الريسوني يفجّر أزمة بكلامه عن “مغربية موريتانيا”

“إن أي موريتاني له عمق ديني وتاريخي يعتبر نفسه مغربياً” عبارة جاءت مؤخرًا خلال محاضرة للدكتور أحمد الريسوني نائب رئيس اتحاد علماء المسلمين أثارت حفيظة موريتانيين؛ أحزابًا ومدونين وكتابًا وشعراء, وأخذت الاحتجاجات في معظمها طابع الاستغراب والدهشة, وطالبوا الريسوني بالاعتذار السريع عنها احتجاجا على ماجاء أيضا في محاضرته “أن موريتانيا طارئة، للأسف، والناس الذين عندهم أصالة في موريتانيا يعتبرون أنفسهم مغاربة”.

واحتج حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (مصنف بأنه حزب الإخوان)، في بيان وزعه السبت 18 مارس 2017 على تصريحات الريسوني التي تحدث فيها عن موريتانيا وعلاقاتها بالمغرب ومبرر وجودها، مؤكداً أنه يرفض هذا الحديث وطالب الريسوني بالاعتذار عن هذا الخطأ الفادح البين.

ويضيف حزب التجمع أن ما جاء في المحاضرة تضمن إساءة واضحة لموريتانيا وخطأً بيناً وخلطاً في النظر لوقائع التاريخ المسطورة المشهودة.
الجلابية دليل!

وأضاف حزب التجمع (على ربوع وطننا موريتانيا قامت حضارة ضاربة في أعماق التاريخ ولها إشعاعها الثقافي والعلمي في الشمال والجنوب ومنها انطلقت تجربة المرابطين كما قرر مؤرخو الصحراء والغرب الإسلامي، ونؤكد على علاقات الأخوة مع كل أهلنا في العالم الإسلامي ومع جوارنا الإفريقي والمغاربي بصفة خاصة، ونعتقد أن علاقة التكامل والتعاون هي الأنسب والأسلم وتغني عن أي أمر يفهم منه الإلحاق والتبعية). 
وتحت عنوان «كان أولى للريسوني أن يقول غير ذلك»، كتب المدون الموريتاني البارز أحمدو بزيد (الدكتور الريسوني أطل علينا اليوم في مستهل ربيع العام هذا، بوجهة نظر أخرى تعدت إلى غير مقاصدها، وانزاحت بمثله عن مسار المنتظر منه حيال معطيات وحقائق تاريخية لا ينبغي أن تغيب عن إنسان في مرتبته  .
وقال ( بدا جلياً أنه في حديثه عن «اتحاد علماء المسلمين» أجبر السياق على الخروج عن موضوع الحديث، ليقول كلاما كان الأولى بمثله تركه، وإن اعتقده جازما، فلو تجاوزنا مرحلة استقلال موريتانيا وموقف المغرب وحزب الاستقلال في ذلك الظرف، لما سمعنا قولا بمغربية موريتانيا، فلا التاريخ مساعد على القول بذلك ولا الجغرافيا معينة عليه، وكل صلات التبعية وأصول الانتماء منبتة بين المنتَمي والمدَّعي لانتمائه إليه ).
وأضاف بزيد: «فلا لهجة تجمع، ولا صلة أنساب، ولا مشتركات كثيرة في الثقافة الشعبية، ولا شيء كان من الحكامة السلطانية على منطقةٍ كانت تحكمها إمارات حسانية…. وغير ذلك كثير .. لقد استدل الريسوني على مغربية موريتانيا بدلائل طريفة حيث قال إن «جلابية» الشيخ عبد الله بن بيه، برهان على مغربيته! وهذا لعمري من عجيب الأمر! فلو كانت «الجلابية» دليلا لقلنا إن موريتانيا موزعة الأصول بين دول العالم، إذا كان الأمر متعلقا بالتزيي ببعض أزياء دول العالم الأخرى.
وزاد ( ذكر الريسوني أن مالكية الشيخ دليل على مغربيته! لقد كان يمكن للريسوني القول أيضاً بتونسية الشيخ، إذ وصل المذهب المالكي في القيروان ما وصل، كما كان يمكنه القول بمصرية الشيخ وسودانيته وجزائريته وكل بلد يوجد فيه المذهب المالكي).
ويضيف المدون بزيد: أما استدلاله بقول الشيخ ابن بيه بمغربيته فلا أحد منا إلا يقول: نحن المغاربة وفي المغرب ومن المغرب .. لكن المقصود هو: المغرب العربي، وليس الدولة، وما كان ذلك ليخفى على عالم المقاصد، أما الأعجب فهو قوله: إن أي موريتاني له «روح إسلامية يعتبر نفسه مغربيًا»! فالسؤال لعمري: أين العلاقة بين الإنتماء والروح الإسلامية؟ لقد كنا نرى الإنتماء للدين أشمل من الصلة بالمكان».
وأما قوله بأن موريتانيا «مسألة طارئة» فلا طارئة أجد من هذا الكلام، وبخاصة إذا صدر ذلك من شخص مثل الريسوني، وسنحيل «طارئة موريتانيا» إلى تاريخ الدولة المرابطية، خاصة حينما قصد ابن تاشفين الشمال.
وخلص للقول «ما كتبت هذا عن دافع عقدة التبعية وحرج الانتماء، فذلك شيء متجاوز، ولكن كتبته تعجباً من صدور مثل هذا الكلام من الدكتور الريسوني الذي نُجله، ونحب بلده الجار الشقيق والبلد الطيب”.
أما الشاعر الموريتاني الدكتور آدي ولد آدبه فكتب تحت عنوان «المغرب وعقدة موريتانيا: «أنا مدينٌ للمغرب بالتقدير، ما لم تطْفُ «عقدة موريتانيا» المُسْتحْكمة في نفوس الغالبية طفْرة، أو تَقَصُّدا، فهنا لا أعرف المُجاملات أبدا.  

وتساءل آدي ولد آدبه: هل تعتقد جازماً، أن لبْسي ولبْسك للبذلة العصرية، دليلٌ كافٍ لقبولنا بالانتماء للغرْب؟ وهل ارتداؤك لساعة سويسرية، وارتدائي لأخْرى صينية، حُجَّةٌ مُقْنعة، على أنَّ كلاً منَّا ينتمي للقُطْر المُصَنِّع؟ ثم ألا ترَى أنَّ «الجلابية» زيٌّ «مَغاربي»، قد يَرَاه العَلَّامة الموريتاني الكبيرُ في السِّنِّ والمَعْنَى: عبد الله بن بيَّه -أطال اللهُ بقاءه- أنْسبَ له في تحرُّكاته، خلال أسْفاره الكثيرة، وأليقُ به من البذْلة العصْرية؟ مع إنِّي رأيتُكَ أكثرَ من مرَّة تلبسُ هذه، وتلبسُ «الكندورة الخليجية»، ومع ذلك لم يُساوِرْني شَكٌّ في مَغربيتك.
وأخيراً، يضيف آدبه، متى كانت صِفَتا: «المَغربية»، و«المَالكية» حكْراً على «المملكة المغربية»، دون أخَوَاتها، في هذا الفضاء المكاني «المالكي»، المُقابِل لفضاء المَشْرِق؟ دونَ اسْتحضار طبعاً لحُكْمٍ قِيمي على الجِهات الجغْرافية، «وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيم» .

طارئية موريتنانيا

وزاد «لا شكَّ أنكَ- وأنتَ العالم النحْريرُ- تعرف – أكثرَ مني- أنه كان هناك- ولايزالُ- مَغْرب عام- بهذا المَفهوم-، ينتمي إليه جميعُ سَاكِنِيه، وأنَّهم كانوا يسمُّونَه حتى بـ «الغرْب»، قبل وجود مسمى «الغرب» الجديد، وأن ذلك الغرب أو «المغرب الكبير» كان يُجَزَّأُ- أحيانا- في الأدَبِيَّات الجغْرافية، إلى «مَغْرب أدْنى»، و«مَغْرب أوْسَط»، و«مَغْرب أقْصى».. حسب درجات قرْبه وبُعْده من «المَرْكِزية المَشْرقية»، الواصفةِ له، انطلاقا من ذاتِها، ومَوْقِعِها… وأنَّ هذه المَغاربَ المتعددةَ، هي ما أصبحت تسمَّى اليوم: ليبيا، وتونس(أفريقية)، والجزائر، والمملكة المغربية، والجمهورية الإسلامية الموريتانية (شنقيط).. وإذا كانت «موريتانيا»- كما قلتَ- «طارئة»، فإنَّ تسْمياتِ هذه الدول الحالية، بحدودها التجْزيئية، لمَغْربها الكبير، كلها طارئة، أيضا، بما في ذلك دولتك أيها العلامة الريسوني، فقد قرأتُ خلال إقامتي الكريمة، الجميلة بين ظهراني شعبكم الطيب، بحْثا يرصدُ تعاطي الصحافةِ المِصْرية مع بلدكم، خلال فتْرة منْفَى الملك محمد الخامس رحمه الله، فوجدْتُ أنَّ ممْلكتكم لا تُسَمَّى يوْمَها إلا بــ «مرَّاكش»، وبهذا الاسْم- مُحَرَّفًا قليلا- خلدَ اسمُها عند جميع الغرْب«Maroc»، وهو المتداول بجميع لغاته حتى الآن.
وخاطب ولد آدبه الريسوني قائلاً «كلِّي رجاءٌ أيُّها البَحَّاثة الأصولي، المَقاصدي، أنْ يكونَ لـ «تأصِيلك» لمَغْرِبية موريتانيا، بمفهوم «المَغربية» الضيق، «مَقْصَد» أسْمَى من مجرد الخطاب السياسي البائد، الذي انتهتْ صلاحيته منذ عقود، بعد استقلال كل من دولتيْنا، من «مُستعْمِرهما» المشترك؛ الخُلاصةُ أنِّي كنْتُ أرْبَأ بعالمٍ جليلٍ، متخَصِّص في المدْرسة المَقاصدية الفقْهية الأصُولية، ويتبوَأ رئاسةَ «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين»، عنْ أنْ تجرَّه «عقدة موريتانيا» إلى أنْ يبني خِطابَه الإقناعي الحِجَاجي على مُسَلَّمات واهيةٍ، أقرب إلى أسلوب المدرسة الشعبوية «الشبَّاطية، منها إلى المدرسة الأصولية الشاطِبِيَّة».

وحتى كتابة هذا التقرير, كان د. الريسوني يلتزم الصمت بينما تفاعل مع الأزمة نشطاء أكدوا أن المغرب جزء من موريتانيا, وموريتانيا جزء من الجزائر, والمغرب جزء من موريتانيا والجزائر, وتونس كذلك جزء من جيرانها ، الكل كان ومازال جزء من الكل إلى أن جزأنا الاستعمار إلى جزيئات صغيرة، وصدقنا تلك الكذبة.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …