بإعلان قصر الإليزيه أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يسيستقبل اليوم السبت، رئيس الحكومة اللبنانية المستقيل؛ سعد الحريري، تكون السعودية قد لحقت بها خسارة جديدة على صعيد العلاقات الدولية بعد خسارتها في سوريا, وخسارة معركة حصار قطر, وخسارتها حتى الآن الحرب في اليمن.
وقال بيان فرنسي إن ماكرون سيستقبل الحريري في قصر الإليزيه عند الساعة 12:20 بالتوقيت المحلي (11:20 بتوقيت جرينتش)، قبل أن تنضم إليهما عائلة رئيس الوزراء اللبناني المستقيل على مائدة غداء، دون الكشف عن تفاصيل أخرى، حسب صحيفة «لو فيجارو» الفرنسية.
كان وزير الخارجية اللبناني؛ جبران باسيل، صرح، الإثنين الماضي، بأن بلاده قد تتخذ خطوات جديدة, لم يحددها إذا لم يعد الحريري من السعودية، قبل الأحد المقبل (غدًا)، ودعا الاتحاد الأوروبي وفرنسا إلى تأمين عودته لإنهاء حالة الشك بشأن احتجاز السلطات السعودية له، ودعم استقرار لبنان.
كان الحريري نفى مجددا عبر «تويتر»، معلومات تتردد عن إقامته الإجبارية بالمملكة، في حين يرى مراقبون أن عدم عودته إلى لبنان دليل على وقوعه تحت ضغوط من قبل السلطات السعودية.
وقال إن «إقامتي في المملكة هي من أجل إجراء مشاورات حول مستقبل الوضع في لبنان وعلاقاته بمحيطه العربي، وكل ما يشاع خلاف ذلك من قصص حول إقامتي ومغادرتي أو يتناول وضع عائلتي لا يعدو كونه مجرد شائعات».
يشار إلى أن الرئيس الفرنسي قال، للصحفيين، الأربعاء الماضي: «اتصلت بمحمد بن سلمان وبسعد الحريري، واتفقنا على أنني سأدعوه (الحريري) إلى فرنسا مع أسرته»، مشددا على أن «الأمر يتعلق بزيارة لبضعة أيام، وليس عرضا للجوء إلى فرنسا».
بينما نقلت رئيسة «الكتلة الشعبية» في لبنان؛ ميريام سكاف، في بيان، عن الرئيس اللبناني ميشال عون، أن الحريري سيصل السبت إلى باريس مع عائلته ليرتاح في فرنسا أياما قليلة معدودة قبل أن يعود إلى بيروت وعندها يقرر في مسألة الاستقالة.
ووجه وزير الخارجية الألماني؛ زيجمار جابرييل، الخميس الماضي انتقادا شديد اللهجة، لتصرفات السعودية مع رئيس الحريري ووصفها بأنها «ليست معتادة».
وقال خلال لقائه، مع نظيره اللبناني؛ باسيل في برلين، في إشارة إلى القيادة السعودية «إن هناك إشارة مشتركة من جانب أوروبا بأن روح المغامرة التي تتسع هناك (بالمملكة) منذ عدة أشهر، لن تكون مقبولة ولن نسكت عنها».
وأضاف جابرييل أنه «بعد الأزمة الإنسانية والحرب في اليمن وبعد ما حدث من صراع مع قطر، صار هناك منهجية للتعامل مع الأشياء وصلت ذروتها الآن في التعامل مع لبنان».
وردا على سؤال عما إذا كان من الممكن ابتزاز الحريري بعدم السماح لأسرته بالسفر معه إلى باريس، قال إنه مقتنع بأن أحدا لا يمكنه منع رئيس الوزراء اللبناني وأسرته من قبول الدعوة لزيارة فرنسا، فيجب أن يتمكن من السفر دون أي تضييق.
واعتبرت الخارجية السعودية أن تلك التصريحات تثير استغراب واستهجان السعودية، بحسب وكالة الأنباء السعودية «واس», وقالت: «تعتبر المملكة أن مثل هذه التصريحات العشوائية المبنية على معلومات مغلوطة لا تدعم الاستقرار في المنطقة، وأنها لا تمثل موقف الحكومة الألمانية الصديقة، التي تعدها حكومة المملكة شريكاً موثوقاً في الحرب على الإرهاب والتطرف، وفي السعي لتأمين الأمن والاستقرار في المنطقة».
وقال الرئيس اللبناني، الخميس الماضي، في تغريدة على «تويتر»: «أنتظر عودة الرئيس الحريري من باريس لنقرر الخطوة التالية بموضوع الحكومة».
اللعبة الخطرة
وحسب “أمريكان انترست” فإن قصة الحريري من الصعب التعامل معها بمستوى معين من السذاجة أو العمى السياسي لمواصلة الاعتقاد بأنه قد استقال بمحض إرادته.
وبالنظر إلى كل المعلومات التي ظهرت منذ هذا التطور المذهل، فإن التفسير الأكثر إقناعا هو أن الرياض قد أجبرت الحريري على الاستقالة كجزء من استراتيجية السعودية الأكثر عدوانية لمواجهة إيران في لبنان وعبر المنطقة.
وقد سئم السعوديون من رئاسة سعد لحكومة يديرها حزب الله فعليا، وهو ما أدى أيضا إلى تعزيز الشرعية الدولية لحزب الله ، ومنحه منصة لمتابعة أجندته الإقليمية المؤيدة لإيران.
وربما لم يدرك السعوديون معاني كلماتهم فيما يتعلق بنواياهم الجديدة تجاه لبنان, فهم يعتبرون الحكومة في بيروت معادية ويسيطر عليها الإيرانيون، وأعلنوا أنهم سيقاتلونها بطرق شتى، بما في ذلك تشجيع الإسرائيليين على شن حرب ضد حزب الله، والتنسيق مع واشنطن بشأن فرض عقوبات مؤلمة على الحزب، وسحب ودائع السعودية من لبنان، حتى لو أدى ذلك إلى خراب سياسي وانهيار اقتصادي. ولا يعد طلب الرياض من المواطنين السعوديين مغادرة لبنان فورا أمرا مطمئنا بالتأكيد.
ويصبح السؤال ما إذا كان السعوديون يرغبون في تحقيق أهدافهم في البلاد معه أو بدونه.
وإذا كان الأمر الأول، فمن غير الواضح لماذا أصر السعوديون على إعلان سعد استقالته من الرياض، وليس من بيروت.
فبعد كل شيء، كان بإمكانهم أن يأمروه بسهولة بمغادرة الحكومة، بينما يُسمح له بالعودة إلى بيروت لتبادل الأخبار مع الشعب اللبناني وحلفائه، حتى يكونوا مستعدين بشكل أفضل لليوم التالي.
بدلا من ذلك، أذل السعوديون الحريري، من خلال تعزيز التصور الذي يقول إنه يتْبع بشكل صارم وغير مشروط أوامر الرياض، وليس له مجال للعمل المستقل في وجود علاقته مع الرياض (على عكس رئيس حزب الله؛ حسن نصر الله، الذي لديه مجال واسع للمناورة في علاقته مع طهران).
ولا يزال الشارع السني اللبناني في المقام الأول مؤيدا للسعودية، نظرا لعدم وجود بدائل ذات مصداقية، ولكن رؤية قائدهم محتجزا ويعامل كدمية أمام العالم أجمع، يجعل الكثير من مؤيدي الحريري غاضبين.
وحتى منافسيه، بمن فيهم؛ حسن نصر الله، أظهروا تضامنا مع مأزقه، ورفضوا فكرة أن يكون قد استقال من تلقاء نفسه، وطالب نصر الله السعوديين بالإفراج عنه فورا.
وإذا كان هدف السعوديين تمكين الحريري من التحول إلى المعارضة، ومن ثم رعايته في الانتخابات البرلمانية اللبنانية المقبلة (المقرر إجراؤها في مايو 2018)، فقد يكونون كمن أطلق النار على نفسه، وربما يكونون قد أحرقوه سياسيا بمعاملتهم المهينة له.
يعد موقف الحريري الآن سيئا للغاية، ولن يُكسبه المزيد من المؤيدين بين السنة أو غيرهم، وخاصة أولئك الذين لا يؤيدون الرياض، والذين خاب أملهم ويشتاقون لزعيم أقوى. ومع ذلك، حتى لو غفر اللبنانيون السنة الموقف ونسوا الصراع الذي افتعلته السعودية بشكل غير معهود، فإنهم، شأنهم شأن كل اللبنانيين، لن يدعموا سياسة العقاب الجماعي كوسيلة لإيذاء حزب الله، وهي خطوة مأخوذة من دليل اللعب الإسرائيلي.
ولكن ربما كانت إزالة الحريري من المشهد السياسي اللبناني هي الخطة السعودية طوال الوقت.
وفي الواقع، من الممكن تماما أن يكون سعد أول ضحايا سياسة الرياض الجديدة في لبنان.
ولا يرى محمد بن سلمان في سعد الاستعداد أو القدرة على مواجهة حزب الله، على الأقل بالطريقة التي يريدها السعوديون على وجه التحديد، الأمر الذي أذن بالقضاء عليه من خلال اتهامه بالفساد في ما تبقى من عمله المالي والأصول الخاصة في المملكة (سعد مواطن لبناني سعودي مزدوج الجنسية)، تماما كما فعلت مع عشرات الشخصيات السعودية البارزة والأثرياء، الذين كانوا قد رفضوا الاستثمار في رؤية بن سلمان للمملكة أو انتقدوها.
ويعني هذا أن السعوديين سيضطرون إلى إيجاد ودعم بديل لسعد (إذا لم يكونوا قد بدأوا بالفعل)، ذلك البديل الذي سيكون على استعداد تام لمواجهة استراتيجية حزب الله.
ويمكنهم إعادة إحياء علاقتهم القديمة مع رئيس الوزراء السابق؛ فؤاد السنيورة، وهو أحد المقربين من رفيق الحريري؛ والد سعد، الذي اغتيل على الأرجح على يد نظام الأسد وحزب الله في 2005، وصديق واشنطن، الذي كان ينظر إليه تقليديا على أنه أكثر تشددا تجاه حزب الله.
لكن السنيورة كان خارج السياسة لبعض الوقت، ومن غير الواضح كم الدعم الذي لا يزال لديه في الشارع السني، وربما الأهم من ذلك، ما إذا كان يريد الانضمام إلى السعوديين في مثل هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر.
وهناك مرشح أكثر احتمالا هو أشرف ريفي؛ الرئيس السابق لقوى الأمن الداخلي اللبناني ووزير العدل السابق، الذي انتقد قيادة سعد، واقترح موقفا أكثر صرامة ضد حزب الله.
ومهما كان قرار تسفير الحريري إلى فرنسا، فإن مستقبله السياسي لم يعد مؤكدا بشكل تام.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات