لم يصدر عن القاهرة أي توجه أو تأييد نحو أي من المرشحَيْن الرئاسيين في الانتخابات الأمريكية سواء ترامب أو بايدن؛ فيما يبدو رغبة في استمرار دفء العلاقات المعهودة والإستراتيجية بين البلدين، لكن عبدالفتاح السيسي ونظامه يتمنى فوز ترامب، بحسب مراقبين.
ووفق مؤشرات وخبيرين في العلاقات الدولية تحدثت إليهما الجزيرة نت، لا يحبذ السيسي وجود تغيير داخل البيت الأبيض، قد يصنع مشاكل وانتقادات لإدارته في ملفات تتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
ويصف مقربون وإعلاميون من دائرة النظام المصري بايدن بأنه امتداد لإدارة الرئيس السابق باراك أوباما، الذي لم يدعُ السيسي لزيارة البيت الأبيض طوال فترة رئاسته، وتنكّر له في أكثر من مناسبة.
وظهرت انتقادات بايدن للسيسي إلى العلن في وقت مبكر، إذ قال في منتصف يوليو/تموز الماضي “لا مزيد من الشيكات الفارغة لدكتاتور ترامب المفضل”، وهو وصف استوحاه من ترامب، جاء في سياق انتقادات بايدن لوضع حقوق الإنسان بمصر، شملت رفضه لاعتقال وتعذيب ونفي النشطاء المعارضين وتهديد عائلاتهم.
وتقدم واشنطن للقاهرة نحو 1.5 مليار دولار مساعدات سنوية، بينها 1.3 مليار مساعدات عسكرية، منذ توقيع مصر معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979.
وما يعزز من حالة القلق المصرية، تجاه فوز بايدن مطالبة أعضاء بالكونجرس الأمريكي ونواب بالبرلمان الأوروبي -عبر رسائل منفصلة وجهوها إلى السيسي- باحترام حقوق الإنسان والإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين في مصر.
ترامب يؤيد الأنظمة الدكتاتورية
يحمل السيسي وترامب قواسم شخصية مشتركة وفي إدارة الحكم أيضا، فكلاهما يعاديان وفق مراقبين حراك الشعوب المتطلعة للديمقراطية ويؤيدان أنظمة الحكم الدكتاتورية، ويعدان بجانب قادة الإمارات والسعودية حلفاء في أكثر من ملف بالمنطقة، رغم تنويع السيسي لعلاقاته الخارجية مع دول كبرى مثل روسيا والصين.
وتلخص أوصاف ترامب للسيسي علاقة الرئيسين، إذ يرى الرئيس الأمريكي في نظيره المصري “دكتاتورا مفضلا وقائدا عظيما قضى على الفوضى”، كما لم تخل من نظرة استعلائية إذ سبق أن وصف السيسي بالقاتل السخيف، واستخدم في حقه كلاما نابيا حسبما نقل كتاب “الخوف” (FEAR) للصحفي الأميركي الشهير بوب وودورد (Bob Woodward) قبل عامين.
وكان السيسي أول من استخدم مصطلح “صفقة القرن” الذي تتبناه واشنطن حاليا وذلك قبل نحو 3 سنوات ونصف السنة، حين التقى ترامب في واشنطن، ليرد عليه الأخير “سنفعل ذلك معا، وسنحارب الإرهاب معا وستمتد صداقتنا طويلا”، وأكدت تسريبات أمريكية أهمية السيسي في تمرير الصفقة.
كما كان الرئيسان على خط اتصال مفتوح خلال تحركات مصر في الملفات الإقليمية الشائكة سواء في ليبيا أو عمليات التنقيب عن الغاز وترسيم الحدود البحرية المتأزمة في البحر المتوسط، إضافة إلى دور الوساطة الأمريكي في أزمة سد النهضة الذي وصل إلى حد حديث ترامب عن “حل عسكري” مصري ضد إثيوبيا.
ورغم زيارات السيسي المكوكية المتكررة إلى الولايات المتحدة منذ استيلائه على السلطة عام 2014 ولقاءاته كبار المسؤولين من الإدارة الأمريكية ووفود الكونجرس بالقاهرة، فإن ترامب لم يزُر مصر كرئيس حتى الآن.
وفي أبريل/نيسان 2019، استبق السيسي استعداد بلاده للاستفتاء على التعديلات الدستورية التي منحته حق البقاء في السلطة حتى عام 2034، بلقاء ترامب بواشنطن، في زيارة تزامنت مع إعلان الأخير اعتراف بلاده بالقدس عاصمة لإسرائيل.
يقول الأكاديمي المصري حسام الشاذلي، أستاذ إدارة التغيير والتخطيط الإستراتيجي الزائر بجامعة كامبريدج البريطانية، إن استمرار ترامب في البيت الأبيض هو الأفضل للسيسي، قائلا إن الولايات المتحدة لم ترَ في تاريخها القريب أي رئيس يغمض الجفن عن القتل والاعتقال والاختطاف والتهاون في كل حقوق الإنسان كما فعل ترامب مع السيسي.
وأضاف الشاذلي أن الولايات المتحدة لم تعرف رئيسا داعما لسياسات إسرائيل في المنطقة -بما فيها قرار نقل السفارة للقدس- كما فعل ترامب، ولا في دعمه لقرارات التطبيع كذلك، ولا رئيسا يصف السيسي بدكتاتوره المفضل.
في المقابل، يرى الشاذلي أن بايدن هو الأقل تفضيلا لدى السيسي، خصوصا أن الأول وضع في ملامح سياسته الخارجية أمورا تخص مصر مثل ملف الحريات والإفراج عن المعتقلين والحريات وغيرها.
هذه السياسات المتوقعة لبايدن قد تتطلب -بحسب الشاذلي- مجهودا مضاعفا ودعما غير مضمون من حلفاء السيسي في إسرائيل في مواجهة الإدارة الأمريكية الجديدة.
غير أنه استدرك بالقول “لكن لا يجب أن يخفي علينا أن السيسي قد أظهر دائما أنه على استعداد لتقديم كل فروض الطاعة اقتصاديا وسياسيا حتى يحافظ على كرسيه، وهذا ما سيفعله إذا ما فاز بايدن”.
وشدد على أن “فوز بايدن قد يصنع مشاكل للسيسي ولكن رد فعل المصريين والشارع المصري هو من سيقرر إن كان للإدارة الأمريكية الجديدة دور فاعل في الضغط على النظام الحاكم في مصر من عدمه”.
وعلى الجانب الآخر، دعا الخبير السياسي والاقتصادي المصري إلى عدم التمادي في التوقعات المريحة نحو بايدن وقراءة رسائله للمسلمين وكذلك هجومه على الرئيس التركي أردوغان، فضلا عن كونه من أكثر السياسيين الداعمين للوبيات المساندة لإسرائيل، وهو صاحب المقولة الشهيرة بأنه لا يجب أن تكون إسرائيليا لكي تكون صهيونيا.
وأكد محمد حامد الباحث المصري في العلاقات الدولية، أن إدارة بلاده تميل أكثر إلى ترامب وتوقعت فوزه عام 2016.
وقال حامد إن القاهرة ترى اليوم في بايدن إعادة لانتخاب باراك أوباما من جديد، أما وصول ترامب لفترة جديدة فهو يمثل قوة لها ولمصالحها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة.
وأشار حامد إلى أن القاهرة لم تعد ترى علاقتها مع واشنطن مرتبطة باتفاق السلام مع إسرائيل وضبط إيقاعه، أو كونها حجر زاوية ونقطة إستراتيجية في خط الأمن القومي الأمريكي، بسبب علاقاتها مع تل أبيب وحسب، بل تغيرت بسبب ثورة يناير نظرية العلاقات المشتركة.
وأوضح أن العلاقات المصرية الأمريكية أصبحت ترتبط بالتعاقد مع شركات العلاقات العامة وشركات اللوبي والضغط، لتلميع صورة القاهرة التي وجدت في هذه الإستراتيجية نجاحا، وذلك عقب خسارتها الإستراتيجية كدولة في غياب وجود يد طولى وقوية في واشنطن، ما أدى إلى الإطاحة بنظام الرئيس حسني مبارك عام 2011.
وفي مارس/آذار 2017، تدخل جهاز المخابرات العامة المصري على خط تحسين صورة القاهرة في واشنطن، من خلال تعاقده مع شركتي علاقات عامة أمريكيتين، في سابقة هي الأولى لواحد من أقوى أجهزة الدولة المصرية على هذا الصعيد، حسبما أفادت وثائق أميركية آنذاك.
واعتبر حامد أن شركات اللوبي والضغط التي تتسلح بها القاهرة حاليا، هي التي سترسم علاقاتها مع واشنطن خلال الحقب المقبلة، حتى لو أتت إدارة أمريكية ليست على هوى النظام الحالي في مصر.
وأضاف أن مصر ستلجأ إلى هذه الشركات لتحسين صورتها، ثم تبدأ بعد ذلك بالحديث عن الملفات المشتركة التي تنادي الولايات المتحدة بتحسينها، مثل الملفات الحقوقية وغيرها.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات