الجمال مطلب وأمنية كل نفس سوية، والجمال مطلوب في الزوجين -خاصة في الزوجة – كي تتآلف النفوس وتدوم أواصر الود، والمرأة مخلوق جميل يصعب مقاومة سحره وفتنته.
وقد وردت الوصية النبوية بضرورة نظر الخاطب لخطيبته. فعن المغيرة بن شعبة، قال: خطبت جارية من الأنصار، فذكرت ذلك للنبي – صلى الله عليه وسلم- فقال لي: «رأيتها؟» فقلت: لا فقال: «اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» فذكرت ذلك لوالديها، فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقمت، فخرجت، فقالت الجارية: عليّ بالرجل قال: فرجعت، قال: فرفعت ناحية خدرها، وقالت: إن كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أمرك أن تنظر فانظر، وإلا فإني أحرج عليك أن تنظر. قال: فنظرت إليها فتزوجتها، فما تزوجت امرأة كانت أحب إلي، ولا أكرم علي منها.
وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي تزوج امرأة من الأنصار: «أنظرت إليها؟» قال: لا، قال: «فاذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئاً».
ليس المقوم الوحيد
إلا أن الجمال – على أهميته – ليس المقوم الوحيد لحياة زوجية هنية، فالجمال لا قيمة له مع الزوجة البلهاء ضعيفة العقل أو ممسوخة الشخصية، وما ينفع الجمال مع المرأة غير النظيفة، وهل للجمال فائدة مع الزوجة الملولة أو الكسولة أو الكذوبة؟
لكن المشكلة تتجلى وبوضوح عند البحث عن شريكة الحياة، واعتبار الجمال الصارخ هو وحده عامل الترجيح والتفضيل, وصار الأمر كحال الجائع الذي يتصور أنه يمكن أن يلتهم طعام الدنيا بأسرها لو تهيأ له!
والكل يتناسى أن النفس ملولة، وأنها تتشوق دوماَ للتجديد والتغيير، لذلك كان للتجديد دور لا يستهان به في استقرار الحياة الزوجية والقضاء على سحابة الفتور والملل التي تغيم عليها، من تجديد في المظهر وفي الثقافة، والتجديد حتى في طبيعة التحاور والتواصل (الهدية نموذجاَ) والعلاقات الخارجية بالأسرة وترتيب المنزل.
مكمن الخطر
بل ربما صارت الزوجة الجميلة – مع عدم الدين أو ضعفه – بلاءً وشقاء لزوجها خاصة إذا كانت متكبرة ترى في جمالها منحة لا يستحقها زوجها، وأنها بجمالها الخلاب كان يمكن أن تتزوج الأقوى أو الأعلم أو الأغنى.. وهنا مكمن الخطر الذي ربما يهدد استقرار الحياة الزوجية، فمثل هذه الزوجة لا تلين لها قناة مع زوجها، وهي أشبه بالناقة الشاردة عن مسيرة القافلة، منوعة متمردة دوماً.
والطامة الكبرى لو تسرب هذا المفهوم المدمر لقناعة ونفسية الزوج، فاعتقد أن زوجته الفاتنة أكبر منه بمراحل وأعظم مكانة بمسافات، فهو معها ممسوخ الشخصية، كالعبد بين يدي سيده، وكالأسير بين يدي آسره، يبذل قصارى جهده لينال الرضا وهيات له، فهو المكدود المتعب، بل ربما شقي في هواها وتحمل عنها ما هو منوط بها من طبخ وغسل ومسح ورعاية ولد.. لا يرد لها طلباً ولو فوق إمكاناته، ولا يعصي لها أمراً ولو بان له خطؤه وجوره، بل ربما استدان ليرضيها، واختلس ليكفيها، وقطع رحمه ليحتويها، لا يبالي في هواها بصواب من خطأ، أو حلال من حرام!!
وهذا عين المذمة وأبشع فخ تنصبه الزوجات للأزواج، وهو «الهوى» الذي يهوي بصاحبة إلى أتون الشقاء في الدنيا والآخرة، ولذلك يقول الماوردي: “وقد كرهوا شدة الجمال البارع لما يحدث عنه من شدة الإدلال المؤدي إلى قبضة الإذلال”.
ويقول ابن تيمية رحمه الله في وصف حال هذا الزوج التعيس: “هؤلاء عشاق الصور، من أعظم الناس عذابًا وأقلهم ثوابًا، فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقاً بها مستعبداً لها اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد…. وهؤلاء يشبّهون بالسكارى والمجانين”.
الزوجة الجميلة والزوج الغيور
أما الزوجة الجميلة مع الرجل الغيور غيْرة مرَضِية فحياتها في جحيم ، فقائمة الممنوعات طويلة، وتصرفاتها دوماً تحوم حولها الشكوك والظنون من زوج لا يرحم مشاعرها ولا يراعي نفسيتها، فهي في استجوابات مستمرة وحصار محكم لا تنفك منه أبداً. وتهمة الخيانة أقرب ما تكون منها، ويمكن أن يقذفها بها الزوج في أي وقت، فحياتها مهددة، وثقتها بنفسها مبتورة، وعشها الزوجي أتون نار وقوده الرقابة الصارمة والتخوين البشع والريبة العمياء.
وآفة الارتكان إلى الجمال وحده أنه لا يبقى على حال، خاصة مع تفلت السنوات وذهاب الشباب، أو حلول مرض يؤثر على نضارة لطالما أسرت قلوب ناظريها، وتلك حال الأيام، وحينها يبقى للعشرة الحسنة والدين القويم الأثر الخالد الذي لا تمحوه تقلبات السنين.
فاظفر بذات الدين
ولذلك كان أثقل شيء في ميزان العبد يوم القيامة الدين وحسن الخلق، كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «فاظفر بذات الدين تربت يداك» أي افتقرتا أو لصقتا بالتراب من شدة الفقر إن لم تفعل.
قال القاضي: “عادة الناس أن يرغبوا في النساء ويختاروها لإحدى أربع خصال: المال، الجمال، الحسب، الدين. واللائق بذوي المروءات وأرباب الديانات أن يكون الدين مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون، سيما فيما يدوم أمره ويعظم خطره، فلذلك حث المصطفى – صلى اللّه عليه وسلم- بآكد وجه وأبلغه، فأمر بالظفر بذات الدين الذي هو غاية البغية ومنتهى الاختيار والطلب، الدال على تضمن المطلوب لنعمة عظيمة وفائدة جليلة. وقوله: «تربت» أصله دعاء لكن يستعمل لمعان أخر كالمعاتبة والإنكار والتعجب وتعظيم الأمر والحث على الشيء وهو المراد أيضاً هنا.
إن من أشد الغبن أن نختار شريكة العمر على أساس جمال الشكل وحده، فالجمال شجرة وارفة الظلال كما يزينها جمال الهيئة، هناك أيضاً جمال الروح وجمال الطاعة وجمال العقل والتدبير.. وجمال الدين الذي معه سعادة ربانية لا تدانيها سعادة، ومن ذاق عرف.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات