“الأيادي السوداء”؛ فيلم وثائقي يجرى تداوله بصورة مكثفة على مواقع التواصل الاجتماعي يفضح الدور المشبوه للإمارات في عدد من الدول العربية.
كثرة تداوله بالمقارنة بغيره من الأفلام الوثائقية التي تنتجها الأذرع الإعلامية لأولاد زايد أدى إلى استنفار مرتزقة الإعلام المصري المؤيد لسلطة الانقلاب العسكري والممول مباشرة من أبوظبي.
صحيفة «اليوم السابع» المصرية على سبيل المثال, وجهت محرريها، لمواجهة الفيلم الوثائقي؛ ويتداول نشطاء صورة بريد إلكتروني مرسل إلى محرري الموقع الإلكتروني للصحيفة، يدعوهم لمواجهة الفيلم الوثائقي، عبر نشر مواد صحفية ومصورة مضادة للفيلم، سواء كانت جديدة، أو من أرشيف الموقع بإعادة تدويرها.
هذا التوجيه، بحسب نص البريد الإلكتروني جاء مباشرة من رئيس التحرير؛ خالد صلاح ورئيس التحرير التنفيذي للموقع؛ دندراوي الهواري.
ويمتلك صحيفة «اليوم السابع» وموقعها، رجل الأعمال؛ أحمد أبو هشمية، المعروف بأنه أحد أذرعة العسكر للسيطرة على الإعلام، وهو أحد أكثر وسائل الإعلام المصرية هجوما على قطر، خاصة في أزمة التصريحات المفبركة الأخيرة.
ويعد «أبو هشمية» من المقربين للسلطات الإماراتية، التي تنفذ مشروعات إعلامية عدة في مصر، تستخدمها في تنفيذ أجندتها وطرح رؤيتها.
كما أن لـمحمد دحلان؛ القيادي الفلسطيني المفصول من حركة «فتح»، نفوذا في الصحيفة، وسبق أن زارها، قبل أن يشارك في اجتماع لمجلس تحريرها، ويتجول في أروقتها.
ويتداول مغردون ونشطاء، وثائقي «الأيادي السوداء»، الذي كشف عن حقائق تتعمد حكومة أبوظبي إخفاءها، في ظل سياسات توسعية ودعم للثورات المضادة، ومواجهة ثورات الربيع العربي.
«زايد» الأب
الوثائقي يستعرض تاريخ تأسيس الإمارات، في ديسمبر1971، وانتخاب الشيخ «زايد آل نهيان» كأول رئيس للإمارات لمدة 5 أعوام، امتدت إلى 30 عاما.
ولفت الوثائقي، إلى جهود الشيخ زايد للتنمية عقب اكتشاف النفط، وسياسته الناعمة البعيدة عن التورط في صراعات خارجية.
وبحسب الوثائقي، فإنه رغم أزمة النفط مع الولايات المتحدة، خلال حرب 1973، إلا أنه ركز على التحالف مع واشنطن، لحماية دولته من إيران والسعودية، حتى باتت بلاده واحدة من 3 دول في العالم شاركت واشنطن بلا انقطاع في تحالفاتها العسكرية الدولية، خلال الـ20 عاما الماضية.
وفي العام 1994، منحت اتفاقية التعاون والدفاع المشترك، أمريكا الحق في بناء قواعد عسكرية في الإمارات، خاصة في «جبل علي» الاستراتيجي بإمارة دبي، كونه الشاطئ الوحيد في المنطقة الذي يسمح عمقه برسو حاملات الطائرات الأمريكية.
وباتت الإمارات تمثل أكبر سوق للولايات المتحدة في المنطقة.
وظلت الإمارات طوال فترة الشيخ «زايد»، بحسب الوثائقي، بعيدة عن الصراعات الخارجية، واتخذت سياسة ناعمة بعيدة عن التورط في الأزمات، إلا أنه كان لها دور إغاثي بارز في المحيط العربي والإسلامي.
كما وضع الشيخ زايد، الحوار مبدأ لحل الخلافات مع الدول الأخرى، ورفض الحروب والنزاعات المسلحة.
انقلاب أبناء «زايد»
وبحسب الوثائقي، فبعد وفاة الشيخ زايد في نوفمبر 2004، تحولت سياسة الإمارات جذريا الداخلية الخارجية، علي يد أولاده.
التحول قاده «محمد» و«عبد الله» و«سيف» أبناء «زايد»، حيث تبنوا سياسة شديدة العدائية، وتورطوا في تدخلات عدة، مع تغير الظروف، مستغلين التراجع الذي شهدته الأطراف الفاعلة في المنطقة.
حتى أن سلطنة عمان، أعلنت عن اكتشاف خلية تجسس في العام 2011، تابعة لدولة الإمارات، تهدد الأمن القومي بعمان، وتسعي للبحث عن موالين لها داخل السلطنة، ليكون منهم خليفة للسطان «قابوس».
وقد تدخل أمير الكويت حينها للصلح ومنع استفحال أزمة بين البلدين.
ثورات الربيع العربي
ومع موجة الثورات العربية في 2011، استغلت أمريكا التي تعاملت مع الأزمة من خلف الأبواب، الإمارات لتكون إحدى أدواتها في إدارة الصراع، فأصبحت السياسة الإماراتية، رهنًا لما تمليه أمريكا.
ولأن حكام الإمارات رأوا أن هذه الثورات تمثل تهديدا على بقاء حكمهم، خاصة مع تقدم رموز مجتمعية إماراتية عريضة تطالب بإصلاحات دستورية محدودة، فقد تدخلوا بطرق شتى لإجهاض الثورات العربية في مصر وتونس وليبيا واليمن.
وبحسب الوثائقي، وضع أولاد «زايد» الإمارات بصورة غير مسبوقة في عداء مع الشعوب العربية، خاصة مع تحول مسار الصراع الإماراتي من إيران التي تحتل جزرها، إلى جماعة الإخوان المسلمين، لا في بلدها فقط، وإنما في كل الدول العربية.
فبدأت الإمارات بث الفتن وزرع العملاء في الدول التي شهدت ثورات عربية، من أجل إسقاطها.
وفيما يتعلق بـ«عريضة الإصلاح»، قال الفيلم الوثائقي، إن «بن زايد» صعّد ضد الموقعين على العريضة باعتقال الموقعين عليها وحظر أنشطة الجمعية التي يعملون من خلالها، حتى لا تصل إلى بلاده موجةُ الثورات العربية.
مصر وليبيا
واعتبرت الإمارات ما جرى في مصر من تسليم السلطة للإخوان عبر انتخابات حرة، تهديدا يضر بمصالحها، فدعمت حركة «تمرد» ماليا وسياسيا ضد د. محمد مرسي؛ أول رئيس مدني منتخب، حتى الانقلاب عليه.
كما كانت الإمارات أبرز الداعمين لنظام الانقلاب، سواء بالدعم المادي أو تقديم منتجات بترولية، وهو السخاء الذي يضع العديد من علامات الاستفهام، حول ما ستستفيده الإمارات، وذكره الفيلم، من رغبة الإمارات في السيطرة على قناة السويس، ووضع يدها على شرق ليبيا المحاذي لمصر.
الإمارات، بحسب الفيلم، سعت عقب الإطاحة بنظام «معمر القذافي» لدعم «خليفة حفتر» سياسيا وماديا وعسكريا، فضلا عن استقبال رجال الثورة المضادة في ليبيا, حتى دخلت في خلاف مع المجتمع الدولي.
وكانت الفضيحة الأبرز ما تم الكشف عنه من شراء المبعوث الأممي إلى ليبيا؛ برناردينو ليون, عبر تعيينه براتب 35 ألف جنيه إسترليني شهريا (53 ألف دولار أمريكي) في وظيفة رئيس «أكاديمية الدبلوماسية»، فضلا عن ما تم الكشف عنه من تنفيذه إملاءات الإمارات في ليبيا.
سوريا
وعن الوضع في سوريا، كشف الوثائقي، عن دور الإمارات، عبر العلاقات الاقتصادية التي تربطها مع نظام بشار، والتي تصل إلى 10 مليارات دولار، آثرت حمايتها على وقف نزيف الدم السوري.
هذه العلاقة الاقتصادية، دفعت الإمارات، بحسب الوثائقي، إلى تقديم دعم لوجستي وعسكري، وتسجيلات لرموز المعارضة السورية، إلى بشار من أجل الحفاظ عليه.
وعلى الرغم من إعلان الإمارات سحب سفيرها من دمشق، إلا أن هذه الخطوة لم تكن إلا «شو إعلامي»، في ظل تضييق الخناق على المعارضين السوريين، ودعم القنوات التي تشوه صورتهم، ووضع أكثر من 20 فصيلا معارضا على قوائم الإرهاب.
السعودية
وعن العلاقة بين أولاد «زايد» والسعودية، قال الفيلم الوثائقي، إن العلاقة شهدت أزمات عدة، وملفات معقدة كثيرة، وخلافات ظهرت للعلن تارة وأخرى بقيت خفية، كما حدث في اليمن وسوريا، وملف إيران النووي.
وعلى الرغم من نظرة ولي عهد أبوظبي «محمد بن زايد»، السلبية لحكام السعودية، والتي فضحتها وثائق «ويكيليكس»، حيث وصف في اجتماع مع مسؤول أمريكي وزير الداخلية السعودي آنذاك الأمير الراحل «نايف آل سعود» بأوصاف لا تليق، لكنه تمكن من تجاوز الآثار السلبية التي نتجت عن افتضاح هذه الوثيقة على العلاقات مع السعودية، عن طريق استمالة الأمير «محمد بن سلمان» والتأثير عليه مستغلا طموحه في الصعود لكرسي الحكم.
وأظهر الفيلم الوثائقي، رغبة الإمارات في السيطرة على السياسة الخارجية المستقبلية للسعودية، عن طريق السيطرة على «بن سلمان» باعتباره الملك المرتقب حتى أصبح يسير في ركاب أبناء «زايد»، وبالتالي الحصول على دور إقليمي مهيمن.
اليمن
وفي اليمن، وبحسب الوثائقي، هناك تنافس بين الإمارات والسعودية، رغم دخولهما في تحالف واحد، إذ تدعم الإمارات انفصال الجنوب عن الشمال، وتعمل جاهدة للسيطرة على عدن، حتى تتمكن من السيطرة على خليج عدن، رغبة في تعزيز مصالحها الاقتصادية, كما تدعم الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح ونجله، وتواجه الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي.
كل هذا، من أجل وقف أي تمدد للإسلاميين في الوصول إلى الحكم في اليمن، وقد بدأت تصفية المقاوميين الإسلاميين، خاصة في الجنوب.
العلاقة مع (إسرائيل)
ملف آخر، كشف عنه الفيلم الوثائقي، بإبرازه برقية مسربة على موقع «ويكليكس»، للدبلوماسي الأمريكي في تل أبيب؛ مارك سيفرز، تعود إلى 2009، تؤكد متانة العلاقة بين الإمارات و(إسرائيل) برعاية عبد الله بن زايد وزير الخارجية.
مليار دولار سنويا ورحلة جوية بين الإمارات و(إسرائيل)، هو الجانب المعلن من هذه العلاقة, غير أن الجانب الخفي، فضحه الشيخ رائد صلاح؛ رئيس الحركة الإسلامية في أرض 1948 من مساعدة الإمارات في تهويد القدس، عبر شراء منازل بمبالغ ضخمة لصالح مؤسسات يهودية.
«فادي السلامين» أحد المقرب من «محمد دحلان» مستشار الإمارات الأمني، أحد أبرز من يقوم بتلك العمليات، بحسب الوثائقي.
فضلا عن تسريبات عن عقد لقاء بين وزير الدفاع الإسرائيلي «افيجدور ليبرمان» ووزير خارجية الإمارات «عبد الله بن زايد»، قبل الحرب الأخيرة على غزة.
برقية أخرى كشفتها «ويكليكس»، تعود إلى 2006، تتحدث عن قلق «بن زايد» من فوز «حماس» بالانتخابات التشريعية، وأن الإماراتيين أبلغوا الأمريكان أنهم يعتبرون الحركة الفلسطينية حركة إرهابية.
كما أكد اغتيال محمود المبحوح في الإمارات، بحسب الوثائقي، الشكوك حول علاقة البلدين، وذلك قبل أن تلقي «حماس» القبض في 2014 على مجموعة من الهلال الأحمر الإماراتية يتجسسون عليها في قطاع غزة.
محمد دحلان
الوثائقي، قال إن محمد دحلان؛ الذي يشغل منصب مستشار أمني لولي عهد أبوظبي، له دور كبير في عقد شبكة من العلاقات الأمنية بين الأجهزة والقيادات المناهضة للشعوب العربية، باعتباره مهندس علاقات أنظمة القمع ورجال الأمن والقمع السابقين في دول الربيع العربي.
الوثائقي، وصف دحلان بأنه عراب الانقلاب العسكري في مصر، وعراب الانتهاكات التي تحدث ضد حماس في غزة والضفة، وهو عراب اختراق الأراضي الليبية، وعراب العلاقات الروسية الإماراتية، وتقديم المساعدات لنظام بشار في سوريا.
دبي احتضنت دحلان عقب فصله من حركة «فتح» واتهامه بالتجسس لصالح (إسرائيل) والفساد، ويعد كلمة السر للعديد من الأدوار التي تلعبها الإمارات، في عدد من الملفات.
وهو حلقة الوصل بين الإمارات و(إسرائيل)، بفضل علاقاته الطيبة مع قيادات بالجيش والموساد الإسرائيلي، بخلاف دوره في صفقات السلاح.
كما أنه بحسب الوثائقي، المسؤول الأول عن رسم سياسات جهاز أمن الدولة الإماراتي، المتهم بانتهاك حقوق الإنسان.
الإخوان المسلمون
العداء مع جماعة الإخوان، دفع الإمارات لشراء «توني بلير» رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، للعمل كمستشار لرئيس سلطة الانقلاب العسكري في مصر؛ عبد الفتاح السيسي, من أجل مواجهة الإخوان، بحسب الفيلم.
كما ابتزت الإمارات، بريطانيا من أجل تصنيف جماعة الإخوان جماعة إرهابية، ووصل الأمر حد تهديد لندن بوقف العقود التجارية ووقف صفقات السلاح، والتعاون الأمني، إذا لم تستجب بريطانيا للطلب الإماراتي.
فالإمارات، حسب الفيلم الوثائقي، ترى أن الصراع بينها وبين الإخوان، صراع وجود, كما شكل الشيخ يوسف القرضاوي؛ رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، صداعا لدى الإمارات، فأطلقت صبيانها للنيل منه.
انقلاب تركيا
وعن انقلاب تركيا، قال الوثائقي إن نشرات الإعلام في الفضائيات التي تتبع الإمارات، كانت تدعم المحاولة الانقلابية الفاشلة منتصف العام الماضي, وبحسب الوثائقي، تشير أصابع الاتهام إلى ضلوع الإمارات بشكل أساسي، في التدبير لمحاولة الانقلاب الفاشلة.
حقوق الإنسان
الوثائقي ختم بالتأكيد أن هناك تناقضا كبيرا بين ما ترسمه الإمارات عن نفسها من أنها دولة متحضرة، وبين عالمها السري، وسجونها الخفية، التي تنتهك فيها حقوق الإنسان، تحت إشراف دحلان.
حتى أن مقررة الأمم المتحدة الخاصة لشؤون استقلالية القضاء «جابريل لا كانول»، مُنعت من زيارة السجون في 2014.
كما أن منظمتي «هيومان رايتس ووتش» و«فريدام هاوس»، انتقدتا ملف حقوق الإنسان، فألغت السلطات مؤتمرهما الصحفي.
سياسة الإخفاء القسري، هي المتبعة في الإمارات منذ اندلاع الربيع العربي، بحسب «العفو الدولية»، حتى باتت تسمى «دولة الخوف»، والتي يعد فيها مفقودا كل من يغرد خارج السرب.
أولاد «زايد» لا يكتفون فقط بالقمع داخل حدود بلادهم، بل امتدت أياديهم لقمع مخالفيهم ولو في دول أخرى، بحسب الفيلم الوثائقي.
https://youtu.be/TrQqTnlNrN
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات