استُخدِمت إفريقيا خلال سنوات الحرب الباردة كمنطقة تنافس أمريكي روسي، إذ سعت الولايات المتحدة إلى محاصرة الشيوعية من خلال تعزيز تواجدها في إفريقيا. وما زال النفوذ الأمريكي في القارة متصاعداً إلى جانب النفوذ الفرنسي الذي كان متواجداً كقوة استعمارية في القارة. ويتمثل هذا النفوذ بوجود عسكري في المناطق التي تعدّ دولا مصدرة لما يسمى بالإرهاب كمالي التي تنشط فيها فرنسا، بالإضافة إلى المصالح الغربية المشتركة كحماية مصادر الطاقة في القارة.
من جهة أخرى تسعى دول أخرى إلى مدّ نفوذها إلى إفريقيا منها المنافس الصيني، إذ تعمل على إنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي، التي تعدّ مركزاً للقوات العسكرية الأجنبية. بالإضافة إلى نشاطها الاقتصادي المتنامي في القارة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الدول الغربية المتعاونة مع الاحتلال استخباراتياً وخصوصاً أمريكا وفرنسا قد لا تمانعان في الدفع تجاه إنجاح القمة الإفريقية الإسرائيلية، وهو ما قد يتعارض مع المنافس التقليدي للغرب أي الصين.
من جهة أخرى، نرى أن النفوذ المغربي بدأ يستعيد حضوره في القارة خلال السنوات القليلة الماضية، وقد وقفت المغرب أمام التمدد الإسرائيلي، إذ رفضت في القمة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) المشاركة بسبب حضور نتنياهو. وكذلك الأمر بالنسبة لتركيا التي تعمل بشكل ناعم لإثبات حضورها في القارة اقتصادياً وأمنياً، فقد بلغ عدد السفارات التركية في إفريقيا أربعين سفارة، إضافة إلى أربع قنصليات عامّة، ولم يكن لتركيا حتى سنة 2002 إلا سبع سفارات فقط في كلّ إفريقيا، بالإضافة إلى الوجود الديبلوماسي فقد دشنت تركيا سنة 2016 قاعدة عسكرية في الصومال على خليج عدن الاستراتيجيّ؛ لتكون أول قاعدة عسكرية تركية في القارة السمراء.
ومن الجدير بالذكر أن مصر لعبت دوراً مهماً في منع تغلغل النفوذ الإسرائيلي إلى القارة على مدى سنوات طويلة بالإضافة إلى دور دول المغرب العربي، كما عملت ليبيا دوراً مهماً في ذلك، إلا أن الواقع الحالي في ظلّ غياب الراعي العربي والإسلامي لدول القارة، التي تنتظر مزيداً من الدعم في سبيل إخراجها من حالة الفقر وانعدام الأمن، قد تجد في “إسرائيل” ضالتها طالما لم تجد ذلك عند الدول العربية والإسلامية.
العوامل الدافعة في تحقيق التقارب الأفريقي الإسرائيلي
في المنطقة العربية والساحة الدولية مجموعة من العوامل التي قد تشكل قوة دافعة لتحقيق التقارب الإفريقي الإسرائيلي ومنها:
- استمرار حالة السيولة في المنطقة وحالة الاحتراب بين ثورات الشعوب العربية والثورات المضادة، في اليمن وليبيا وسورية.
- الأزمة الخليجية، وما تلقيه من عبء واصطفاف في الساحة العربية، وغياب وحدة الموقف حول العديد من القضايا العربية.
- غياب الدول العربية عن قضايا القارة الإفريقية، وخصوصاً مصر وما لها من وزن كدولة إفريقية لطالما كانت قادرة على توجيه دفة القرار الإفريقي في كثير من القضايا.
- غياب الاستراتيجية العربية الموحدة تجاه القارة.
- غياب الإطار الفلسطيني المرجعي الجامع، الذي تمثل سابقاً بمنظمة التحرير الفلسطينية.
- التقارب العربي الإسرائيلي، سواء من خلال اتفاقيات التسوية السلمية الموقعة أم من خلال التفاهمات غير المعلنة، التي تستغلها “إسرائيل” في تطوير علاقاتها مع الدول المساندة للقضية الفلسطينية.
- تقارب المصالح الإفريقية الإسرائيلية في العديد من القضايا، وخصوصاً الأمنية منها والعسكرية، وحتى التنموية التي تستطيع “إسرائيل” الإسهام فيها بشكل أو بآخر.
- النفوذ الغربي، وخصوصاً الأمريكي في القارة، الذي يدفع أحياناً باستخدام طرف ثالث هو “إسرائيل” في تثبيت أو إزاحة بعض الأنظمة بشكل غير مباشر.
- اللوبي اليهودي الصهيوني النشط، والمكون من رجال الأعمال الإسرائيليين، ومن أبناء البلدان الإفريقية من اليهود.
العوامل المانعة من تحقيق التقارب الإفريقي الإسرائيلي
في المقابل، هناك الكثير من العوامل التي قد تتشكل كقوة مانعة من حدوث هذا التقارب بين الدول الإفريقية و”إسرائيل” ومنها:
- الإرث النضالي التاريخي لدول وشعوب القارة في وجه الاستعمار الغربي.
- صورة الكيان الإسرائيلي، الذي لطالما ساند وتعاون مع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.
- الممارسات الإسرائيلية كدولة فصل عنصري واضطهاد للآخرين، بما في ذلك العنصرية تجاه اليهود من أصول إفريقية، وتجاه اللاجئين الأفارقة.
- التواجد التركي والإيراني النشط في السنوات الأخيرة في القارة.
- رغبة وتحرك بعض الدول العربية خلال السنوات السابقة نحو تطوير العلاقة مع القارة، ومنها قطر والمغرب، بالإضافة إلى تواجد الجزائر وما لها من وزن في القارة الإفريقية.
- وجود العديد من الدول الإفريقية سواء العربية أم غير العربية، التي ما تزال تساند القضية الفلسطينية والتوجهات العربية ولها وزنها في القارة، مثل جنوب إفريقيا وغيرها.
- تقاطع مصالح عدد من الدول الإفريقية مع دول عربية.
- التواجد الإسلامي في القارة الإفريقية، وما يمكن أن يلعبه من دور في تحقيق المساندة للقضايا العربية.
السيناريوهات المستقبلية المحتملة
ظهر خلال الأسابيع القليلة الماضية حراك فلسطيني وعربي وإسلامي للدفع نحو إفشال عقد المؤتمر الإفريقي الإسرائيلي في توجو خلال الفترة 23–27 أكتوبر القادم، في المقابل ما تزال جهود إسرائيل من جهة, وجمهورية توجو من جهة أخرى تعمل على الحشد لإنجاح هذه القمة. أمام هذه التحركات سنحاول أن نرسم السيناريوهات المحتملة لهذه القمة والتي هي:
السيناريو الأول: فشل المؤتمر بشكل كامل: أي أن تفشل توجو و”إسرائيل” في الحشد الإفريقي للمشاركة في المؤتمر، وبالتالي لا يتم عقده بتاتاً، إلا أن بعض المؤشرات والتحركات التي قامت بها “إسرائيل” ومنها الزيارات التي قام بها أفيجدور ليبرمان سنة 2009 وسنة 2014، بصفته وزيراً للخارجية الإسرائيلية، بالإضافة إلى الجولة التي قام بها نتنياهو خلال سنة 2016 في شرق إفريقيا، ومشاركته في القمة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، ومشاركة دول من غرب إفريقيا في مؤتمر زراعي عُقِد في “إسرائيل” في ديسمبر 2016. كل ذلك يجعل من سيناريو الفشل الكامل أمراً مستبعداً في الوقت الراهن، ما لم يقع تغيُّر استراتيجي غير متوقع يغير في مسارات الأحداث.
السيناريو الثاني: نجاح كامل للمؤتمر: وبالتالي تكريس الاختراق الإسرائيلي للقارة الإفريقية، بمعنى حضور واسع للدول الإفريقية، وتوسيع دائرة اللقاءات بين القيادات الإسرائيلية والإفريقية على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والشبابية. إلا أن ذلك يتعارض مع مواقف دول فاعلة في القارة من بينها جنوب إفريقيا، والمغرب والجزائر، كما أن دولاً من خارج القارة مثل تركيا وإيران قد تتعاونان في سبيل الوقوف أمام المد الإسرائيلي في القارة الإفريقية. وقد كان لبعض هذه الدول وغيرها من الدول العربية دور في الوقوف أمام رغبة “إسرائيل” بالدخول كعضو مراقب في الاتحاد الإفريقي ونجحت في عدم تحقيق هذه الرغبة حتى الآن.
السيناريو الثالث: نجاح جزئي للمؤتمر: وهو السيناريو المرجح وفق المؤشرات المتوفرة في الوقت الحاضر، ما يعني انعقاد المؤتمر بمشاركة معقولة من الدول التي باتت مرتبطة عملياً بعلاقات مباشرة مع “إسرائيل”، مع عجز الكيان الإسرائيلي عن تحقيق الأهداف الاستراتيجية للمؤتمر، والتي منها حشد الأصوات الإفريقية لصالحه في المحافل الدولية، أو الدفع نحو تواجد دائم في المنظومة الإفريقية (عضو مراقب في الاتحاد الإفريقي). إذ ما تزال القوى الفاعلة في القارة قادرة على تعطيل هذا الاتجاه. وقد كانت الخطوة التي قامت بها السنغال في مجلس الأمن أواخر السنة الماضية، بإعادة تقديم مشروع قرار يدين الاستيطان الإسرائيلي بعد أن كانت مصر قد سحبته، مثالاً على قدرة العمل الدبلوماسي سواء من دول عربية أم إسلامية، وبالفعل فقد أقر القرار الذي حصل على 14 من أصل 15 صوتاً بعد امتناع الولايات المتحدة عن التصويت.
التوصيات:
- تشكيل إطار برلماني عربي إسلامي يعمل على الحشد الدبلوماسي ضمن الأطر الرسمية العربية والإسلامية والدفع نحو اتخاذ إجراءات مباشرة.
- مطالبة مصر بلعب دورها الإقليمي في إفريقيا، والدفع نحو منع عقد المؤتمر لما فيه من خطر على مستقبل مصر بعد تعاظم نفوذ “إسرائيل” في دول حوض النيل.
- الترتيب لمؤتمر فلسطيني إفريقي يحشد الدول الإفريقية لصالح القضية الفلسطينية ويكشف المطامع الإسرائيلية في القارة.
- التوجه نحو الدول القادرة على إفشال المؤتمر، مثل جنوب إفريقيا، ومصر، وتركيا، وقطر، والسعودية، والمغرب، والجزائر، وغيرها للتواصل مع الدول التي من المحتمل أن تشارك,لثنيها عن ذلك.
- دعم تحركات المؤسسات المناهضة للعنصرية في الدول الإفريقية للكشف عن حقيقة وطبيعة الاحتلال من خلال برامج توعوية للنخب الإفريقية وللشعب.
- ترتيب حملة إعلامية في إفريقية مناهضة للمؤتمر.
- وفي حال عقد المؤتمر، يتم الدفع باتجاه قيام مظاهرات مباشرة أمام مكان انعقاد المؤتمر.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات