أهم الدروس المستفاده من تجربة المواجهة المسلحه بين الجماعة الإسلامية والدولة
- ثقافه الدولة المصرية فى التعامل مع العنف بين التفاهم وتصعيد القمع
شهد عام 1993 تشكيل بعض العلماء البارزين لجنة للوساطة بين الدولة؛ ممثلة فى وزارة الداخلية والجماعة الإسلامية لتهدئة الأوضاع المشتعلة فى ذلك الحين, وقد كانت تجربة فريدة من حيث دلالاتها إذ سرعان ماقامت الدولة بوأدها بلوقامت بالاستغناء عن اللواء محمد عبد الحليم موسى وزير الداخلية الذى كان اجتماعه باللجنة بمثل موافقة منه على قيامها بعملية الوساطة التى سعت للقيام بها.
ويفسر اللواء أحمد جلال عز الدين بواعث هذا الموقف الحازم من الدولة تجاه فكرة الوساطة في دراسته عن الإرهاب التى تضمنها التقرير الاستراتيجى لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام عام 1994 (السياسة الثابتة للدولة تتلخص فى عدم التنازل للإرهاب بأى صورة)[1]وهو ذات التفسير الذى انتهى إليه الأستاذ عبد المنعم منيب؛ أحد المحللين من أصحاب التجربة الجهادية (دائما ما أثبتت خبرة تاريخ الصراع الحكومي مع المعارضة عامه، والإسلاميين خاصة أنها لا تستجيب لضغوط العمليات المسلحة والإرهابية، بل بالعكس فإن العمليات تدفع أجهزه الأمن لمزيد من العناد والقمع)[2].. أي أنه إذا كان مستوى القمع القائم لم يفلح فى القضاء على التحدي الذى تمثله عمليات العنف فلن يكون للدولة اختيار سوى تصعيد القمع إلى مستويات أعلى، وهو ماتم بالفعل مع الجماعة الإسلامية فى تجربة التسعينات، مما دفع الشيخ رفاعي طه؛ أحد قادة الجماعة إلى أن يحدثنا بلسان الحكمة المتأخرة بعد ثورة يناير عن أن (بعض القادة التاريخيين للجماعة داخل السجون، والذين كانوا مغيبين عن الواقع الذى يحدث, كانوا يعتبرون أن الرد المسلح على النظام سيجعله يتراجع)[3]
لكن الصحيح أن موجة عمليات العنف التى اطلقتها الجماعة أربكت أجهزة الدولة واضطربت ردود الافعال تجاهها, فوفق ملاحظة الدكتورعلي الدين هلال من خلال موقعه فى قيادة الحزب الوطنى حينذاك فإن (الحكومة المصرية أو الدولة متمثلة فى قيادتها العليا ظلت مترددة تراوح نفسها خلال عام 1992… هل تأخذ قرارًا بالمواجهة الشامله أم لا؟)[4].. وربما جاء موضوع اللجنة في فترة المراوحة هذه إذ إنه من غير المنطقي- فى مثل النظام المصري- أن يكون قبول وزير الداخلية لدور لجنة الوساطة بعيدا عن دوائر الحكم العليا, وأيًا كان الأمر فإنه بعد مرور فترة زمنية استوعبت فيها قيادات الدولة صدمة موجة العنف التى أطلقتها الجماعة الإسلامية فقد انتبهت هذه القيادات إلى أمرين مهمين:
- أن لديها أجهزة أمنية ذات قدرات لها وزنها إذا أحسن توظيفها، فضلا عن أن تحت يد الدولة موارد ضخمة؛ بشرية ومادية, يمكن توجيهها لمواجهة هذا التحدي .
- أن فكرة المصالحة بين الدولة، وجماعة محدودة من رعيتها ليست مما تقبله تقاليدها أو ثقافتها .
وقد وصلت الدولة في تراجعها عن تلك الفكرة إلى حد إقالة وزير الداخلية لمحو هذه الوصمة من تاريخها، ثم أخذت قرارها بتوظيف أجهزتها ومواردها لمواجهة هذا التحدي الأمني من خلال إستراتيجية المواجهة الشاملة لجماعات العنف التي أعلن عنها حينذاك, ثم كان ما كان إلى أن رضخت هذه الجماعات لهزيمتها أمام الدولة وأعلنت استسلامها.
ويوضح الباحث جيل كيبل إلى أى مدى حسمت الدولة المصرية اختيارها امام عمليات العنف فى حينه, فى كتابه “الجهاد.. انتشار وإنحسار الاسلام السياسى”: (بالنسبة لقادة الدولة فى عام 1996 لم يكن من الممكن أن تقبل سياسة القمع الشامل ضد التيار الاسلامي أي استثناء.. ولم يكن هناك مجال للتردد الذى ساد عام 1993 حتى لو كان الثمن هو خسارة الديمقراطية، وهو ما أثار احتجاجات الغرب)[5]
وما دمنا قد رجحنا أنه في مثل الحالة المصرية فإن ثقافة الدولة وتقاليدها لا تتيح خيارا لها إلا “المزيد من القمع ” فمن الضروري ألا نترك مضمون هذا المزيد, الذي نال الجماعة الإسلامية, لخيال القارئ , ليس حبا في اجترار وقائع مؤلمة، ولكن حتى نقدر للأمور قدرها, فلا نخلط مثلا بين ” المحارق ” وهو اللفظ الذي أطلقه بعض قادة الجماعة على السجون حينذاك، وبين التضييق الذي يمكن أن يكون سمةً للحياة وراء الأسوار في مرحلة أخرى, ووفق ما سجله “باروت ودراج” فى دراستهما عن الحركات الإسلامية: (قامت الدولة بمبادأه الجماعة الإسلامية بالهجوم، وتصفيه كوادرها بالإغتيال، والاعتقال المتكرر للمفرج منهم، واتباع سياسة العقاب الجماعى، والقبض العشوائى، واحتجاز أهالى المطلوبين كرهائن، وفرض حظر التجول على مدن وأحياء معينة، والتمشيط العام لها، والتعذيب المنهجى حتى الموت، وإجبار المواطنين على القيام بدور المرشدين، والتحويل لمحاكم عسكرية، والإفراط فى توقيع عقوبة الإعدام، وتنفيذ سياسة القتل خارج القانون للملاحقين)[6]… ويلفت الدكتور طارق الزمرالنظر إلى التطور الذى طرأ على الهدف من عمليات التعذيب فى هذه المرحلة: (قبل التسعينات كان التعذيب لانتزاع المعلومات، أما فى فترة التسعينات فقد كان التعذيب والانتهاكات بجميع أشكالها بهدف القتل المعنوي، وتدميرنا من الداخل)[7]. ونستطرد في إثبات شهادات من عاشوا هذه المحنة؛ فيروي الاستاذ ممدوح علي يوسف: ( كانت الناس بتموت من غير ما حد يعالجها خالص … احنا كنا قاعدين انفرادي … فيخبطوا ويقولوا واحد بيموت … يدخل يضرب اللي في الزنزانة، ويقول لما يموت خبط)[8]. ويلخص الكتور صفوت عبد الغني الحالة العامة للسجون في تلك المرحلة:( أدى إغلاق السجون التام، وندرة العلاج والغذاء، وعدم توافر البيئة الصحية، والمعاملة السيئة عن طريق التفتيشات الدورية إلى انتشار الأمراض المزمنة، والمستعصيه مثل السرطان، والدرن، وأمراض الكبد، والشلل الرباعي، والنصفي، والاكتئاب الحاد.. وهذا ما أدى بدوره إلى الوصول بالمعتقلين إلى حافة الموت )[9]
ويحاول الاستاذ ضياء رشوان أن يجمع بين التلطف فى التعبير عن إرهاب الدولة، وبين الموضوعية العلمية، وهو يؤكد على الانجاز الذي استطاع جهازالأمن تحقيقه، وذلك فى الكتاب الذي حرره عن “المراجعات…من الجماعة الإسلامية إلى الجهاد”عن أنه: (على الرغم من كثرة الملاحظات والانتقادات التى تعرضت لها السياسة الأمنية، والمتعلقة بخروجها عن الحدود المعروفة لحقوق الإنسان والقانون فى كثير من الاحيان، إلا أنها أفلحت فى تكبيد الجماعة الإسلامية خسائر بشرية فادحة فى صفوفها القيادية؛ الاولى والثانية وفي أعضائها كذلك … مابين الاعتقال والقتل فى المصادمات المسلحة، والأحكام القاسية التى شملت عشرات الأحكام بالإعدام فضلا عن المعاملات شديدة القسوة فى السجون والمعتقلات, ولا شك أن تلك السياسة الأمنية الصارمة قد خلخلت صفوف الجماعة الإسلامية …)[10]
………………….
[1] ) تقرير مركز الاهرام للدراسات السياسية و الاستراتيجية – عام 1994
[2] ) عبد المنعم منيب – مقال عن المواجهة بين النظام والجماعات الإسلامية – صحيفة الدستور 22 – 7 – 2009
[3] ) حوار مع جريدة الشرق الأوسط 20 – 9 – 2012
[5] ) جيل كيبل – الجهاد … ازدهار وانحسار الإسلام السياسي – ص 355
[6] ) باروت ودراج – الحركات الإسلامية – ص 144
[7] ) حوار مع المصري إلىوم 15 – 3 – 2011
[8] )عن كتاب الجماعة الإسلامية المسلحة في مصر ص 202
[9] ) حوار مع موقع الجماعة الإسلامية , غالبا عام 2007
[10] ) ضياء رشوان – المراجعات .. من الجماعة الإسلامية إلى الجهاد – ص 15
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات