العسكر ..  سنوات عجاف في تجريف الاقتصاد المصري

بمجرد سماع الأتراك عن محاولة الانقلاب الفاشلة على حكومتهم الديمقراطية, هبوا إلى الميادين بانزعاج كبير وهم يستحضرون ضياع مواردهم الاقتصادية وانهيار ما تم تأسيسه من استقرار اقتصادي واعد.

كانت التجربة المصرية حاضرة في أذهان الاتراك الذين احتشدوا في الشوارع, وكانت سرقات العسكر وانهيار الاقتصاد المصري في عهدهم حاضرة وهم يتحركون لدحر الانقلاب الذي أراد أن يزحف عليهم.

فمنذ أن تولى العسكر الحكم في مصر؛ سواءٌ في مرحلة ما بعد 1952 وخصوصا في المرحلة الانتقالية بعد تنحي مبارك أو بعد الانقلاب, ساهم العسكر في مزيد من إنهاك الاقتصاد وتخريبه بكل الوسائل وبطريقة متعمدة.

ثم يزعم اللواء ممدوح شاهين مساعد وزير الدفاع للشئون الدستورية والتشريعية أن القوات المسلحة هي التي تنفق على البلاد منذ عام 2011 زاعما أن خزينة الدولة كانت فارغة!

جاء تصريح شاهين خلال إقرار مجلس نواب العسكر مشروع  قانون بإنشاء صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية، وإنشاء صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء القضاء العسكرى، وفرض طابع تمغة بقيمة 10 جنيهات على الأوراق التى تستخرج بالمحاكم والنيابات والقضاء العسكرى لتمويل هذه الصناديق.

عسكر مصر استحوذوا على مختلف القطاعات التنموية في البلاد, وخربوا الاقتصاد وأفرغوا احتياطي الدولة في فترة المجلس العسكري, وهم يكملون خراب الاقتصاد وانهياره بالصورة الكارثية التي وصل لها الآن.

تصريحات شاهين  تعيد إلقاء الضوء على الدور السييء للعسكر في الاستحواذ على المشروعات التنموية وأملاك الدولة لصالح ميزانيات سرية غير خاضعة لرقابة الشعب ولا ممثليه. وإذا كان كلام اللواء شاهين صحيحًا فمن المحتم عليه أن يخبر الشعب من أين جاءت للجيش – الذي هو في الأصل جزء من الدولة – كل هذه الميزانية التي تسمح له بالإنفاق على الدولة عدة سنوات؟ ما هي مصادر هذه الثروة؟ ولماذا هي أصلا في حوزة الجيش بهذا الفائض الكبير بينما الوزارات الأخرى تعاني من العجز؟ هل يقصد اللواء شاهين أن الجيش استحوذ على موارد طبيعية ضخمة وعلى قطاعات إنتاجية وخدمية كبيرة في مصر مكّنته من تكوين هذا الفائض؟ أم هو رز الخليج, حصل عليه الجيش وكان من المفروض أن يذهب لخزينة الدولة؟

ولماذا هذا الوضع المختل الذي يسمح للجيش بالإنفاق على الدولة بينما ينخفض احتياطي البنك المركزي من العملة الصعبة إلى 13 مليار دولار، ويكون الاحتياطي الحقيقي الصافي بخلاف القروض والودائع بالسالب, ويزيد العجز في الموازنة وربما لا تستطيع الحكومة صرف رواتب موظفي الدولة المقدرة بحوالي 120 مليار جنيه سنويًّا؟ لماذا تضخمت نشاطات الجيش حتى أن بعض التقديرات تشير إلى استحواذ الجيش على 50 % من اقتصاد البلاد.

ونحن نرى أن القوات المسلحة تستحوذ على أراضي الدولة وتنفرد بالمشروعات الكبري وتنافس القطاع الخاص بما يضر بشكل مباشر بالاقتصاد الوطني.

ولماذا تنشط القطاعات الإنتاجية التي يديرها الجيش بينما بلغ عدد المصانع المتوقفة في عهد السيسي الآلاف، مما أدى إلى تشريد مئات الآلاف من العمال؟ هل أصبح الجيش يتبع سياسة الاحتكار وطرد صغار المنتجين لصالح نشاطاته الاقتصادية ونشاطات الكبار المرضي عنهم؟

إن توريط الجيش في السياسة وحكم البلاد بمثابة انتحار، فانتشار الجيش في الشارع منذ يونيو 2013 وحتى الآن يكبد موازنة الدولة المصرية تكاليف باهظة جداً، وهي التكاليف التي لا يتم الافصاح عنها، بسبب غياب الشفافية في موازنات الجيش والأمن، وهي التكاليف التي تفسر أين ذهبت المليارات التي تلقاها السيسي ويتساءل كثير من المصريين عن اختفائها وأماكن تصريفها.

يُضاف إلى ذلك, التكاليف الباهظة للعمليات العسكرية المستمرة في سيناء منذ أكثر من عامين، وهي تكلفة لا يُستهان بها، إذا علمنا على سبيل المثال أن تكلفة الطلعة الجوية الواحدة لطائرة (أف 16) تزيد عن 27 ألف دولار، وتكلفة التحليق بطائرة «الأباتشي» المروحية هو 12 ألف دولار في الساعة الواحدة!

إن استحواذ الجيش على المشروعات الاقتصادية وأراضي الدولة يثير التساؤلات حول تورط قادة كبار في القوات المسلحة في عمليات فساد وفي ظل غياب الشفافية وصعوبة محاسبة العسكر عن أعمال الفساد، ومثال ذلك, ما حدث مع المستشار هشام جنينه حين تحدث عن الفساد فتم معاقبته من قبل السيسي بالاطاحة به من منصبه وتلفيق قضية لمحاكمته.

إن السبب الرئيس لأزمة الاقتصاد في مصر هو نزول الجيش الى الشارع، واقتحامه عالم السياسة والاقتصاد وإحلاله بديلاً عن أجهزة الأمن، وهي أزمة عميقة وبالغة تهدد كيان الدولة التي يزعمون أنهم يحمونها.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …