مناطق ونماذج صارخة من التهجير القسري
بدأ النظام السوري وداعمه الإيراني, ومن بعد الروسي, بتطبيق سياسة تخيير المحاصرين من أهل المدن والقرى المستهدفة ما بين التجويع والإبادة أو التسفير والتهجير، بشكل علني عام 2013 وتصاعد الأمر ليصل إلى مدينة حلب نهاية العام الماضي. ضمن هذا الإطار، نشر مراسل صحيفة الجارديان البريطانية في بيروت مارتن شيلوف؛ الحائز على جائزة أورال للصحافة تقريرا في الصحيفة يوم 14-1-2017، كشف فيه قيام إيران بتنفيذ عمليات تغيير ديموغرافي، عبر طرد سوريين من دمشق ومحيطها وتأمين الطريق الرابط بين دمشق والحدود اللبنانية من خلال إحلال عائلات من العراق ولبنان محل العائلات السنية التي يتم طردها، الأمر الذي سينعكس مستقبلاً ليس على سوريا وحدها، وإنما أيضاً على النفوذ الإيراني في المنطقة، بحسب التقرير. ونقل التقرير عن مسؤول لبناني كبير قوله إن إيران والنظام السوري لا يريدان أياً من السنة بين دمشق وحمص والحدود اللبنانية، مضيفا بأن هذا يمثل تحولا تاريخيا في التركيبة السكانية.
فيما يلي بعض من المناطق التي تعرضت للتهجير القسري والتطهير المذهبي:
القصيـر: اجتاحتهـا مليشـيات حـزب الله، عـام 2013، وهجرت أهلهـا ودمـرت مسـاجدها، ومنعـت أهلهـا مـن العـودة إليهـا، ووطنـت مكانهـم شـيعة مـن مليشـيات طائفيـة وأهمهـم لـواء الرضـا مع عائلاتهم، ولم يُخف الحـزب نيتـه تحويلهـا ملاذا آمـنا للشـيعة، حيـث يؤكـد النائـب اللبنانـي معيـن المرعبـي تواجـد مطلوبيـن للحكومـة اللبنانيـة مـن حـزب الله، مقيميـن فيهـا، متمتعيـن بحمايـة مليشـيات الحـزب (التهجير القسري – الجسور للدراسات – سبتمبر 2016). المدينة التي تحولت إلى ثكنات عسكرية ومراكز لتدريب الميليشيات الشيعية شهدت عرضا عسكريا كبيرا لحزب الله بمناسبة ما يسمى بيوم الشهيد 13-11-2016 شارك فيه المئات من مقاتلي الحزب، بالإضافة إلى فوج المدرعات الذي استعرض عشرات الدبابات والآليات الثقلية والمدافع.
مدينة حمص:شهدت المدينة محاولات من النظام لتبديل تركيبتها السكانية في مرحلة ما قبل الثورة، ومنها بدأ تطبيق سياسة التهجير القسري والتغيير السكاني. فقد تعرضت أحياء المدينة القديمة التي تسكنها أغلبية سنية لقصف واسع وتدمير شبه كامل دفع معظم أهلها للجوء والنزوح. وبعد حصار دام عامين، انتهى بعقد اتفاق بين النظام ومعارضيه برعاية روسية في 4 أبريل 2014، يقضي بإخراج المقاتلين البالغ عددهم 2250 مقاتلاً، إضافة إلى المدنيين الذين كانوا محاصرين معهم في المدينة إلى الريف الشمالي. هذا الاتفاق أدى، بحسب الناشط الإعلامي في مدينة حمص “يعرب الدالي” إلى تفريغ المدينة من معارضي النظام، واستقطاب موالين بدلاً عنهم، حيث انخفض عدد سكان حمص من مليون ونصف مليون نسمة قبل بداية أحداث الثورة السورية إلى قرابة 400 ألف نسمة حالياً، بعد أن تم تهجير قرابة 65% من سكان المدينة الأصليين نحو دول الجوار ومحافظة إدلب (حسام الجبلاوي – مركز رفيق الحريري للدراسات الشرق الأوسط).
داريا: أربع سنوات من الحصار والجوع والقصف أجبرت من بقي من سكان داريا على التفاوض مع النظام في أغسطس 2016، والقبول بالتهجير القسري الذي فرضه عليهم أو إبادتهم، لتتحول المدينة التي كانت تضم 250 ألف نسمة قبل الثورة إلى مدينة فارغة من سكانها وخاوية على عروشها. بقيت داريا محاصرة أربع سنين محرومة من قوافل المساعدات الطبية والغذائية لتدخلها في 10 يونيو 2016 أولى قوافل الأمم المتحدة وقد غابت عنها المساعدات الضرورية وحضرت حبوب موانع الحمل وخيم مقاومة البعوض. كانت شروط النظام بعد قصف عنيف وبشكل متواصل استخدم فيه كل أنواع الأسلحة: إما إخلاء المدينة بشكل كامل وتام وإلا إفنائها وإبادة من بقي فيها بالقذائف والحمم، ولم يكن أمام المحاصرين المنهكين وفي ظلال صمت دولي ولا مبالاة عالمية إلا القبول بشروط النظام القاسية والرضوخ لها. وبحسب تقرير نشرته الجارديان البريطانية على موقعها (14-1-2017) فقد تم استقدام 300 عائلة شيعية عراقية للاستيطان في داريا التي هجر منها أهلها.
معضمية الشام: بعد سنوات من الحصار القاسي وبعد عمليات القصف المستمر دخلت معضمية الشام في ريف دمشق الغربي في مسار التهجير والتغيير الديموغرافي ليكتمل بالتهجير ما بدأه النظام باستهداف الحياة حصارا وقصفا. ففي يوم 19-10-2016 تم إخراج مئات المقاتلين مع عائلاتهم نحو إدلب شمال سوريا.
الزبداني: منطقة الزبداني من المناطق المستهدفة بالتهجير والتغيير السكاني، ففي مفاوضات جرت أغسطس 2015 بين وفد إيراني وحركة أحرار الشام بالنيابة عن جيش الفتح، طالب الإيرانيون بمبادلة السكان الشيعة في كفريا والفوعة الواقعتين في إدلب بسكان الزبداني الواقعة في ريف دمشق وبشكل متعاكس. وهو ما رفضته المعارضة وأدى إلى انهيار تلك المفاوضات. غير أن محاولات التهجير السكاني المحمومة استمرت بوتيرة متسارعة. ففي تقرير نشره موقع الجزيرة نت 31-7-2016 أكد الأهالي وناشطون أن حزب الله اللبناني ينفذ تهجيرا طائفيا ممنهجا للسكان بمنطقة الزبداني المحاذية للحدود مع لبنان، حيث أجبر الحزب أكثر من خمسين عائلة على مغادرة منازلهم بمنطقة العقبة، ثم نهب مقاتلو الحزب المنازل وأحرقوها. وروت إحدى السكان أن مقاتلي الحزب اقتحموا المنطقة وطلبوا من الأهالي إحصاءً دقيقا لسكان كل منزل، مبررين ذلك بجلب مساعدات من الأمم المتحدة، وبعدها مباشرة بدأت عملية التهجير على مراحل، حيث أبلغوا ساكني كل حارة بوجوب المغادرة خلال خمسة أيام. ووفق المجلس المحلي في بلدتي مضايا وبقين، فإن هذه الواقعة تعد حلقة في “مسلسل التهجير الممنهج” الذي ينفذه حزب الله في منطقة سهل الزبداني بتسهيل من قوات النظام، حيث أجبر الحزب نحو مئتين وخمسين عائلة على مغادرة منازلهم خلال عامين، كما أجبروا قرابة خمسين ألف مدني على النزوح من الزبداني. ويقول رئيس المجلس المحلي محمد عيسى “أدركنا منذ بداية المعارك في المنطقة أن الهدف هو تغيير التركيبة السكانية على أساس طائفي، عبر تهجير الأهالي بغض النظر عن توجههم السياسي، فحتى المؤيدون للنظام تم تهجيرهم”. ويضيف أن الجامع الكبير في بلدة الحوش حوله حزب الله إلى حسينية شيعية “ما يؤكد الدافع الطائفي وراء عمليات التهجير”، معربا عن مخاوفه من تغيير التركيبة السكانية بالمنطقة وتحويل كل المساجد إلى حسينيات.
مدينة حلـب: تـم تهجيـر أغلـب سـكانها تحـت القصـف المتواصل والبراميـل والصواريخ، فتناقـص عـدد سـكانها فـي المناطـق الشـرقية التي كانت تحت سيطرة المعارضة منذ عام 2012، مـن نحو ثلاث ملاييـن إلـى 300 ألـف نسـمة. ومع اشتداد الحصار القاتل والقصف الروسي بأسلحة وصواريخ متطورة وفراغية رضخ المعارضون وتم توقيع اتفاق في ديسمبر 2016 نص على تهجير ونقل المقاتلين وعشرات الآلاف من المدنيين نحو ريف حلب أو محافظة إدلب. نفذت قوات النظام والميلشيات التي تقاتل معها حملات إعدام ميدانية فور بسط سيطرتها على أحياء حلب الشرقية، منها إعدام الكادر الطبي لمشفى الحياة في حي الكلاسة، بعد اقتحام المستشفى أثناء تمشيط المنطقة. كما أعدمت 34 شخصا وأحرقت, حتى الموت, تسعة اطفال في حي الفردوس، كما نُفذت مجموعة من الإعدامات الميدانية في أحياء الكلاسة، الفردوس، الصالحين وبستان القصر. ويبدو أن أحد أهداف تلك الحملات بالإضافة إلى الانتقام، دفع عموم المدنيين إلى النزوح والهجرة والفرار والتخلي عن بيوتهم وممتلكاتهم.
التهجير الداخلي في أرقام
تتباين التقديرات في أعداد النازحين واللاجئين في سوريا, وهو أمر طبيعي نظرا لطبيعة الصراع القاسية وأساليب الدمار العنيفة والسياسة الوحشية التي يستخدمها النظام وداعموه. ومع تباين التقديرات إلا أنها جميعها تجمع على ضخامة الكارثة وعظم المصاب السوري الذي أصبح من أعظم المآسي الإنسانية في عصرنا الحالي وربما على مر الدهور والعصور. ففي تقرير صدر عن “مركز رصد النزوح الداخلي” والذي يتبع للمجلس النرويجي للاجئين في 13-5-2014 تصدرت سوريا قائمة البلدان التي تشهد نزوحا داخليا في العالم خلال عام 2013، مع وصول عدد الهاربين من هول الأحداث المتواصلة إلى 9500 شخص يوميا؛ إذ سجل نزوح عائلة واحدة على الأقل كل دقيقة. وذكر التقرير أن سوريا تشهد أكبر أزمات النزوح في العالم وأسرعها تفاقما، لافتا إلى أن نسبة النازحين السوريين داخل بلادهم تبلغ 43 %. وبحلول نهاية عام 2013، كان 8.2 مليون شخص قد نزحوا على مدار العام، بزيادة قدرها 1.6 مليون نازح جديد عن العام السابق. وهذا الأمر يمثل زيادة مذهلة تبلغ 4.5 مليون نازح على الرقم المسجل في عام 2012، مما يشير إلى ارتفاع قياسي للعام الثاني على التوالي. في حين نشر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية إحصائية قبيل إصدار التقرير النرويجي، قدرت أعداد النازحين داخل سوريا 8.8 مليون، مقابل 3.2 مليون لاجئ خارج سوريا. ولفتت إحصائية الائتلاف إلى أن خمسة ملايين ونصف المليون طفل بحاجة إلى مساعدة، منهم أربعة ملايين و300 ألف داخل سوريا، و2.8 مليون طفل سوري خارج التعليم، و8 آلاف حالة اغتصاب.
في مؤتمر صحفي عقد في العاصمة الأردنية عمان يوم 24 أكتوبر 2016 ونشر تفاصيله موقع المفوضية، قال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيليبو جراندي إنه منذ بداية الصراع في عام 2011، نزح أكثر من 6.5 مليون شخص داخل سوريا بينما لجأ حوالي خمسة ملايين شخص إلى الخارج، لا سيما إلى البلدان المجاورة. وأضاف: “إن حدود سوريا مغلقة تقريباً أو يصعب جداً عبورها، وتشعر البلدان المجاورة بأن قدراتها استُنفدت مع استقبال حوالي خمسة ملايين لاجئ سوري. وهذا يعني أن السوريين عالقون داخل سوريا في هذا الوضع المستحيل”. وأضاف: “هذا يعني أن النزوح داخل سوريا سيزداد أكثر فأكثر. ونحن نقدر بأن يكون 6.57 مليون شخص خارج منازلهم اليوم، وأنا متأكد من هذا العدد سيرتفع إذا لم يتوقف القتال”.
وفي مقال نشره موقع سي إن إن العربي بتاريخ 26-12-2016 بقلم فادي الجردلي (بروفيسور في السياسات والأنظمة الصحية في الجامعة الأمريكية في بيروت وعضو مجلس إدارة منتدى الأنظمة الصحية العالمية) ورشا فضل الله (باحثة في شؤون الأنظمة الصحية وعضو في منتدى الأنظمة الصحية العالمية)، جاء فيه أن المعنيين بالشأن الإنساني يصفون الأزمة السورية بأنها أسوأ أزمة إنسانية في تاريخنا المعاصرة، فيما تشير التقديرات إلى أن عدد النازحين داخل سوريا يقارب 7.5 مليون نازح، في حين يتجاوز عدد من نزحوا إلى الدول المجاورة 4.8 مليون.
مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات