الإمارات تعاتب السعودية .. والعلاقات الخليجية لم تعد كما كانت

كشف تسريب جديد أن وزير خارجية الإمارات؛ عبدالله بن زايد عاتب نظيره السعودي؛ عادل الجبير، خلال الاجتماع المغلق لوزراء خارجية دول الحصار بالبحرين في 30 يوليو الماضي؛ بسبب عدم إطلاع السعودية دول الحصار على نتائج زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للرياض، بينما كشفت دراسة عن شقوق في العلاقات الخليجية الخليجية أثَّرت، مباشرة أو بصورة غير مباشرة، في عدد من المقاربات السعودية للإقليم.

جاء ذلك في تغريدات على حساب «نافذ» عبر «تويتر»، الذي يصف نفسه بأنه على علاقات واسعة بدوائر صناعة القرار في عدة دول عربية.

ووفق التسريبات التي نشرها «نافذ»، فإن بن زايد قال إن دول الحصار شعرت بأن لهجة السعودية تغيرت بعد زيارة الرئيس التركي, كما أنه عاتب السعودية لأنها لم تستشر باقي الدول (الإمارات ومصر والبحرين) بشأن طلب أردوغان أن يكون شريكا في الوساطة الكويتية.

وتحدث بن زايد إلى الجبير بأن السعودية بتصرفها هذا سمحت لتركيا بأن تدخل الخلاف في صفوفهم، حسب ما يقول «نافذ» .

وكان «نافذ» نشر، خلال الأيام الماضية، عدة تغريدات عن تسريبات لاجتماع وزراء خارجية دول الحصار بالمنامة في 30 يوليو الماضي، جاء فيها اعتراف الجبير بأن قطر خرجت من أزمتها بأسرع مما توقعت تلك الدول.

ورأى الجبير، حسب «نافذ»، أن الوضع لا يسمح باتخاذ أي إجراءات جديدة ضد قطر، وأن عليهم ألا يغلقوا الباب أمام أي وساطة لأن ذلك لا يخدمهم.

واعترض  بن زايد على كلام الجبير وقال، وفق التسريبات: ما دام هذا موقف السعودية كان من الأفضل ألا نجتمع.

وكشف «نافذ» أن السجال وحدة النقاش بين الوزيرين تسببا في توتر الاجتماع، وقرر الحاضرون الانتقال إلى اجتماع مغلق على مستوى الوزراء دون أعضاء الوفود.

وفي دراسة لمركز «دراسات الجزيرة»، تحت عنوان «تأثيرات أزمة الخليج على التوازنات الإقليمية»، كشفت عن أن أزمة الخليج لم تصنع شقوقا في العلاقات الخليجية – الخليجية وحسب، بل أثَّرت، مباشرة أو بصورة غير مباشرة، في عدد من المقاربات السعودية للإقليم.

وخلص التقرير إلى أن «الأزمة الخليجية أثرت على تفاعلات أطرافها مع محيطها الإقليمي، نتيجة بروز مخاطر وفرص دفعت مختلف القوى إلى تغيير أولوياتها ومراجعة اصطفافاتها».

كما لفتت الدراسة، إلى أن الطموحات الخليجية المعلقة على مجلس التعاون الخليجي ومستقبله قد انتهت، أو أصبحت أكثر تواضعًا بعدما انقسم ظاهريا بصورة غير رسمية، إلى معسكرين: الأول، يضم دول الحصار والقطيعة الثلاث؛ والثاني يضم قطر والكويت وعُمان.

تحولات سياسية

وأشارت الدراسة، إلى أن أزمة الخليج اندلعت في وقتٍ باتت الرياض أكثر إدراكًا لتعثر حربها في اليمن، بعد أكثر من عامين على بدء الحرب؛ وهذا ما يدفع السعودية إلى محاولة تخفيف حدَّة التوتر مع إيران، وقد ظهر ذلك في الاستقبال الدافئ والترحيبي الذي وجده الحجاج الإيرانيون من المسؤولين السعوديين في موسم الحج الأخير.

كما أن الجهود السعودية لإعادة بناء العلاقات مع العراق، الذي تتمتع فيه إيران بنفوذ كبير، كانت أكثر وضوحًا، ولكن هنا أيضا تبدو الآمال السعودية مبالغا فيها، لكن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي زار السعودية، أعلن بوضوح، قبل وبعد زيارته، أن بلاده لن تشارك في حصار قطر بأي صورة من الصور.

مقتدى الصدر؛ زعيم التيار الصدري الشيعي في العراق، الذي زار السعودية مؤخرا، امتنع كلية عن الإدلاء بأية تصريحات ضد قطر، بالرغم من الدفء الاستثنائي الذي أحيطت به زيارته.

ولا يقل انعكاس الأزمة الخليجية على سياسات السعودية تجاه عبدالفتاح السيسي؛ رئيس سلطة الانقلاب العسكري في مصر، والمسألة السورية عنه على الموقف من إيران والعراق، فقد تراجعت المملكة عن وعود الدعم المالي لنظام السيسي, أما في سوريا، فثمة مؤشرات متزايدة على أن الرياض تمهِّد للانسحاب من دعم المعارضة السورية، سواء لمحاولتها تخفيف الأعباء الملقاة على عاتقها بعد الأزمة الخليجية، أو رغبتها في إرسال رسائل إيجابية لإيران، أو تقديرها بأنها خسرت معركة سوريا.

العلاقة بإسرائيل

وبحسب الدراسة، فإن أخطر متغير في سياسات الرياض الخارجية، يتعلق ببروز أدلة على بداية علاقات سعودية – إسرائيلية.

مؤشرات هذه المقاربة، كانت عبر اللقاءات العلنية بين الأمير تركي الفيصل؛ رئيس جهاز المخابرات السعودية الأسبق، وعدد من المسؤولين الإسرائيليين، في مؤتمرات عُقدت بأوروبا والولايات المتحدة، والزيارة التي قام بها الجنرال السعودي المتقاعد أنور عشقي، وعدد من الشخصيات السعودية المغمورة للدولة العبرية، فضلا عن الاتصالات السعودية-الإسرائيلية غير المباشرة بخصوص جزيرتي تيران وصنافير اللتين تنازل عنهما السيسي للسعودية.

وتعد التقارير التي تحدثت في الأسبوعين الأولين من سبتمبر الجاري، بأن أميرا سعوديا قام بزيارة سرية للدولة العبرية سابقة في تاريخ الموقف السعودي, بغض النظر عن شخصية هذا الأمير، وما يعزز صدقية تقرير الزيارة أن الحكومة الإسرائيلية امتنعت عن إنكار وقوعها؛ بل إن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، علق بما يوحي بحدوث الزيارة بقوله إن العلاقات الإسرائيلية مع الدول العربية وصلت مستوى غير مسبوق.

ولفتت الدراسة، إلى أن السعودية بهذه المقاربات، أرادت إرسال رسائل للدولة العبرية لتوكيد التوافق بين الدولتين على الموقف من إيران وبرنامجها النووي، وتسهيل انتقال السيادة على جزيرتي تيران وصنافير، اللتين تتصلان بحركة الملاحة عبر مضيق «تيران» واتفاقية «كامب ديفيد» بين مصر وإسرائيل.

وأضافت الدراسة: «الحاصل أن ثمة من يعتقد في الرياض أن إقامة علاقات مع الدولة العبرية سيصب لصالح المواجهة مع إيران، في حال لم تنجح محاولات حل إشكاليات العلاقات السعودية – الإيرانية، وأن التأييد الإسرائيلي لحصار قطر ومحاولة إخضاعها، لاسيما في الساحة الأمريكية، سيعزز الموقف السعودي في أزمة الخليج».

تفاعلات تركيا

وبحسب الدراسة، فإن الأزمة الخليجية لم تلق بثقلها على المقاربة السعودية لإيران فحسب، بل وعلى مجمل العلاقات الخليجية مع إيران، كما على دور تركيا وعلاقات أطراف الأزمة الخليجية المختلفة معها.

وكان من الواضح، منذ بداية الأزمة، أن طهران أخذت موقفا مؤيدا لقطر ومناهضا لإجراءات الحصار والقطيعة معها، وليس ثمة شك في أن انحياز إيران لقطر نبع من طبيعة المواجهة السعودية-الإيرانية، وخشية إيران من سيطرة سعودية على الخليج إن استطاعت الرياض فرض شروطها على الدوحة.

كما أن تركيا، كانت القوة الإقليمية التي برزت في مجريات الأزمة باعتبارها الدولة صاحبة الدور الأكثر حيوية في منطقة الخليج.

ورغم أن تركيا حاولت التوسط مبكرًا في الأزمة، لكن تلك المحاولة لم تأتِ بنتائج تُذكر، بل سرعان ما فوجئت أنقرة بإجراءات الحصار والقطيعة مع قطر في 5 يونيو 2017، وهو ما دفع الحكومة التركية، التي كانت قد وقَّعت اتفاقية تعاون إستراتيجي مع قطر في 2014، إلى طلب تصديق البرلمان العاجل على الاتفاقية، ومن ثم بدء جهود حثيثة لتشغيل القاعدة العسكرية التركية في قطر.

وليس ثمة شك في أن وصول القوات التركية إلى قطر أسهم بصورة ملموسة في إجهاض خطط التصعيد العسكري من قبل السعودية والإمارات.

كما سارعت أنقرة إلى إطلاق عملية نقل جوي كبيرة لتوفير المواد الغذائية في السوق القطري، التي تأثرت إمداداتها بفعل إجراءات الحصار وإغلاق المعبر البري القطري الوحيد مع السعودية.

ونجم عن الدور الذي لعبته تركيا في الأزمة عدد من النتائج؛ فمن جهة، انتقلت العلاقات القطرية – التركية إلى مستوى أعلى من الصداقة والتحالف؛ ومع بدء تشغيل القاعدة العسكرية في قطر، أصبحت تركيا طرفًا مباشرًا في توازنات الخليج الإستراتيجية.

ومن جهة أخرى، عاد البرود من جديد إلى العلاقات التركية-الإماراتية، بعد شهور من محاولات التطبيع بين البلدين.

من جهة ثالثة، شجعت الأزمة، واستجابة تركيا السريعة لتنفيذ التزاماتها مع قطر، الكويت على الارتفاع بمستوى العلاقات التركية-الكويتية.

انعكست أزمة الخليج، في الوقت نفسه، على العلاقات التركية-الإيرانية، سيما أن كلتا الدولتين اتخذتا موقفًا اعتُبر في جوهره مؤيدًا لقطر وحرصًا على أمنها واستقرارها.

نتائج

وبحسب الدراسة، فإن الأزمة الخليجية ولدت علاقات ثنائية جيدة أصبحت أكثر وثوقا، وجهودا متفرقة لتجاوز قطيعات سابقة وبناء علاقات أفضل؛ فيما تراجعت علاقات جيدة في المقابل بصورة ملموسة أو انتقلت إلى مستوى الخصومة والعداء.

العلاقات القطرية-التركية، مثلًا، كانت علاقات ثابتة منذ سنوات قبل اندلاع الأزمة، ولكن الأزمة نقلتها إلى مستوى أعلى بكثير، سياسيا وعسكريا واقتصاديا؛ كما أنها جعلت من تركيا طرفا أساسيا في خارطة الخليج الإستراتيجية.

على الجانب الآخر، ليس من الواقعي الحديث عن تحالف تركي-إيراني أو قطري-إيراني.

الخلافات بين أنقرة وطهران حول مستقبل سوريا وطبيعة الحكم في العراق لم تزل جوهرية، ويصعب تجاهلها، كما أنه لا أنقرة ولا الدوحة تريدان تغلغلا إيرانيا أكبر في منطقة الخليج والجزيرة العربية.

وبحسب الدراسة، فإنه «مهما كانت طموحات صانعي السياسة السعودية للعلاقات مع العراق وإيران، فلن يمر وقت طويل قبل أن يدرك السعوديون أن منافسة إيران في العراق ليست شأنًا سهلًا، وأن إخراج إيران من العراق أو إضعافها يتطلب حربًا وليس مجرد الاحتفاء بزيارة قادة عراقيين شيعة للسعودية أو إغراءات مالية».

كما أن تطبيع العلاقات السعودية-الإيرانية ليس ممكنا بدون تنازلات سعودية كبيرة في العراق وسوريا ولبنان، أي في حزام السعودية الشمالي برمته.

كما أنه ليس من المتيقن أن دول الحصار والقطيعة الأربع، ستنجح في الحفاظ على علاقاتها شبه التحالفية لفترة طويلة.

على المستوى الخليجي، ليس ثمة شك في أن الأزمة صنعت انقلابا هائلا في العلاقات الخليجية-الخليجية، وأن عواقب هذا الانقلاب يصعب احتواؤها حتى إن توصلت دول الخليج لحل ما للأزمة في الشهور المقبلة.

ولم يعد ممكنًا التئام الشرخ الخليجي بلقاءات عشائرية وموائد مصالحة، وتبدو دول الخليج كأنها في الطريق للانتقال من مرحلة التعاون والتنسيق ضمن إطار مجلس التعاون في مواجهة الأخطار الخارجية، إلى البحث المنفرد عن الأمن والحماية من مخاطرها على بعضها البعض.

كما أن قطر لن تتخلى عن علاقاتها الحميمة واتفاقياتها مع تركيا، ولن تعود إلى مناكفة إيران إرضاءً للسعودية؛ وعُمان ستحرص على توثيق وتعزيز علاقاتها مع إيران؛ بينما بدأت الكويت بالفعل إعادة النظر في حساباتها الأمنية والإستراتيجية.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …