدة ستة أشهر، كشرط أساسي للتعيين.
أعقب ذلك إعلان وزارة الدفاع، في سبتمبر 2023، تخرج الدفعة الأولى من الأئمة المرشحين للعمل بوزارة الأوقاف بعد إتمام دورتهم التدريبية داخل كلية الضباط الاحتياط لمدة ستة أشهر، ثم إسناد المهمة لاحقًا إلى الأكاديمية العسكرية، التي أعلنت في أبريل 2025، وبحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، تخرج الدورة الثانية لتأهيل أئمة وزارة الأوقاف من الأكاديمية العسكرية المصرية.
وبحسب بيان صادر عن المتحدث باسم رئاسة الجمهورية آنذاك، تأهيل الأئمة داخل الأكاديمية العسكرية جاء تنفيذًا لتوجيهات الرئيس لوزارة الأوقاف، بالتنسيق مع مؤسسات الدولة المعنية، ومنها الأكاديمية العسكرية المصرية، لوضع برنامج تدريبي متكامل يهدف إلى تعزيز قدرات الأئمة على مختلف المستويات، بما يسهم في الارتقاء بالخطاب الديني وتطوير آليات التواصل، لا سيما في مكافحة ودحض الفكر المتطرف، فضلًا عن ترسيخ الوعي والمعرفة والإدراك بمختلف القضايا الفكرية والتحديات الراهنة.
تمارين للائمة
ويقول أحد الأئمة المستبعدين: اجتازت مرحلة الكشف الطبي، وتأهلت بعدها للاختبار الرياضي، الذي عقد بعد أسبوعين، مشيرًا إلى أن «الاختبار الرياضي كان صعب، زينا زي ضباط الكلية الحربية، جري لمسافة كيلو ونصف خلال ست دقائق، و40 تمرين ضغط، و40 تمرين بطن، و10 تمارين عقلة، واختبار سرعة لمسافة 100 متر في 12 ثانية”!
بعد اجتيازه الاختبار الرياضي، اجتازنا الاختبار النفسي، وتأهلنا، إلى جانب 543 إمامًا وخطيبًا، لاختبار كشف الهيئة، بوصفه المرحلة الأخيرة المؤهلة للالتحاق بالدورة التدريبية. وكانت المقابلة عبارة عن أسئلة من هيئة تضم لواءات من الأكاديمية، إلى جانب ممثل عن وزارة الأوقاف، شملت الاسم والوزن والطول والموقف من الخدمة العسكرية.
قال أن طوله 177 سنتيمترًا ووزنه 80 كيلوجرامًا، بما يعني زيادة ثلاثة كيلو فقط عن الوزن المثالي، في حين أن الدفعات السابقة من أئمة الأوقاف، وكذلك باقي الوظائف الأخرى التي خضعت للتدريب المؤهل للتعيين الحكومي، كان يُسمح فيها بهامش زيادة يتراوح بين 10-20 كيلوجرامًا فوق الوزن المثالي.
وقال 9 أئمة آخرون أنهم أنهوا مرحلة كشف الهيئة وهم على يقين باجتيازهم جميع الاختبارات المؤهلة للتعيين، غير أنهم، إلى جانب 169 إمامًا وخطيبًا آخرين، لم يجدوا أسماءهم ضمن قائمة ضمت 266 إمامًا وخطيبًا، أعلن المشرف على الدورة بوزارة الأوقاف، رمضان عفيفي، تأهلهم للالتحاق بالدورة التدريبية التي بدأت في الثالث من يناير الجاري، والمقرر أن تمتد ستة أشهر.
وشدد الأئمة العشرة على أنه، رغم اجتيازهم مرحلة الكشف الطبي، بما شمل العرض على عيادة التناسق الخاصة بالوزن والطول، فإن الأكاديمية بررت استبعادهم خلال مرحلة «كشف الهيئة» بزيادة الوزن وعدم أداء البعض للخدمة العسكرية بسبب الإعفاء الطبي، وهو أمر غير منصوص عليه في أي قانون أو لائحة، فضلًا عن أنه لم يُطبّق على الأئمة الذين جرى تعيينهم بالوزارة بعد اجتياز الدورة نفسها خلال العامين الماضيين.
واعتبر المحامي خالد علي أن التوسع في استبعاد المواطنين من العمل في الوظائف الحكومية لأسباب غير منصوص عليها في القوانين يُعد مخالفًا لمعايير العمل الدولية.
«لا يوجد شيء اسمه إن شخصًا لا يعمل لأنه مريض بالسكر، أو لأنه أطول أو أقصر، هذا تمييز ضد الناس»، وشدد على أن الحكومة أمام خيارين: «إما تشغيل الناس، أو منحهم معاش بطالة»، مشيرًا إلى أن كثيرين يعملون في وظائف حكومية دون عقود، مثل أئمة المساجد الذين يتقاضون مبالغ زهيدة مقابل الخطابة، دون أي حقوق تأمينية أو اجتماعية، فيما تتشدد الدولة معهم عند التعيين دون مبررات قانونية.
بدوره، رأى خبير علاقات العمل والحريات النقابية بمنظمة العمل الدولية، صابر بركات، أن اللجوء إلى القضاء هو الحل، مشددًا على أن استبعاد المرشحين للوظائف الحكومية بسبب الوزن أو الطول يمثل درجة من درجات التمييز بين المواطنين التي يحظرها الدستور.
وقالت المحامية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، هدى نصر الله، إن المحكمة الإدارية، ثم محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، رفضتا الطعون التي تقدمت بها المبادرة لصالح عشرات المدرسين والمدرسات الذين جرى استبعادهم من التعيين بوزارة التربية والتعليم في يوليو 2023 لأسباب تتعلق بالوزن الزائد، أو الحمل أو الولادة في توقيت قريب من الاختبارات التي أجرتها الأكاديمية العسكرية، رغم أن تلك الشروط لم تكن مدرجة في إعلان المسابقة. وأكدت أن هذه الأحكام أصبحت مبدأ قضائيًا يقلل من احتمالات عدول محاكم مجلس الدولة في القضايا المشابهة.
وكان السيسي حدد هدف تدريب القضاة والمعلمين وأئمة الأوقاف وغيرهم من العاملين في الوظائف المدنية داخل الأكاديمية العسكرية، خلال زيارته لها في 26 سبتمبر الماضي، بأنه يتمثل في «بناء وإعداد وتأهيل شخصية مشعة»، مضيفًا: «سواء كان شابًا أو شابة، فإن تأثيره يمتد إلى أسرته ومجتمعه»
وأوضح السيسي أنه يستهدف، خلال السنوات العشر المقبلة، تدريب نحو 100 ألف من العاملين في الوظائف المدنية، بحيث يمتد أثرهم إلى أسرهم، ليصل العدد إلى نحو نصف مليون شخص، على حد تقديره، إلى جانب التأثير الناتج عن الإعلام ومنابر المساجد والكنائس. وأضاف: «مع بعضنا، كلنا نقدر نحقق الأثر أو الهدف اللي إحنا عايزينه لبلدنا، أنا واللي بعد مني».
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات