تدخل الإمارات عاماً جديداً في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في ظل مؤشرات اقتصادية مُقلقة للاستثمار، مع القوانين الجديدة التي بدأت تطبق هذا العام من ضمنها فرض رسوم على منازل الوافدين المستأجرة في أبوظبي، إضافة إلى ارتفاع أسعار المياه والكهرباء، ودخول ضريبة القيمة المُضافة العام القادم حيز التنفيذ.
وبسبب زيادة الانفاق الإماراتي في مشاريع وهمية داخلياً وأجور خيالية لمستشارين، إضافة إلى تعاظم الانفاق على الانقلابات والحروب الخارجية لأبوظبي، تعاني الدولة من عدة مشاكل اقتصادية خفية بدأت تظهر على السطح مع انهيار أسعار المشتقات النفطية ومع كل الحلول التي تبذل إلا أن العجز في الموازنة الاتحادية والحكومات المحلية مستمرة ما يثير أسباباً مُلحة حول أسباب هذا العجز وتفاق الدين العام على الإمارات، والتسبب في تهديد بانتكاسة الاقتصاد الإماراتي الذي يستمر في محاولة تعافيه من انتكاسة 2008م.
ولا تنشر الإمارات بيانات مالية مجمعة بانتظام, وهو ما يصبح عبئاً ثقيلاً على الباحثين الاقتصاديين عند دراسة خطها المالي والاقتصادي.
تخبط في حجم العجز الاتحادي
ولا تملك الحكومة الاتحادية توقعات حقيقية لحجم العجز في الموازنة الاتحادية، ففي 2014م أعلنت وزارة المالية في الحكومة الاتحادية عن موازنة 2015م دون تسجيل عجز، وحتى يوليو عام 2015م كشفت عن عجز في الموازنة لعام 2015 بنسبة 2.9%.
ووعدت الحكومة بالحصول على فائض مع رفع الدعم عن المشتقات النفطية مقداره 2% عام 2016، وفائض بنسبة 1.5% عام 2017م، لكن صندوق النقد الدولي توقع اعلان الامارات عجزا مالياً عموماً بنسبة 3.86% من الناتج المحلي خلال 2016م، ما يشير إلى أن الحكومة الاتحادية لا تملك رؤية استراتيجية لترشيد الإنفاق، بالرغم من الحصول على فائض لم تكن لتحصل عليه قبل عام 2016م فقد وفرت الدولة حوالى 29 مليار دولار سنوياً مما تدفعه لدعم أسعار المنتجات النفطية والكهرباء.
ولا تشكل الميزانية الاتحادية عادة أكثر من حوالي 14% من إجمالي الإنفاق المالي في البلاد، بينما تسهم كل من الإمارات السبع التي تتألف منها الدولة -لا سيما أبوظبي المنتجة للنفط- بالباقي. وفي يوليو الماضي قدر صندوق النقد الدولي عجز موازنة أبو ظبي بنحو 6.9 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2016. فيما أعلنت إمارة دبي أن عجز الموازنة للعام القادم 2017 سيكون 6 بالمائة من الناتج المحلي للإمارة.
وبالرغم من كون الرسوم التي بدأت تطبق هذا العام تختص بإمارة أبوظبي إلا أنها ستنعكس على الإمارات الأخرى التي تطبق بعضاً من تلك الرسوم وغيرها على الجميع بمن فيهم الإماراتيين. وتفرض إمارة دبي المجاورة وهي المركز المالي للإمارات رسوما بلدية على المستأجرين بواقع خمسة في المئة، لكنها لا تفرض ضرائب على الدخل.
3 مسارات للتخلص من العجز المالي
الأول: زيادة الرسوم والجبايات الحكومية على المقيمين والمواطنين في “المشتقات النفطية” و “رسوم الكهرباء والمياه” و “المعاملات الحكومية” و القوانين التي تُفَعل الضرائب والمدفوعات إلى جانب إيرادات جديدة كرسوم البلديات. وفي ذلك أعباء كبيرة على المواطن والمقيم ففي مرحلة معينة سيتوقف الاستثمار في الدولة من بينها الرسوم والضرائب التي كان عدم وجودها محفز للاستثمار في الإمارات، ما يعني مغادرة الوافدين مع ارتفاع التضخم وزيادة غلاء المعيشة وتعتبر أبوظبي ودبي من أكبر الدول التي تعاني من غلاء المعيشة.
الثاني: تقوم الدولة باللجوء إلى الصندوق السيادي للدولة وهو ما حدث فعلاً حيث تشير التقارير الدولية إلى أن أصول الصندوق السيادي (جهاز أبوظبي للاستثمار) تراجعت من 502 مليار دولار عام 2014 إلى 475 مليار دولار مع نهاية العام 2015م ما يعني الحاجة إلى اللجوء لسحب ما يقرب من 27 مليار دولار لسد عجز الموازنة, وخفضت الإمارات حيازتها من سندات الخزانة الأمريكية بنحو 200 مليون دولار إلى 66 مليار دولار، حتى نهاية يوليو/تموز الماضي.
وذلك حسب البيانات التي تصدرها وزارة الخزانة في الولايات المتحدة. الصندوق والسندات من المفترض أن يدوم لأجيال ومع ذلك نحن نستفيد منه منذ الآن – قبل عدة أعوام بكثير مما كان يُفترض أن نفعل, إذا واصلنا الإنفاق كما نفعل ولم يستطع الصندوق تحقيق عوائد لائقة، عندها يُمكن أن ينتهي بنا الأمر بأن نلتهمه. وتوجَه بعض الانتقادات إلى بعض الصناديق السيادية، بأن التأثيرات السياسية تتحكم في قراراتها الاستثمارية لا الاعتبارات الاقتصادية. كما يعاب على بعضها نقص الشفافية وهو ما قالت به مجموعة “جيو إيكونوميكا” للأبحاث، التي أشارت إلى أن غالبية صناديق الثروة السيادية الكبرى في العالم تفتقر إلى الشفافية والحوكمة، خاصة الخليجية منها.
الثالث: الدين العام، داخلياً وخارجياً، ولا تستطيع الدولة الاتحادية الاستدانة لسد العجز لعدم وجود قانون للدين العام، فيما تستطيع الحكومات المحلية الاستدانة، وعدم وجود قانون للدين العام يحول البنك المركزي إلى منظم للعمليات، ومنذ عام 2013 والبنك المركزي يطالب بصدور القانون, ففي عام 2013 قال محافظ مصرف الإمارات المركزي، سلطان بن ناصر السويدي، “ينبغي أن تعجل الإمارات بإصدار قانون الدين العام الذي تأخر كثيراً وإن تعطي الأولوية لتطوير سوق الديون المحلية”.
وبعد انتهاء ثلاث سنوات ما زالت المالية تأمل بالانتهاء من قانون الدين العام الاتحادي وتفعيل السندات المحلية، في خطوة من شأنها أن تسمح للدولة لإصدار أدوات دين على المستوى الاتحادي. وسيحدد مشروع القانون إطارا لإنشاء سوق للسندات الحكومية بالإمارات، وتداول أدوات للدين العام في سوق أو أكثر من الأسواق المالية الثلاثة في الدولة، ويضع القانون سقفا للدين الحكومي بحيث لا يتجاوز 25% من الناتج المحلي الإجمالي، أي 200 مليار درهم (54.46 مليار دولار).
لكن من الملاحظ أن الدولة تكتفي فقط بالديون المحلية كل إمارة على “حده” إضافة إلى الديون الخارجية من دول ومؤسسات عديدة، وزادت حجم الديون الداخلية والخارجية للإمارات منذ 2010م بالرغم من مرور عامين على الأزمة الاقتصادية، في وقت تستمر الدولة في تأجيل الديون التي مع زيادة مدة التأجيل تزيد الفوائد، وقدرت الايكونومست حجم الدين الخارجي للدولة بحوالي 122،69 مليار دولار في 2010 ، فيما ارتفع عام 2012م إلى حوالي 163,8 مليار دولار2012م، وحسب مركز دراسات المخابرات الأمريكية فإن حجم الدين الخارجي على الإمارات وصل 171.9 مليار دولار 2015م، فيما تشير تقديرات إلى أن حجم السندات الداخلية (الديون على الحكومة، إحصائيات 2013) 65.8 مليار دولار، وحسب تقرير صدر في يناير 2017م عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، فإن حجم الديون الخارجية كنسبة بالناتج المحلي للإمارات يصل 59بالمائة عام 2016م، فيما كان 51.3٪ من الناتج المحلي الإجمالي في (2015).
ومن المفارقات تلك الوعود الحكومية التي وصلت إلى البرلمان ففي عام 2009م قال المجلس الوطني الاتحادي إن الدولة تعتزم خفض مستوى الدين العام إلى 45% من إجمالي الناتج المحلي في وقت كانت الدولة تعاني من أزمة الكساد أما بالنسبة لحكومات الامارات السبع يجب ألا يتجاوز الدين العام 15% من إنتاجها المحلي ومن الواضح أنها اضغاث أحلام.
والعام الماضي وقعت أبوظبي سندات بـ5مليار دولار للمرة الأولى منذ 2009م. وهو ما يثير القلق من زيادة الدين العام الداخلي والخارجي المفروض على الحكومة الإماراتية – خصوصاً إمارتي دبي وأبوظبي- الذي أظهر تزايداً مستمراً الأعوام الماضية.
ويتم قياس درجة المخاطر في اقتصاد معين عن طريق مقارنة الدين العام بالناتج المحلي الاجمالي لهذه الدولة، فيستخدم الناتج المحلي الإجمالي كمؤشر لمدة صحة الاقتصاد ومدى إمكانية الدولة من سداد ديونها. ويعتبر الدين العام خطيراً عند وصول الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في الدول النامية إلى 65% وفي الدول المتقدمة إلى 90%. يجب على الدولة الانتباه عند استخدام الدين العام، فمعدلات الدين العام المرتفعة لها تأثير كبير على الاقتصاد لذلك يجب التركيز عن استخدام الدين العام بطريقة صحيحة تؤدي إلى دفع الناتج المحلي الإجمالي وإبقاء معدلات الفائدة منخفضة.
ويأثر العجز وارتفاع الدين العام على معدل التضخم (أسعار المستهلك)، فحسب تقديرات دولية ارتفع معدل التضخم عل أساس سنوي من 2.3٪ (2014) إلى 4.1٪ (2015)، وهذا هو السبب في كون أبوظبي ودبي من أغلى المدن في العالم من حيث المعيشة.
الدواعي والمبررات
لا ينبغي الخلط بين عجز الميزانية والمديونية العمومية، حتى وإن كان العجز يترجم بالضرورة كدين إضافي. إذ أن العجز عبارة عن تدفق (Flow) من حيث إنه حصيلة ميزانية سنة مالية واحدة، أما الدين العمومي فهو عبارة عن مخزون (Stock) أي تراكم لعدة سنوات من العجز.
ولا يعد عجز الميزانية على الدوام مؤشرا على سوء إدارة المالية العمومية، وإنما العبرة بأوجه الإنفاق العمومي ومبرراته التي استدعت وجود العجز أصلا.
وقد تكو لدى إمارة دبي حاجة إلى الاستدانة من أجل التحضير إلى معارض “أكسبو 2020م” فيما قد لا تظهر الميزانية الحكومية حاجة ملحة لزيادة النفقات وتسجيل العجز في الدولة عند هذا المستوى الكبير من الانفاق.
فالأصل في الإنفاق العمومي على الاستهلاك ألا يخرج على الغرض، ويبقى في حدود ما تسمح به إمكانيات الدولة ويوافق الاتجاه العام لمستوى عيش المجتمع. وذلك ما يقضي به المنطق ومطلبي الفعالية والنجاعة في تدبير المالية العمومية.
فمن غير المعقول أن تلجأ الحكومة إلى العجز والاستدانة من أجل دعم الانقلابات في المنطقة (قدمت الإمارات قرابة 26 مليار دولار للانقلاب في مصر ومليارات الدولارات لتمددها في سياسات دول المنطقة) وأداء أجور خيالية للمستشارين الغربييين والعرب الأمنيين ودبلوماسيين (وظفت الإمارات برناندو ليون المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا ب53 ألف دولار أميركي، لتولي رئاسة الأكاديمية الدبلوماسية)، أو لكبار موظفي الدولة ومسؤوليها، أو الإنفاق على صفقات تسلح غير مبررة. وخصوصا إذا تعلق الأمر ببلد محدود الموارد وغارق في الديون مثل الإمارات (بلغ الانفاق العسكري 14.375 مليار دولار 2015م.
ويؤثر أصحاب المصالح الخاصة وذوو النفوذ في السياسات الحكومية في الدولة، ويظل القرار السياسي بعيداً عن الإرادة الشعبية في ظل وجود مجلس وطني (بلا صلاحيات) وسيطرة جهاز أمن الدولة على القرار السياسي في الدولة.
بدون أن تقلص الدولة من النفقات المتزايدة في الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية فإن إدارة الدولة بهذه الكيفية ستوصل إلى التهام مستقبل الإماراتيين الاقتصادي، ومعه سيتم التهام مستقبلهم الوظيفي والحقوقي، وبدون وجود رقابة كافية من قبل الشعب الإماراتي على المال العام ومحاسبة العابثين عبر مجلس وطني (برلمان) كامل الصلاحيات، يراقب الموازنة العامة الاتحادية والمحلية، فإن هذا التسيب في الدولة سوف يستمر ومعه سنفقد السفينة التي تستمر سياسات من هذا النوع في خرقها.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات