بعد فترة صمت ومع اقتراب ذكري مرور عقد كامل علي ثورة 25 يناير 2011 في مصر، كتب الدكتور محمد البرادعي أحد رموز الثورة الذي انقلب عليها، كتب البرادعي روشتة تتضمن 4 أدوية لعلاج إخفاقات الثورة المصرية.
البرادعي الذي شارك في انقلاب عبد الفتاح السيسي ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي، كنائب لرئيس الجمهورية المؤقت عدلي منصور، ثم استقال وهرب خارج مصر عقب اختلافه مع الجنرال ومجزرة رابعة، حدد في مقال بمجلة “بروجيكت سنديكيت” أربعة دروس من الربيع العربي قال انها “يمكن أن تكون مفيدة في توجيه المسار السياسي للمنطقة” لاحقا.
البرادعي أرجع إخفاق الربيع العربي إلي تدخلات خارجية والافتقار لثقافة منفتحة، والاهم فشل قوي التغيير في التوافق على رؤية وخريطة طريق وعلى القيم الأساسية، وخاصة بين العلمانيين والإسلاميين، وتحدث عن أهمية مجتمع مدني مستقل ونشيط كمفتاح وداعم للتغيير والاصلاح في العالم العربي.
ولم ينس تقديم نصيحة لأنظمة الثورة المضادة أن تنخرط في هذا التغيير الهادئ الأخير لتتفادي ما جري في ليبيا وسوريا، داعيا الي “إقناع من هم في السلطة بأن من مصلحتهم الانضمام إلى السفينة لأن التغيير التدريجي أفضل من احتمال حدوث اضطراب مفاجئ يهدد باستبدال من هم في السلطة بفراغ في السلطة”.
وفيما يلي تفاصيل ما كتبه:
الوعد الابدي للربيع العربي
كانت الكرامة الإنسانية الضالة المنشودة لثورات الربيع العربي التي اندلعت قبل عشر سنوات، وكان أبطالها يسعون إلى التغلب على عقود من الزمن من القمع والفقر والتفاوت بين الناس. أتى الربيع العربي على موجتين، الأولى بلغت أوجها في تونس ومِـصر وليبيا وسوريا واليمن، ثم تلتها الموجة الثانية خلال الفترة 2019-2020 في الجزائر والسودان ولبنان.
من المحزن أن أيا من الموجتين لم تحقق بشكل كامل أهداف المحتجين. فبدلا من الخضوع لانتقال حقيقي إلى الحرية والعدالة الاجتماعية، ارتدت كل بلدان الربيع العربي تقريبا إلى توليفات متعددة من حكم الفرد ودرجات متباينة من الفقر والعنف. وباستثناء تونس، إلى حد ما، أصبحت المجتمعات العربية اليوم أكثر استقطابا وتفتتا مما كانت عليه من قبل.
الديمقراطية ليست فنجانا من القهوة السريعة الذوبان. بل إنها في احتياج إلى بيئة مواتية وثقافة مضيافة لتزدهر وتنمو. بسبب تاريخ طويل من الاستعمار، تلته عقود من الاستبداد، كانت هذه البيئة غائبة في العالم العربي. كان الناس الذين ثاروا وخرجوا إلى الشوارع يبغضون الأنظمة التي استبدت بهم وجارت عليهم لفترة طويلة. لكنهم كانوا يفتقرون إلى رؤية واضحة وموحدة للتغيير الذي سعوا إلى إحداثه.
كان شعار “الخبز، والحرية، والعدالة الاجتماعية” هو النداء الحاشد، ولكن تبين أن ترجمة هذا إلى واقع أكثر ديمقراطية أمر مُـعـضِـل وشديد التعقيد. ففي غياب المجتمع المدني القوي النشط ــ النقابات العمالية، والأحزاب السياسية، والجمعيات، ووسائل الإعلام المستقلة ــ كان من المستحيل التوصل إلى اتفاق على خريطة طريق انتقالية بعد السقوط السريع للأنظمة الدكتاتورية العربية. لم تكن المؤسسات اللازمة لتمكين التماسك الاجتماعي الحقيقي حاضرة ببساطة.
انقسام الثوار
بمجرد رفع غطاء القمع، انقسم الثوار على طول مجموعة متنوعة من الخطوط الإيديولوجية. في السابق، دفعت الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية المروعة العديد من المسلمين إلى الاعتقاد بأن ثوابت عقيدتهم الدينية فقط هي التي يمكن أن توفر لهم الملاذ من البؤس وتمنحهم الوعد بمستقبل أفضل. وبعد اندلاع الربيع العربي، تسبب صدع عميق في التفريق بين الإسلاميين والعلمانيين.
وقد تبين أن هذا الافتقار إلى التماسك الاجتماعي والإجماع على قيم أساسية هو كعب أخيل الأكبر ونقطة الضعف الأعظم في الجهود الرامية إلى التحول إلى الديمقراطية في العالم العربي. فقد سمح ذلك لفلول النظام القديم بإعادة تجميع صفوفهم وتوحيد قواهم والعودة سريعا بشراسة سلطوية مألوفة.
حالما أعاد النظام القديم تشكيل ذاته، تحول النزاع في أغلب الحالات إلى صراع شرس على السلطة بين “الدولة العميقة” الراسخة، والمؤسسة العسكرية، والجماعات الدينية العديدة التي مثلت القوات المنظمة الوحيدة غير التابعة للدولة. كان لكل من هذه الأطراف أجندته الخاصة؛ وكانت أغلبها شديدة الحساسية للديمقراطية أو الحداثة.
في هذا الصراع، ضاعت مصالح جماهير الناس التي أطلقت شرارة الربيع العربي على أمل الوصول إلى حياة أفضل ــ الأمن الغذائي، والتعليم الجيد، والرعاية الصحية اللائقة، والقليل من الحرية والكرامة. وباستثناء عدد قليل من البيادق التي اختارها القائمون على السلطة، انتهت الحال بالمحتجين إلى التهميش أو الاضطهاد. فوهنت عزيمة كثيرين منهم، واستسلموا ببساطة.
تدخلت بعض القوى الخارجية بِـغِـلظة، لأنها ارتأت أن المنطقة أكثر أهمية من أن تُـتـرَك لتقرير مستقبلها بذاتها. وعمل أولئك الذين شعروا بالتهديد إزاء فكرة الديمقراطية على تقويضها بكل نشاط. في حين كان آخرون، وأغلبهم أُخِـذوا على حين غرة، مهتمين في المقام الأول بالاستقرار ومصالحهم الجيوستراتيجية، التي كانت مرتبطة بشكل وثيق لعقود من الزمن بالحكام المستبدين الـمُـخَـلَّـدين في المنطقة.
لم يكن الدعم الاقتصادي والفني اللازم لدعم التغيير، فضلا عن المشورة العملية والقانونية الضرورية، قريبا في المتناول. على سبيل المثال، على الرغم من احتياج تونس الشديد إلى قدر متواضع من المساعدة الاقتصادية للتخفيف من آلام الفترة الانتقالية، لم يبادر أحد إلى تقديم يد العون، لأن تونس لم تكن تعتبر على قدر كبير من الأهمية الاستراتيجية. ويُـعَـد السودان مثالا أحدث على ذلك.
نتيجة لهذا، يُـنـظَـر إلى أولئك الذين يدافعون عن الديمقراطية وحقوق الإنسان عادة على أنهم يستخدمون هذه القيم كأداة لخدمة مصالحهم الضيقة. ومع اشتداد حدة الصراع الداخلي على السلطة، تزايدت أيضا حدة التدخلات السياسية والعسكرية من قِـبَـل قوى خارجية، مما أدى إلى تفاقم الفوضى والانقسامات في المنطقة، وتفاقم العنف، وتقويض الأمل في وصول الحرية والكرامة في أي وقت قريب.
لكن التاريخ يشير إلى أن السعي إلى الحرية حتمي ولا يمكن إيقافه، حتى برغم أن السبيل إليها طويلة ووعرة على الدوام. وعلى الرغم من الانتكاسات العديدة، فقد نبذ عدد كبير من الشباب في العالم العربي حس اللامبالاة واستعاض عنه بالوعي والمشاركة، حيث تلعب وسائط التواصل الاجتماعي دورا تمكينيا واضحا.
4 دروس للتجربة
أربعة دروس من الربيع العربي قد تكون مفيدة في توجيه المسار السياسي في المنطقة. أولا، يشكل تواجد المجتمع المدني المستقل النشط المفتاح المنشود. ففي غياب المنصات القادرة على التنظيم والدعوة إلى التغيير، يصبح من الممكن خنق الدعوات إلى الإصلاح بسهولة.
ثانيا، لن نبالغ مهما تحدثنا عن ضرورة التماسك الاجتماعي لدرء التدخل الخارجي. وتشكل المصالحة الإيديولوجية، وتحديد العلاقة بين الدين والدولة، والاستعداد للتسوية وتبني الحلول الوسط الأسس التي لا يمكن الاستغناء عنها لبناء دولة ديمقراطية فاعلة.
ثالثا، يجب أن يكون الانتقال إلى الديمقراطية تراكميا وتدريجيا. فتماما كما لا يستطيع أحد أن ينتقل مباشرة من روضة الأطفال إلى الجامعة، يجب أن تكون عملية التحول إلى الديمقراطية شاملة ودقيقة المعايرة، وأن تسترشد بمعالم واضحة. وقد تتمثل نقطة بداية محتملة في تكوين رؤية مشتركة لتحسين حقوق الإنسان.
الدرس الأخير المستفاد من الربيع العربي ــ الذي يتجلى بشكل مأساوي في ليبيا وسوريا ــ هو ضرورة إقناع القائمين على السلطة بأن من مصلحتهم أن ينضموا إلى هذه المسيرة. فمن منظور أي نظام، يُـعَـد التغيير التدريجي أفضل بكل تأكيد من احتمال اندلاع ثورة مفاجئة تهدد بإزاحة القائمين على السلطة ليحل محلهم خواء السلطة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
https://www.project-syndicate.org/commentary/arab-spring-democratic-transition-four-lessons-by-mohamed-elbaradei-2021-01?
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات