الإنسان بين النور والظلمات

لم يخلق الله عزّ وجلّ الإنسان عبثا، ولم يتركه هملا، ولم يشأ أن يجعله في بيداء الحياة تائها، ولا أن يمشي في ظلماتها متخبطا .. بل أكرمه ونعّمه، وبالعقل والتكليف شرّفه وميّزه، وبإرسال الرسل وإنزال الكتب أنار له الطريق فأبصره وأرشده: ” الر.. كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ” (إبراهيم: 1)

ولمكانة الإنسان ومنزلته العظيمة عند الله عز وجل، تولاه بعنايته وحفظه برعايته، وأخرجه من الظلمات إلي النور إذا آمن وعمل صالحا: ” اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ” (البقرة :257)

أما إذا أعرض الإنسان ونأى بكفره عن ربه، تركه الله عز وجل للطاغوت يتولاه ويضله، ويخرجه من النور إلي الظلمات: “وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” (البقرة : 257).

ولقد خُلق الإنسان من ظلمات العدم، والنور يكتنفه من كل جانب، سواء من مصدر النشأة والتلقي أو من حيث الوحي والتبليغ.

فربُّه – الذي خلقه وأنعم عليه وتفضّل- نور:” اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ” (النور : 35).

فالله- عزّ وجلّ – صاحب كل نور في السموات والأرض، هذا النور عمّ وفاض علي الكون كله، بيد أنه لا يهتدي إليه إلا من فتح الله بصيرته، وشرح صدره للإسلام، فهو علي نور من ربه: ” أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ” (الزمر : 22)

والنبي صلى الله عليه وسلم – الذي أرسله ربه – نور: ” قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ” (المائدة : 15)

فحياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها نور متوهج في كل وقت – في النوم واليقظة، وفي الحركة والسكون، وفي الحل والترحال – لا يخبو نجمه، ولا تغيب شمسه، فهو صلى الله عليه وسلم كما وصفه ربه: ” يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا ” (الأحزاب :46-45)

والكتاب الذي أنزله الله – عز وجل – علي نبيه صلى الله عليه وسلم نور: “وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” (الشوري :52)

فالقرآن الكريم، يضيئ العقول، وينير القلوب، ويحيي النفوس، ويشفي ما في الصدور, وهذا ما جعل أحمد شوقي يعجب من أمة عندها كل هذا النور، وتأبي إلا أن تعيش في حالك الظلمات، فراح يرثي واقع أمته المظلم إلى نبي النور صلى الله عليه وسلم:

شعوبك في شرق البلاد وغربها .. كأصحاب كهف في عميق سبات

بأيمانهم نوران: ذكـر وسـنة .. فما بالهم في حـالك الظلمــات!

وإن كنا نعجب مع أمير الشعراء من أمة نامت في النور، فضعفت وهان على الناس أمرها، وأمم أخرى استيقظت في الظلام، فقويت وعظم في أعين الناس شأنها، فإن العجب لا ينتهي من أناس – وهم كُثُر – لا يحبون النور، ويعشقون الظلام ، كالخفافيش التي أعماها النهار فلا تبصر ولا تنشظ إلا في الليل، ولذا لا يريدون لليل أن ينجلي، ولا للصبح أن يسفر.

والأدهي من ذلك، أنهم لا يكرهون النور فحسب، بل يئدون كل من يشعل أمام الناس شمعة، ويحاربون كل من يضيئ لهم الطريق، أو يبصرهم بالنهج السديد.

ولقد وصل بهم الغرور والصلف إلي الحد الذي يريدون فيه أن يطفئوا نور الله سبحانه وتعالى بأفواههم .. وهيهات .. هيهات لما يريدون، فإذا كان البشر جميعا عاجزين على أن يطفئوا نور مصباح كهربائي – من صنع أيديهم – بأفواههم.. فكيف بنورالله عز وجل؟!

وهذا ما سجله القرآن عليهم: ” يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ” (التوبة :32).

ألا ما أتعس هؤلاء الذين استحبوا العمى على الهدى، والظلمات على النور، إنهم لا يبغون الحياة إلا عوجا، فإن رأوا سبيل الغي يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، فهم في غيهم سادرون، وعن الحق غافلون، وفي طغيانهم يعمهون.

لقد أعمى التكبر في الأرض بغير الحق قلوبهم، وصرف عن الانتفاع بآيات الله عز وجل عقولهم: ” سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ” (الأعراف:146).

إذا كان هؤلاء يتخبطون في الظلمات، وليسوا بخارجين منها، فإن المؤمنين الذي آمنوا بالله عز وجل واهتدوا بهديه، كمن كانوا أمواتا فأحياهم الله بالإيمان، وجعل لهم نورا من القرآن والحكمة يمشون به علي بصيرة في دنيا الناس، ويستضيؤون به في ظلمات الحياة، فيميّزون به بين الحق والباطل، والهدى والضلال: ” أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ” (الأنعام :122).

هذا شأن المؤمنين في الدنيا، فهم على نور من ربهم, وفي الآخرة، يسعي نورهم بين أيديهم، وعن أيمانهم، يُبشرون بجنات تجري من تحتها الأنهار في يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه: ” يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ” (الحديد:12)

وفي الصورة المقابلة للمؤمنين, نري المنافقين يودون أن يسيروا على نور المؤمنين كما كانوا يسيرون ظاهرًا معهم في الدنيا، ويتسمون بأسمائهم, ولكن هيهات .. هيهات: ” يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ” (الحديد :14،13).

أبعد هذا، تستوي الظلمات والنور؟

يجيبنا القرآن: ” وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ* وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ* وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ* وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاء وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ” (فاطر:19- 22).

والمتأمل في جميع آيات القرآن التي جمعت بين النور والظلمات، يلحظ أنها ذكرت النور ( مفردا ) والظلمات (جمعا)، وذلك لأن نور الوحي لا يتعدد أصله، فهو واحدٌ وإن تتوعت روافده، أما الظلمات فهي كثيرة متشعبة في سبل الغي، ومتاهات الضلالة.

هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن مَن فقد نور الوحي، تشعبت به الظلمات وتداعت عليه، وأحاطت به من كل جانب، إنها: “ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ” (النور : 40).

وسيظل الإنسان في نور الهداية، يسمو بإنسانيته ويرقى, بقدر حظه من هذا النور:”قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” (المائدة:15- 16)

كما أنه لا يزال في عمي الضلالة، يهبط بإنسانيته وينحدر, بقدر نصيبه من تلك الظلمات:” أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا” (الفرقان: 43- 44).

“اللّهُـمَّ اجْعَـلْ في قَلْبـي نورا، وَفي لِسـاني نورا، وَاجْعَـلْ في سَمْعي نورا، وَاجْعَـلْ في بَصَري نورا، وَاجْعَـلْ مِنْ خَلْفي نورا، وَمِنْ أَمامـي نورا، وَاجْعَـلْ مِنْ فَوْقـي نورا، وَمِن تَحْتـي نورا، اللّهُـمَّ أَعْطِنـي نورا ” (البخاري11/116) ، و (مسلم 1/526،529،530).

شاهد أيضاً

يوم عرفة.. أسرار وفضائل

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتمّ علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينًا، وصلاة وسلامًا …