التقوى من الأخلاق الراقية (2)

ثمرات وفوائد التقوى

أكرم الله تعالى أهل التَّقوى فأسبغ عليهم ثمارًا وفضائل كثيرة نذكر منها:

 1 – التقوى فرقان: أي أنَّ صاحبها يرزقه الله بصيرةً وفرقانًا يميِّز به بين الحقِّ والباطل, والخير والشَّرِّ، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ) الأنفال:28 ، 29 .

2 –  وسبيل إلى رحمة الله والهدى والمغفرة: قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الحديد .

قال ابن القيِّم – رحمه الله – في تفسير هذه الآية: «ضمن الله تعالى لهم بالتَّقوى ثلاثة أمور: أحدها أعطاهم نصيبين من رحمته؛ نصيبًا في الدُّنيا, ونصيبًا في الآخرة, وقد يضاعف لهم نصيب الآخرة فيصير نصيبين.

الثَّاني: أعطاهم نورًا يمشون به في الظُّلمات.

 الثَّالث: مغفرة ذنوبهم, وهذه غاية التَّيسير, فقد جعل الله تعالى التَّقوى سببًا لكلِّ يسر, وترك التَّقوى سببًا لكلَ عسير.

 

 3 – التقوى فرج لكل هم وسعة لكل ضيق وتيسير للأمور: أنَّ الله تعالى يجعل للمتَّقي من كلِّ همٍّ فرَجًا, ومن كلِّ ضيقٍ سعةً ومخرجًا, ومن كلِّ بلاءٍ عافية, ومنها أيضًا تحصيل الرِّزق له, وتيسير الأمور عليه, قال تعالى: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ) الطلاق: 2-3, وقال تعالى: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ) الطلاق: 4 ، قال الرَّبيع بن خثيم: «يجعل له مخرجًا من كلِّ ما ضاق على النَّاس».

4- التقوى تكفير السيِّئات وتعظيم الأجور والحسنات: قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ) الطلاق: 5 ، قال ابن كثير: أي يذهب عنه المحذور، ويجزل له الثَّواب على العمل اليسير.

5 – التقوى طريق لنيل ولاية الله تعالى: فولاية الله تعالى لا تنال إلاَّ بطاعته وخشيته سبحانه, وتحصل بها البشرى في الدُّنيا والآخرة, قال تعالى: ( أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ) 62 ، 73 : يونس .

فكلُّ من كان تقيًّا كان لله وليًّا, ومن كان عن التَّقوى متخلِّيًا لم يكن لله وليًّا ولو كان بالدَّعوى متحلِّيًا, قال تعالى: ( وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)

6 – التقوى سبيل حسن العاقبة: حصول العاقبة الحسنة والطَّيِّبة لهم في الدُّنيا والآخرة: لقوله تعالى (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)83 : القصص.

 وّثمار التَّقوى كثيرة غزيرة, متنوِّعة متعدِّدة, لا يمكن حصرها في هذا المقال، وإنَّما ذكرنا بعضها على سبيل المثال حتَّى يحسن بها الامتثال, فيسعد صاحبها في الحال والمآل, واللهَ نسأل أن يرزقنا التَّقوى في كلِّ الأحوال.

7 – بالتقوى ينال المرء محبة الله ومعيته: قال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) 4: التوبة, وقال تعالى: ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) 194: البقرة .

 8 – التقوى نجاة من النار بعد ورودها: بحيث يَرِدُ التَّقيُّ عليها ورودًا ينجو به من عذابها, بينما الظَّالمون يردونها ورودًا يصيرون جثيًّا فيها، قال تعالى: ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا )71 – 72 : مريم .

9 –  التقوى سبب لوراثة الجنة: قال تعالى: ( تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) 63 : مريم .

 

قصص عن تقوى الصالحين

 

 1- قال رسول الله صلى الله عليه: اشترى رجل من رجل عقاراً فوجد الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك إنما اشتريت منك الأرض ولم أشتر الذهب، وقال الذي له الأرض إنما بعتك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية، قال: أنكحا الغلام الجارية، وأنفقا على أنفسكما منه وتصدقا”, رواه البخاري ومسلم.

 

 2 – عن انس رضي الله عنه قال: ( بينما رسول الله جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه فقال له عمر: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي . فقال الله: كيف تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء. قال: إن ذلك ليوم عظيم يحتاج الناس أن يحمل من أوزارهم ، فقال الله للطالب: ارفع بصرك فانظر، فرفع فقال: يا رب أرى مدائن من ذهب وقصوراً من ذهب مكللة باللؤلؤ. لأي نبي هذا, أو لأي صديق هذا أو لأي شهيد هذا؟، قال: لمن أعطى الثمن. قال: يا رب ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه. قال: بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك. قال: يا رب، إني قد عفوت عنه. قال الله: فخذ بيد أخيك وأدخله الجنة” فقال رسول الله عند ذلك :” اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله يصلح بين المسلمين)، رواه الحاكم والبيهقي.

 

 3 – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينما رجل يمشي بفلاة من الأرض فسمع صوتاً في سحابة: اسق حديقة فلان فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حِرة ( أرض ذات حجارة سوداء) فإذا شرجة (هي مسيل الماء) من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقة يحول الماء بمسحاته فقال له: يا عبد الله ما اسمك قال: فلان ـ للاسم الذي سمع في السحابة ـ فقال له: يا عبد الله لم تسألني عن اسمي . فقال: إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها فقال: أما إذا قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثاً وأرد فيها ثلثه). رواه مسلم.

شاهد أيضاً

يوم عرفة.. أسرار وفضائل

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتمّ علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينًا، وصلاة وسلامًا …