العنف في مواجهة القمع.. الدروس العشرة من تجربة الجماعة الإسلامية

عندما دعيت مصر- ضمن من تمت دعوته – للانضمام للتحالف الدولي ضد الإرهاب، صرح وزير الخارجية السفير سامح شكري بلهجة الواثق – على هامش مؤتمر الأمن الاقليمي المنعقد بالبحرين في شهر ديسمبر الماضي – بأنه قد تمت دعوة مصر للمشاركه في هذا التحالف بناءً على خبرتها عندما واجهت الإرهاب في التسعينات.

وعندما سافر وزير الخارجية إلى باريس للتضامن مع الشعب الفرنسي بعد حادث شارل إيبدو في يناير الماضي أكد – أيضا – أنه عرض استعداد مصر لنقل خبراتها بخصوص دحر الإرهاب خلال فترة التسعينات في مصر. وعندما يتحدث وزير الخارجية عن إنجاز جهة أخرى في الدولة فإنه يكون متحدثا باسم الدولة بعمومها، وعندما يتحدث عما يعتبر إنجازًا لنظام سابق على النظام الذي يخدمه فإنه يكون متحدثا باسم الدولة – في عمقها التاريخي – أيضا. فلقد تحولت تجربة الانتصار على جماعات العنف في التسعينات إلى خبرة عززت ثقافة قديمة متأصلة في جهاز الدولة، وعندما جاء الوقت المناسب انعكست على عبارات المتحدثين باسمها .

وعلى الجانب الآخر، ومع احتدام المواجهة مع الانقلاب فقد تحدث الشيخ عبود الزمر عضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية – وضابط المخابرات السابق كما هو معلوم – وهو يحمل خبرة ذات المواجهة في التسعينات, ولكن من الجانب المنهزم,  منبهًا قوى الثورة أنها إنما تواجه الدولة، وليس النظام فقط, فلتعد حساباتها وفق هذه النظرة, قائلا:( الدولة في مصر الآن ملتحمة بالنظام، ومن ثم فإن محاولة إسقاط النظام تساوي محاولة إسقاط الدولة … فهل يستطيع تحالف دعم الشرعيه إسقاط الدولة؟ أقول إن هذا خارج قدرات التحالف، فميزان القوى غير متكافئ بالمرة, فضلا عن أنك لا تدري مدى الاستعدادات المتعارف عليها في القوات المسلحة والشرطة للدفاع عن النظام )[1]

إنها حصيلة تجربة صدام مسلح ممتدة ومريرة في التسعينات من القرن الماضي، هي التي دعت المتحدث باسم الدولة أن يزهو بخبراتها، ودعت الشيخ عبود الزمر إلى أن يلفت الأنظار إلى حقائق ربما لم تكن جلية لديه – بدرجة كافية – فيما مضى. فلعل هذه الاعتبارات المشتبكة مع الواقع الراهن تثير فضول القارئ لأن يتعرف على تجربة التسعينات في الصدام العنيف بين الجماعة الإسلامية والدولة، وأهم الدروس التي يمكن استخلاصها للتعامل مع التحديات التي تواجهنا اليوم, وهو ما سنتعرض له من خلال:

  • موجز للتطورات التي مرت بها المواجهة المسلحة بين الجماعة الإسلامية والدولة في مصر.
  • الدروس المستفادة:

1- ثقافة الدولة المصرية في التعامل مع العنف.. التفاهم أم تصعيد القمع

2-  بين انتهاج العنف واستهداف التجميع والحشد.. .. تكامل أم تناقض؟

3-  التورط في العنف.. كان فخا استُدرجنا إليه

4-  الجماعة الإسلامية  بين الحركة الدعوية والخلايا السرية

5- عدم الشفافية في البداية.. الطريق  إلى التلاوم وتبادل الاتهامات في النهاية

6-  عندما حقق عنف الجماعة نجاحات وقتية دون أن يعيق تحقق احتمالات الخسارة الراجحة أمام الدولة في النهاية

7-  آفة الخلل التنظيمى.. من وحي تجربة الجماعة الإسلامية في استخدام العنف

8-  الجماعة الإسلامية  بين فقه الشرع وفقه الواقع

9-  خبرة السنين.. كيف تنظر قيادات الجماعة الإسلامية لفكرة استخدام العنف في مواجهة القمع بعد خوضها التجربة.

10-  عندما تتحول الهزيمة العسكرية إلى محنة نفسية وفكرية

أولا: موجز للتطورات التي مرت بها المواجهة المسلحة بين الجماعة الإسلامية والدولة في مصر

  • نشأت الجماعة الإسلامية في صعيد مصر في السبعينات من القرن الماضي على يد قيادات طلابية إسلامية رفضت الانضمام لجماعة الإخوان المسلمين كما فعل غالب القيادات الطلابية الإسلامية في باقي المحافظات، وتركز نشاط الجماعة في البداية على مسارات الدعوة الإسلامية، والمعارضة السياسية، والعمل الاجتماعي، ومع وجود دوافع كامنة لدى هذه القيادات – ربما تتعلق بالرغبة في التمايز عن الخط العام لجماعة الإخوان المسلمين- فقد انحازت الجماعة الإسلامية في أواخر السبعينات إلى خيار المواجهة مع الدولة ليكون مسارا مميزا لها، وهو ما أوضحه – لاحقا – المهندس عصام دربالة: ( الجماعة الإسلامية لم تتمحور دعوتها حول الجهاد فحسب … والحقيقه الناصعه تقول إن أغلب أبناء الجماعة كانت مهمتهم الدعوة للدين، والتضامن الاجتماعي مع الفقراء والمحتاجين، ونشر العلم بأركان الدين والتوحيد )[2] وتضيف الدكتوره سلوى العوا في دراستها عن الجماعة الإسلامية معلمًا مهمًا آخر للتباين بين فكرها وفكر جماعة الجهاد ( تميزت الجماعة الإسلامية عن الجهاد باهتمامها بالدعوة على خط موازٍ للمواجهة، وبأنها لا تكفر العامة بينما تكفرهم جماعة الجهاد)[3].
  • مع خط المواجهة الذي تبنته الجماعة فقد كان من المفهوم أن تقبل دعوة الاندماج التي طرحتها مجموعات جهادية ليتم تكوين تنظيم الجهاد الذي كان وراء عملية اغتيال السادات وما لحقه من قتل للعشرات من رجال الأمن في أسيوط في أكتوبر 1981.. وكما هومعلوم فقد انتهت هذه المرحله القصيرة بدخول قيادات الجماعة إلى السجون ليقضوا أحكاما متفاوتة؛ كان أطولها من نصيب أعضاء مجلس شورى الجماعة الذي يمثل القيادة العليا لها.

ووراء الاسوار طرأت ثلاث مستجدات:

الاول: انفصلت الجماعة الإسلامية عن المجموعات الجهادية لاختلافات فكرية وفقهية، وعادت إلى سيرتها الاولى قبل الاندماج .

الثاني: بدأت قيادات الجماعة في إعداد وثائقها الفكرية التي تبين منهجها وتميزه عن غيرها من الجماعات ( ميثاق العمل الإسلامي 1985 – حتمية المواجهة 1987 – قتال الطائفة الممتنعة 1987 …) وتبنت هذه الوثائق المسارات الدعوية والاجتماعية والسياسية مع الاحتفاظ بمسار الإعداد للمواجهة العنيفه مع الدولة باعتباره هدفًا مؤجلا إلى حين.

وقد أوضح أسامة حافظ؛ نائب رئيس مجلس شورى الجماعة الحالي الإطار العام لرؤية الجماعة وقتها ( تتأجل المواجهة الحتمية مع الدولة سنوات إلى أن يتاح للجماعة بناء قواعد كبيرة في مختلف المحافظات لكسب التأييد الشعبي الذي لا يمكن بدونه هدم الدولة القائمة، وهو الدرس المستفاد من فشل المحاولة الأولى في 8 أكتوبر في أسيوط , إذ إن عدم وجود قواعد شعبية للجماعة تكفي لانتشار الثورة الإسلامية كان هو السبب الرئيسي في انعدام احتمالات النجاح لتلك الخطة آنذاك)[4].

الثالث: حيث تنوعت مدد الأحكام بداية من 3 سنوات وما فوقها، فمع حلول عام 1984 واقتراب الإفراج عن الدفعة الأولى فقد بدأت الجماعة خطة لتحرك المفرج عنهم يجملها الدكتور صفوت عبد الغني فيما يلي: ( على الذين أفرج عنهم بعد 3 سنوات مسئولية نشر الدعوة على نطاق واسع في أنحاء الجمهورية، ثم أصحاب الـ 5 سنوات – أي بعد سنتين من الدفعة السابقة– أن يقوموا بتشكيل قواعد الجماعة تنظيميا في هياكل محلية وقومية، أما أصحاب الـ 7 سنوات فمهمتهم تأسيس الجناح العسكري للجماعة)[5].. ويفصل ممدوح علي يوسف القيادي بالجماعة ومسئول الجناح العسكري بها في أواخر الثمانينات في معالم رؤية الجماعة فيما يخص المواجهة العنيفه مع الدولة وموقعها من باقي أنشطة الجماعة: ( بالنسبه للعمل العسكري لازم يبقي لنا قوة عسكرية تحمي الجماعة علشان لو حصل احتكاك بيننا وبين الأمن نقدر نوقفهم ونكمل أهدافنا … مش الغرض من العمل العسكري التغيير الكبير … احنا كنا اقتنعنا أن عملنا العسكري ده لايمكن هينفع في التغيير أبدا … المرحلة التي خرجنا فيها هي العمليات الخاصة؛ أي مجموعات تعمل عمل عسكري علشان تزيح أي موانع للاثنين … أي لمحور الدعوة وللمحور العسكري الكبير أو الجيش اللي هيعمل التغيير )[6]

3- على أرض الواقع, ومع بدء خروج شباب الجماعة الإسلامية من السجون عام 1984 فقد بدا أن النظام يسعى لتخفيف مناخ التوتر مع التيار الإسلامي ويحاول استيعابه في المنظومة السياسية للبلاد، غير أن تعجل الجماعة الإسلامية في تحويل مساجدها إلى منابر ضغط، وتوسعها في التطبيق العنيف لمبدأ تغيير المنكر باليد سرع بعودة مناخ التوتر، خاصة مع تقدير الله أن يتولى اللواء زكي بدر وزارة الداخلية عقب أحداث تمرد الأمن المركزي عام 1986 كما هو معروف. ويروي لنا الأستاذ سميرالعركي القيادي بالجماعة في دراسته عن التنظيمات المسلحة في الحركة الإسلامية كيف ساهم الاصطدام بين الجماعة العائدة للساحة المصرية بطموح واندفاع, مع داخلية زكي بدر بشراسته وفظاظته في إحداث نقلة نوعية في اتجاه عسكرة الجماعة: ( كانت مرحلة تولي زكي بدر وزارة الداخلية مرحلة مفصلية في تأسيس التنظيمات المسلحة، فقد طبق سياسة شديدة القسوة في تعامله مع الحركة الإسلامية فبدأ في التوسع في الاعتقالات، واتجه إلى سياسة اقتحام المساجد بقوات الامن، وأطلق الرصاص داخلها مما أدى إلى سقوط قتلى، وتهييج الرأي العام. كما اتجه إلى تصفية أعضاء الحركة الإسلامية مباشرة دون القبض عليهم مما أدى إلى سقوط 29 قتيلا في مدة 4 سنوات قضاها وزيرًا للداخلية. ومن هنا كان التفكير في إنشاء تنظيم يتولى الرد على هذه الممارسات القمعية، وبدأت الجماعة خطواتها الأولى في إنشاء تنظيمها الخاص أواخر عام 1988، وبالتحديد مع خروج المحكوم عليهم بـ 7 سنوات من السجون)[7].

  • أمام هذه الضغوط – وقبل نهاية عام 1989 بأسابيع قليلة – قامت الجماعة الإسلامية بمحاولة اغتيال اللواء زكي بدر لم تنل الكثير من الاهتمام لفشلها من ناحية، ولإقالته من الوزارة بطريقة مهينة في أعقابها ولكن لأسباب أخرى. ومع تولي اللواء عبد الحليم موسى وزارة الداخلية في مطلع عام 1990 تفاءل البعض باعتبار أنه لم يكن هناك ما يشوب سمعته حتى توليه الوزارة ، فضلا عن أن أحدا لم يكن يتصور أن هناك من هو أسوأ من سلفه. وأيا ما كان الأمر ففيما يخص الجماعة الإسلامية فقد مثل أداء الوزير الجديد صدمة لمن كان يرجو فتح صفحة جديدة أقل توترا، وهو مادفع الجماعة للمضي قدما في اتجاه العسكرة، ثم القيام بأضخم عملية اغتيال في تاريخها. ونستمر مع الأستاذ سمير العركي في سرده لملامح هذه المرحلة (اللافت للنظر أن عبد الحليم موسى لم يتمكن من ضبط الأداء في التعامل مع الجماعة الإسلامية، مما أدى إلى وقوع قتلى في شهوره الأولى من الوزارة فاق ما شهدته سنوات زكي بدر الأربعة. كل هذا أدى إلى تثبيت القناعات الخاصة لدى الجماعة الإسلامية بأهمية المضي قدما في إكمال التنظيم الخاص، وساعدها على ذلك فتح معسكرات لها في أفغانستان لتدريب شبابها ثم الدفع بهم إلى مصر بعد ذلك).

يتبع..

………………….

[1] ) عبود الزمر, مقال بين النظام والدولة,  موقع الإسلاميون  3 – 8 – 2014

[2] ) حوار على موقع الجماعة الإسلامية – عام 2006

[3] ) ماهر فرغلي –  كتاب الجماعة الإسلامية المسلحة في مصر  ص 24

[4] ) لقاء في عام 2005 مع الدكتورة سلوى العوا  –  كتاب الجماعة الإسلامية المسلحة في مصر  –  ص 111

[5] )  لقاء في عام 2005 مع الدكتورة سلوي العوا  –  كتاب الجماعة الإسلامية المسلحة في مصر  –  ص 113

[6] ) لقاء في عام 2005 مع الدكتورة سلوى العوا    كتاب الجماعة الإسلامية المسلحة في مصر  –  ص 111

[7] ) سمير العركي  –  التنظيمات المسلحة في الحركة الإسلامية – المركز الدولي للدراسات المستقبليه ص 15

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …